الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع آراء العلماء في حكم زيادة الثقة في رواية الحديث، حيث يختلفون بين القبول المطلق والترجيح بحسب المرجحات. الحكم يعتمد على الترجيح وليس على مجرد الوصول أو الرفع.
التدليس هو رواية الراوي عن شيخ سمع منه ما لم يسمعه، ويُعد إرسالًا خفيًا أو تدليسًا بحسب الظروف. قُسم التدليس إلى عدة أنواع منها تدليس الإسناد والتسوية والعطف والسكوت والقطع.
تدليس التسوية هو نوع من التدليس يحدث عند نسبة قول لغيره دون سماعه. سيتم التطرق إلى تدليس الإسناد في درس لاحق.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وعليه وصحبه ومن والاه. قال: المسألة الرابعة: إذا روى بعض الثقات الضابطين الحديث مرسلًا، وبعضهم متصلًا، أو بعضهم موقوفًا وبعضهم مرفوعًا، أو وصله ورفعه في وقت، وأرسله ووقفه في وقت، فالصحيح أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر؛ لأن ذلك زيادة ثقة، وهي مقبولة. هذه المسألة مسألة العلل، وهو الحكم لمن رفع أو أرسل، أو لمن أوقف أو رفع. هذا الصحيح أن الحكم ليس لمن وصل ورفع مطلقًا إذا كان ثقة؛ بل إنه يخضع إلى الترجيح. وهذا هو قول أهل الحديث وبعض أهل الأصول، والذي مشى عليه الأصوليون أن زيادة الثقة مقبولة مطلقًا، وهذا غير صحيح كما تقدم. معنى أن بيناه، فقولهم: زيادة الثقة مقبولة مطلقًا، ليس بصحيح؛ بل هو كما قال الحافظ: فيه تناقض لمن يقول بالشاذ. كيف هؤلاء شافعية؟ كثير من علماء شافعية يقولون بالشاذ، ويقولون أن زيادة الثقة مقبولة، فهذا فيه تناقض؛ لأن لو كانت زيادة الثقة مقبولة مطلقًا لما كان هناك شيء يسمى شاذًا. وهم متفقون مع أهل الحديث -أو بعضهم يتفق مع أهل الحديث- أن الشاذ أن الحديث الصحيح لا بد أن يكون ليس بشاذ. فإذا اتفقوا على ذلك، أو وافق كثير منهم أهل الحديث على هذا، فكيف بعد ذلك يقال: إن زيادة الثقة مقبولة مطلقًا؟ فهذا ليس بصحيح كما قال حافظ بن حجر رحمه الله. بل إن هذا يخضع للترجيح، كما هو مذهب أهل الحديث: أن الترجيح بالمرجحات. ومن المرجحات في الحديث الكثرة، ومن المرجحات أيضًا الحفظ، ومن المرجحات أيضًا القرائن. والقرائن حتى ترجح عند كثير من علماء الحديث على الحفظ وعلى كثرة العدد أيضًا. فلهذا فليس الحكم للموصل، وليس الحكم لمن رفع، وإنما الحكم بحسب الترجيح. إن كان المرجح هو الموصول، قيل بالموصول، وإن كان المرجح هو المرسل، قيل إنه مرسل. والواقع يثبت نفسه: كيف يكون هذا الحديث يرويه بعض الثقات، لكن يرسله، ويأتي آخرون من الثقات، وهم أوثق منهم وأكثر منهم عددًا، فيوصلونه؟ كيف نقول: الحكم للموصل، فيرسلونه، وهؤلاء يوصلونه؟ نقول: الحكم للموصل، هذا بعيد جدًا. وتجد في الواقع: أن من تأمل علوم الحديث، وتأمل من يذكر هذا الحديث، يجد أن هذا عين الصواب؛ أن المرسل بعضهم يرسل، وهم أصح. فلهذا دائمًا تجد الدارقطني وغيره يقولون: المرسل أصح، والمرسل أشبه، وهكذا. وقوله هنا: لأن زيادة الثقة هي مقبولة، قلنا: ليس على إطلاقه. قالوا: منهم من قال: الحكم لمن أرسله. وأما الخطيب الذي ذكر أن البخاري ومسلم يقولان بأن زيادة الثقة مقبولة مطلقًا، فقد أخطأ. أخطأ في الكفاية، مع أنه ألف