الدرس في أخلاقيات الصائم في رمضان 5، ألقاها
ينبغي للصائم أن يتخلق بأخلاق معينة، منها اجتناب الصخب والجهل والمجادلة، وأن يكون على سكينة ووقار. كما جاء في حديث أبي هريرة وأقوال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في ذلك.
ينبغي للمسلم أن يتحكم في غضبه ويملك نفسه عند الغضب، لأن الغضب يؤدي إلى أفعال وأقوال غير مرغوبة وقد يؤدي إلى الندم. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف الشديد بأنه الذي يملك نفسه عند الغضب.
ينصح بالابتعاد عن الغضب والصخب أثناء الصيام، ويُستدل على ذلك بالأحاديث والآثار النبوية وكلام السلف. كما يُشدد على أهمية التحكم في النفس أثناء الصيام لتحقيق الأجر الكامل.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فهذا تكملة لما قد ذكرناه من قبل في أخلاق الصائم التي ينبغي أن يتخلق بها. ومما جاء في الأحاديث حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي صالح الزيات عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الصوم جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم». قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا يصخب» والصخب هو الصياح والمجادلة والخصومات، فالصياح لعجل الخصومة يسمى صخب، ويسمى أيضا بالسين صخب، فقد جاء في البخاري أيضا في حديث عبد الله بن عمر فيما كان يذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من صفاته في التوراة عليه الصلاة والسلام: «أنه ليس بالفظ ولا بالغليظ ولا بالسخاب في الأسواق»، والسخاب أيضا هنا الصياح والمجادل والمخاصم الذي يرفع صوته على الناس ويخاصمهم ويجادلهم. ولهذا جاء أيضا رواية أخرى في الصحيحين قال: «ولا يجهل»، والمراد بالجهل هنا أيضا الصياح وأيضا الخصومة والتي يكون فيها الكلام الشديد، فهذا يعتبر جهلا. وأيضا جاء خارج الصحيح: «ولا يجادل»، وهذا كله بمعنى واحد أن الصائم ينبغي عليه أن يكون على تؤدة ويكون على سكينة ووقار. ولهذا قد ذكر جابر بن عبد الله رحمه الله في كلامه الذي رواه ابن أبي شيبة وغيره بإسناد صحيح عنه أنه كان يقول: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك عن الآثام، وعليك بالسكينة والوقار، ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء». فهنا يقول جابر رضي الله عنه أنه أيضا ينبغي للصائم أن يكون أيضا ساكنا وعنده وقار، هذه من الآداب التي ينبغي أن يتأدب بها الصائم. والأخلاق التي يتخلق بها الصائم ما يكون يصايح الناس، وأيضا كذلك يحاول أن يدخل الجدال في حديثه، يجادل بالأشياء السيئة والمعارضات غير الصحيحة، فهذا لا ينبغي أن يكون في الصائم. فلهذا فالصخب والسخب بمعنى واحد كما قلنا، وهو الصياح والخصام، وهذا الصياح والخصام إنما هو أثر من آثار الغضب. فالغضب دوافعه كثيرة، إما أنه يأتي بسبب أن الإنسان سمع قولا يكره معنى، سمع كلاما يكره فينتقم لنفسه، أو أنه سمع شيئا في غيره لا يرضاه، أو أحيانا يكون حمية على حمية لقبيلته، عصبية لقبيلته، أو يكون أحيانا غيره على محارم أو على دين، لكنه على غير الوجه الصحيح. فإن كانت غيرة صحيحة فهي مما حث عليها الشرع. وقد كان كما قالت عائشة رضي الله عنها: كان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينتقم لنفسه، وكان لا يغضب لنفسه إلا إذا انتهكت حرمات الله فينتقم لله جل وعلا، قالت: يغضب لله جل وعلا. فالغضب أيضا كذلك ينبغي للإنسان أن يبعده عنه، أي صائم خاصة، ولا ينبغي أن يفعل مثل كثير مما يفعل الآن المنتشر عند كثير من الناس أن الصائم يكون غضبانا دائما. حتى بعضهم يتلفظ بكلام سيء، فيقول مثلا إذا أغضبه أحد: اذهب لا تجعلني أخرج صومي معك، كأن الصوم شيء من الغضب فيه، وكأنه أيضا هو يصوم وليس براض عن هذا الصوم، فيقول: سأخرج صومي معك، وكأن الصوم أيضا هو سب وشتيمة، وهذا لا يليق بالصائم أن يكون على غضب دائما. بل كما هو معلوم وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من الغضب مطلقا في حديث أبي هريرة في الصحيحين لما جاءه الرجل قال: يا رسول الله أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، فردد مرارا قال: «لا تغضب». قال الراوي: فنظرت فإذا عامة الشر من الغضب، فإذا عامة الشر أي كل الشر أو عامته وأكثره يأتي من الغضب. إذا غضب الإنسان فإنه يأتي بعد ذلك بالشر، فلهذا فالغضب ينبغي للمسلم أن يتحفظ عنه. وجاء في الحديث الذي في الصحيحين أيضا حديث أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». وجاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما تعدون الشديد فيكم؟» قالوا: الذي يصرع الناس، قال: «الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فالغضب قد يحتوي