رسالة في المتصل، أو في مزيد الإسناد. ألف رسالة في هذا الجزء، وذكر أن المحدثين كلهم اتفقوا على أنه إذا أوصل الثقة، والحافظ وغيره أرسل، وغيره وصل، فالمرسل مقدم على الموصول؛ لأنه لا يُنظر إلى الترجيح إذا كان هؤلاء ثقات، لكن هؤلاء أوثق منهم، أو هؤلاء ثقات، لكنهم عدد قليل، وأكثر العدد هنا. وأحيانًا الخطأ يتبين من الحديث نفسه. قالوا: منهم من قال: الحكم لمن أرسله أو وقفه. قال الخطيب: وهو قول أكثر المحدثين. وعن بعضهم: الحكم للأكثر، وبعضهم للأحفظ. وعلى هذا: لو أرسله ووقفه للأحفظ، لا يقبح الوصل والرفع في عدالة راويه. وقيل: يقبح في وصله ما أرسله الحفاظ، لكن ما أرسله الحفاظ وخالفهم دائمًا -يعني إذا كان هذا حصل منه أكثر من مرة- هذا يدل على سوء حفظه. لكن لو حصل منه أحيانًا، فهذا لا يؤثر على حفظه. قال: النوع الثاني عشر: التدليس. قال: وهو قسمان: الأول تدليس الإسناد، بأن يروي عن من عاصره ما لم يسمعه منه، موهمًا سماعه، قائلًا: قال فلان، أو عن فلان، ونحوه. وربما لم يسقط شيخه، وأسقط غيره ضعيفًا أو صغيرًا تحسينًا للحديث. أن هذا التدليس -التدليس هو التمويه- دلس الشيء: أي موه عليه. من دلس الشيء تدليسًا: أي أظهر خلاف ما يبطن، أو أظهر شيء على خلاف ما هو عليه. وثم ذكرت أنه قسمان: القسم الأول تدليس الإسناد. قال: بأن يروي عن من عاصره ما لم يسمعه منه، موهمًا سماعه، قائلًا: قال فلان، أو عن فلان. وربما لم يسقط شيخه، وأسقط غيره ضعيفًا أو صغيرًا تحسينًا للحديث. هذا الذي ذكره ابن الصلاح رحمه الله. ولكن ابن الصلاح ذكر أنه: أن يروي عن من سمعه أو عن من عاصره. لكن هنا المؤلف كأنه حذف: أو عن من سمعه، وذكر: عن من عاصره. والصحيح الذي رجحه الحافظ ابن حجر وغيره: أن رواية المعاصر لا تسمى تدليسًا، وإنما تسمى إرسالًا خفيًا. تسمى إرسالًا خفيًا. وأما إذا ثبت اللقاء، فهو تدليس إذا ثبت أنه سمع من هذا الشيخ، ثم روى عنه ما لم يسمعه منه، فهو تدليس. فلهذا عرف الحافظ أبو بكر البزار وأبو الحسن القطاد: أن التدليس هو أن يروي عن من سمعه، أو أن يروي عن من سمع منه ما لم يسمع منه. أن يروي عن من سمعه منه ما لم يسمع منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه. أو بعضهم يقول -كما جاء عن القطاد- أنه قال: أن يروي عن من سمعه ما لم يسمعه منه. روى عن شيخ قد سمع منه، لكن هذا الحديث لم يسمعه منه، فهذا تدليس. معنى موهمًا أنه سمعه منه. أنا نأتي -كما قلنا- بمثال على الواقع. ما جاء عن سعد بن عبيدة: فسعد بن عبيدة روى حديثًا عن ابن عمر، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد أشرك». هذا الحديث له قصة، وهو أن سعد بن عبيدة كان جالسًا في مجلس عبد الله بن عمر، ثم إنه خرج من المسجد، طلبه أهله، فخرج، ثم رجع، فوجد المجلس قد انفض، قد انتهى المجلس. قال: فقلت لرجل يقال له أبو محمد الكندي: ماذا قال أبو عبد الرحمن بعد ما ذهب؟ فذكر له هذا الحديث، أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك». فالآن الذي سمع هذا الحديث من عبد الله بن عمر ليس سعد بن عبيدة، لكن سعد بن عبيدة في بعض الروايات -بل أكثرها- يقول: عن عبد الله بن عمر؛ لأنه قد سمع من عبد الله بن عمر، فيقول: عن عبد الله بن عمر، ولم يقول: عن أبي محمد الكندي. لكن الذي فصل هذا التفصيل هو منصور بن المعتمر، جاء بهذه القصة: وأن سعد بن عبيدة لم يسمع هذا الحديث مباشرة من عبد الله بن عمر، وإنما بينهما واسطة، وهو أبو محمد الكندي. هذا وأبو محمد الكندي هذا لا يعرف، لكن الحديث قد جاء من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه، أنه قال: من حلف بغير الله، فقال فيه قولًا شديدًا. فقال فيه قولًا شديدًا، وهذا القول الشديد يحمل على أنه قال: من حلف بغير الله فقد أشرك. وقد جاء أيضًا من غير هذا الطريق، من غير طريق سعد بن عبيدة، فهو صحيح. أن عبد الله بن عمر طيب، هذا مثال واضح يدلك على كيف يكون التدليس. فالآن سعد بن عبيدة يعتبر مدلسًا هذا الحديث، دلس هذا الحديث عن ابن عمر. وفي مجلس من المجالس ذكر القصة الصحيحة. ولأن كثيرًا من السلف لا يعتبر هذا شيئًا، معناه شيء يلام عليه. ولهذا لما قيل للحسن: ألا تسند لنا حديثك؟ قالوا للحسن: ألا تسند لنا حديثك؟ أنا قل لنا عن من هذا الحديث؟ فغضب الحسن، قال: هل ترون أننا نروي عن السوق؟ أنا عن ناس -معناه هكذا- من أهل السوق، أو فساق، أو كذا. نحن نروي عن أهل علم، مشايخ. لكن هذا لا يدل على أن الإنسان يدلس، أو أنه يروي لا يذكر من روى عنه؛ لا يذكر من روى عنه؛ لأن هذا يعمي من روى عنه، وقد يكون هذا الذي روى عنه رجل إما كذاب، وإما وضاع، وإما أيضًا شيخ، لكنه سيء الحفظ، أيضًا يهم في الأحاديث، وهكذا. فلهذا فلا يعد هذا مثلًا عذرًا: أن مثلا نحن نروي عن مشايخ، وكذا. لكن هذا بحسب ظنه رحمه الله، بحسب ظنه. ولهذا كما قلنا: بعض السلف لا يفعل ذلك، مثلا يريد أن يموه على الناس، ولكن من باب السماحة يفعلون ذلك، من باب السماحة. وأن الأصل النفس المسلم العدالة، فيأخذ الحديث ويرويه، ويرويه دون أن يذكر فلانًا، مثلا يقول: عن ابن عمر، عن أبي هريرة، عن كذا. مثل ما كان يفعل الحسن، فهو يدلس كثيرًا. الحسن دائمًا يدلس، وهذا على السماحة، ليس التعمد. لكن بالخبرة في العلم الحديث، وبممارسة علم الحديث، يجد الشخص أن التدليس هذا يضر. فلهذا أول من تكلم في التدليس كثيرًا هو شعبة بن الحجاج، هو شعبة بن الحجاج، هو أول من تكلم في هذا الباب. قال: أن التدليس أخو الكذب. وقال: لأن أدلس أحب إلي إن لأن أشرب من بول الحمار أحب إلي من أن أدلس. وغيرها من الكلام الذي جاء عنه رحمه الله، ينفر عن مثل هذه، عن التدليس، ويرى أنه أخو الكذب. أن التدليس أخو الكذب. وكذلك أيده جماعة. وكذلك أول من أنكر على التدليس أيضًا ابن سيرين. طبعًا لا: شعبة، فكان ابن سيرين يقول: عندنا ثلاثة لا يدرون عن من رووا. عندنا ثلاثة، أو يقول: لا يسمون من رووا، فذكر منهم الحسن، وأبو العالية، والظاهر أنه ثالث حميد. فقال: كان يقول لهم: سلوا الحسن عم من سمع هذا الحديث؟ وسلوا أبا العالية عم من سمع هذا الحديث؟ فكان يتحرى في هذا الباب. فلهذا في التدليس أمره خطير. وتدليس الإسناد هو أن يسمع، أو أن يروي عم من سمعه منه، عم من سمع منه ما لم يسمع منه، موهمًا أنه سمع، موهمًا أنه سمع. فهذا حديث تدليس الإسناد. قالوا: ربما لم يسقط شيخه، وأسقط غيره ضعيفًا أو صغيرًا تحسينًا للحديث. وهذا يسمى تدليس تدليس التسوية. وهذا من زوائد المصنف، هذا من زوائد الإمام النووي على ابن الصلاح؛ لأنه يدخل تدليس التسوية في تدليس الإسناد. وتدليس التسوية هو: لا يسقط شيخه، لكن يسقط من بعده يكون ضعيفًا. أو يقولون: أن تدليس التسوية هو إسقاط ضعيف بين ثقتين، قد سمع كل منهما من الآخر. أن يسقط ضعيفًا بين ثقتين، قد سمع كل منهما من الآخر، فهذا يسمى تدليس التسوية. تدليس التسوية: ماذا كان يفعله الوليد بن مسلم رحمه الله؟ فكان الوليد بن مسلم يقول: حدثنا الأوزاعي، ثم يحدث. الواسطة بين الأوزاعي والزهري هو يقول: حدثنا الأوزاعي، لكن يكون بين الأوزاعي والزهري رجل ضعيف، فيحذفه، فيقول: الأوزاعي عن الزهري، عن أنس، أو معنى بسند الزهري. فقال له الهيثم بن جميل: يا أبا العباس، إنك إن تفعل هذا، الناس يتهموا الأوزاعي. أنا الآن: أنت تفعل هذا الفعل، الناس يقولون: الأوزاعي يدلس، يتهمون الأوزاعي بالتدليس. كيف يأخذ عن الرجل الضعيف، ثم يدلسه؟ فقال: أنبي للأوزاعي أن يروي عن هؤلاء. يقول: أنبي للأوزاعي أن يروي عن هؤلاء، هذا فهمه. لكن هذا الفهم يضر، يضر الأوزاعي نفسه، أنه يروي عن ضعفاء. لكن العلماء عرفوا أن هذا ليس من الأوزاعي؛ أولًا لأن الأوزاعي لا يدلس، والأمر الثاني: أنه وجد في رواية غير الوليد التصريح به. أنا كيف عرف الهيثم بن جميل أن هذا الفعل يفعله الوليد؟ لأن الذين رووا عن الأوزاعي نفس الحديث كانوا يصرحون بقر بن عبد الرحمن هذا الضعيف الذي حذفه هذا الوليد بن مسلم، فعرفوا أن الوليد هو الذي يفعل هذا. طيب هذا يسمى تدليس التسوية، ويدخل في تدليس الإسناد. إذن تدليس العطف، تدليس العطف. وهذا فعله هشيم. تدليس العطف هو أن يأتي معنى. جاء ذكر الخطيب البغدادي قصة في تدليس العطف: أن هشيمًا جاء إلى أصحابه، وقال لهم: هل أحدثكم؟ قالوا: نعم، حدثنا، لكن لا تدلس. قال: اكتبوا، أنا ما نريد تدليس؛ لأن الشيء دائمًا يدلس. فقال له: حدثنا شعبة، أو يقول مثلا: حدثنا الأعمش، أو حدثنا حسين بن عبد الرحمن. والأعمش قال: حدثنا مثلا أبو صالح، وكذا. كل ما ذكر الرجل، قال: وفلان. فلما انتهى، قال: هل ترون أني دلست عليكم؟ قالوا: لا. قال: بلى، قد دلست عليكم. فكل ما قلت: وفلان، فهو لم أسمعه من فلان، ولكن قد حدث به. معنى أن مثلا يقول: حدثنا حسين، هذا الذي حدثه حسين، وفلان -معنى أن وفلان أيضًا حدث بهذا الحديث- طيب هذا، وإن كان هذا ما ينبغي؛ لأن هذا قد يدخله في الكذب؛ لأن العطف غالبًا يعود على المعطوف عليه. فما دام قال: حدثنا فلان وفلان، فهو حدثه هذا وهذا. طيب أيضًا هناك التدليس: تدليس السكوت. تدليس السكوت هو أن يقول: حدثنا، ويسكت، ثم يقول: فلان. هذا يسمى تدليس السكوت. وأيضًا تدليس القطع. تدليس القطع: هذا مثل ما جاء عن سفيان بن عيينة، أنه قيل لسفيان بن عيينة: قال سفيان: قال الزهري. فقيل له: أسمعته من الزهري؟ قال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمع من الزهري. إنما حدثني عبد الرزاق عن معمر. فهذا يسمونه تدليس القطع. يقول: قال فلان، وهو لم يسمع منه. طيب هذا ما يتعلق بتدليس التسوية. إن شاء الله تعالى، ما يتعلق بتدليس الإسناد نتركه في درس لاحق.