الإنسان، والنصوص التي جاءت في النهي عن الغضب ليس عن الغضب لذاته لأن الإنسان لا بد أن يغضب، لكن هناك غضب محمود وهو إن كان لله عز وجل، وهناك غضب مذموم إذا كان لغير الله. وأيضا حتى الغضب المذموم هذا أو الغضب نفسه هو أيضا كما قلنا ليس النهي لذاته وإنما للآثار التي تترتب عليه. فلهذا من الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب، أي يغضب لكنه يملك نفسه. فالغضب موجود. ولهذا يؤثر عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه كان يقول: «من استغضب فلم يغضب فهو حمار». وهذا ذكره أبو نعيم في الحلية عن الشافعي بإسناد صحيح. والمراد من كلام الإمام الشافعي أن الإنسان لا بد أن يغضب، لكن ليس هو المذموم هو الغضب نفسه وإنما الآثار التي تكون عن الغضب. ولهذا الذي يكظم الغيظ ويكظم الغضب قد أثنى عليه الرب سبحانه وتعالى، وجعل من صفات أهل الإيمان أنهم كاظمون للغيظ والعافون عن الناس. فجعل من يكظم غيظه هو من صفات أهل الإيمان، والكاظم الغيظ هو كاظم الغضب، يغضب في داخله لكن يمسك نفسه، فإما ينصرف وإما يعفو عن هذا الذي تكلم عليه أو يفعل شيئا مما لا يكون فيه أثر من آثار الغضب. فلهذا فالمسلم ينبغي عليه أن يبتعد عن الغضب، وخاصة أيضا الصائم لا يجعل الشيطان يسول له أنه إذا ترك الطعام والشراب فإنه يكون غضبان. فإذا تكلم فلا يتكلم إلا بشدة، وإذا ما زحمه أحد أو كلمه بشيء غضب عليه وصاح فيه، وإذا خرج إلى السوق يبايع خاصم الناس ويصايح الناس، هذا ليس من أخلاق الصائم أبدا وليس من أخلاق المؤمن. فالصائم ينبغي عليه أن يكون فيه السكينة والوقار، عليه أن يكون فيه الليل، لا يجعل غضبه يؤثر فيه. والغضب عباد الله هو من الأمور التي استولت على كثير من المسلمين على أخلاقهم وعلى تصرفاتهم وعلى أيضا كذلك معاملتهم حتى مع أهاليهم ومع أولادهم. فينبغي للمسلم أن لا يجعل الغضب هو محور حياته دائما غضبان دائما تصرفاته في غضب، فهذا خطأ. وأيضا كما كان بعض السلف يقول: من كان غضبه في كل شيء فهو أحمق، معنى إذا كان يغضب على أي شيء ويجعل الغضب معنى كما يقولون الآن يحرك بسرعة، معنى بسرعة تجده تكلم كذا وكذا ويشتم أو أنه يصايح على أدنى سبب تافه أو كذا، فهذا غالبا أنه يؤديه إلى النار والعياذ بالله. فلا يجعل الإنسان الغضب يتحكم فيه، يملك نفسه عند الغضب، ولو كان شيئا يسيرا. إذا كان قد جعل الله عز وجل من طبعه الغضب على الطباع تختلف في الناس، فمن الناس من يخلق على السكينة على الوقار على الهدوء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأشج بن عبد القيس: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله»، قال: يا رسول الله أشيء تخلقت به أو جبلت عليه؟ قال: «بل جبلت عليهما»، قال عليه الصلاة والسلام: «الحلم والأناة»، فالحلم هو ترك الغضب، والأناة هي التؤدة، وأيضا معناه أنه يعقل الأمور ثم يفكر في هذه الأمور ولا يكون هناك عنده طيش وسرعة في الأفعال وفي الردود. وإنما يحاول أن يتأنى ويفكر هل هذا فيه مصلحة هل هذا فيه منفعة، وهذا ما يفعله إلا من يترك الغضب لأن الغضب هو الذي يحمله على الطيش ويحمله على الأفعال التي ما كان يريدها. ولهذا غالبا الذي ينفعل بسرعة غالبا ما يندم، والذي يغضب دائما غالبا ما يندم لأنه إذا غضب تكلم بكلام ما يريده وفعل أفعالا ما كان يريد أن يفعلها. فلهذا المسلم ينبغي عليه أن يوطن نفسه ويرغم نفسه على عدم الغضب وعدم الآثار التي تترتب عليه، ويملك نفسه عند الغضب، وهذا هو الشديد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». فلهذا كما قلنا نعود لما كنا عليه، فالصخب هو صفة أو أثر من آثار الغضب. وكما قال بعض السلف كما ذكر الإمام ابن حبان في الروضة قال: «كان بعض السلف يقول: الغضب نار والصخب عار»، الغضب نار والصخب عار، يعني عار الغضب هو صخب، والصخب هذا هو أثر من آثار الغضب إذا حصل الغضب هي نار في جوف الإنسان، إذا أخرجها بالصخب وبغيره فإنه عار عليه، عار يرجع عليه. فغالبا إذا كان عنده نفس طيبة يرجع ويندم، وإلا كانت نفسه خبيثة غالبا فلا يندم ويتمادى في باطله. فلهذا عباد الله ينبغي علينا أن نحرص على هذه الأخلاق التي جاءت في هذه الأحاديث، ومن هذا الخلق أنه لا يصيح للإنسان يجعل صوته صياحا مع الناس ومجادلات ومخاصمات. فإن سابه أحد أو تكلم عليه أو فعل فعلا يغضبه فليقل: «إني صائم»، ويبتعد عن هذا المكان إن كان فيه. وقد جاءت الأحاديث والآثار في النهي عن الغضب كثيرة، جاءت في الشرع منها ما صح في الحديث ومنها ما صح من كلام السلف، لكن ليس هذا بابه. وإنما أردت أن أنبه على هذه الخصلة وهي الصخب، ولأنها أثر من آثار الغضب تكلمنا شيئا في الغضب. فنسأل الله عز وجل لنا التوفيق والإعانة والسداد. والحمد لله رب العالمين.