التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 144

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 144

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 144، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

علة النهي عن الصلاة في المقابر واتخاذها مساجد

يبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية أن النهي عن الصلاة في المقابر ليس للنجاسة بل سدًا لذريعة الشرك، إذ كان تعظيم القبور سببًا في عبادة الأصنام كما حدث مع قوم نوح. ويؤكد أن الوسط الواجب هو إجلال القبور دون غلوٍ يجعلها أوثانًا تُعبد، مبينًا أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس جزءًا من المسجد أصلًا، وأن الصلاة في الروضة لفضلها كمسجد لا لقرب القبر.

تحريم الصلاة عند القبور وبيان فسادها ومخالفتها لهدي النبي

يبيّن المقطع أن الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين بدعة وشرك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في المقابر سداً للذريعة، محذراً من الغلو في الأنبياء كما فعلت النصارى. ويؤكد أن مفسدة الصلاة عند القبور تغلب مصلحتها المزعومة، وأن الواجب اتباع هدي النبي وترك الابتداع، مستعرضاً خلاف الفقهاء في حكم الصلاة في المقبرة بين التحريم والكراهة.

تحريم الصلاة في المقابر والنهي عن التحرّي بالدعاء عندها

يقرر المذهب الحنبلي والمشهور عند الظاهرية والشوكاني أن الصلاة في المقبرة محرمة وباطلة، مستدلين بلعن النبي ﷺ من اتخذ القبور مساجد. كما يفرق الشيخ بين الدعاء العارض عند المرور بالقبور أو زيارتها شرعًا وهو جائز، وبين التحرّي بالدعاء عندها اعتقادًا أنها أجوب للإجابة، فهذا منهي عنه وقريب من التحريم بل هو بدعة، ويشبه التحرّي بالدعاء عند الأصنام والصلبان.

النهي عن الدعاء عند القبور وسد ذريعة الشرك

علة النهي عن الصلاة عند القبور هي منع اتخاذها ذريعة للشرك بتعلق القلوب بها، والدعاء عندها في حال الاضطراب أشد فتنةً من الصلاة في العافية، فيكون النهي عنه أوكد. والدعاء عند القبور وسيلة من وسائل الشرك وذرائعه، فلا يجوز فعله.

  • 21 جمادى الآخرة 1446هـ - 22/12/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قلنا: إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بحث مسألة: لماذا لا يصلى في المقابر؟ فذكر رحمه الله أن مسألة الصلاة في المقبرة ليست لأجل النجاسة كما يقول بعض الفقهاء؛ لأن ليس هناك نجاسة محققة في المقابر، فالميت الإنسان طاهر، لكن العلة غير ذلك. وأيضًا: غالبًا أن المقابر لا تنبش إلا إذا كان لحاجة، وإن نبش نبش قبر واحد، والغالب أن هنا نجاسة عليه. قال رحمه الله: وقد نبه هو صلى الله عليه وسلم على العلة، فعنها جاءت العلة في الأحاديث. فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». هذا في حديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح كما تقدم، أو حسن. وبقوله: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، فلا تتخذوها مساجد». أيضًا هذا حديث صحيح في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله. قال: أولئك إنما كانوا يتخذون قبورًا، لا نجاسة عندها. ولأنه قد روى مسلم في صحيحه عن أبي مرثد الغنوي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». هذا كله يدل على تعظيم القبر من جهة أنه قبر إنسان ومحتضر، فيعظم من ناحية أنه لا يجلس عليه، لكن ليس معنى ذلك أنه يعظم حتى يصلى إليه. فلذا فالوسط هو الواجب: لا نغلو في هذه القبور حتى نصلي إليها ونجعلها أوثانًا تعبد من دون الله، أو نتخذها مساجد؛ فإن هذا كله منهي عنه، وهو وسيلة للشرك. وأيضًا لا نهين هذه المقابر، بل نوقي لها إجلالًا واحترامًا، فيجلس الواحد ويطأ القبر أو يقضي حاجته؛ فكل ذلك أيضًا منهي عنه. وقد جاء في حديث عقبة بن عامر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا أبالي قضيت حاجتي في السوق أم في المقابر». معنى ذلك: أن الإثم في السوق يكون غالبًا زحمة الناس ومرور الناس، فهذا يدل على أنه لا ينبغي للمسلم أنه يقضي حاجته في تلك الأماكن. شبه القبور بالأسواق: «لا أبالي إن قضيت حاجتي في الأسواق أو في القبور»، أو قال: «في القبور أو في الأسواق». قال: ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور؛ أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». هذا أيضًا قد مر أنه في الصحيحين من حديث عائشة. فجمع بين التماثيل والقبور. معناه الآن: العلة هي تعظيم هذه القبور والصلاة عندها، أو اتخاذها مساجد، أو كذلك التمسح بها، وغير ذلك مما يكون وسيلة إلى أن تعظم حتى تشرك بها. معناه: حتى تجعل شريكًا مع الله، وندًا من دون الله. قالوا أيضًا: فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك. قد ذكروا أن ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح عليهم السلام. معنى هذا جاء في كلام ابن عباس وغيره، كما سيذكر المؤلف رحمه الله. قال: فروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى... ظاهر موسى بن عبيدة عن محمد بن قيس. طيب. قال: عن الثوري عن موسى عن محمد بن قيس قال: «ويعوق ونسر، قالوا: كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح عليهم السلام، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، أنا نسي العلم وظهر الجهل. وهم أيضًا صوروا هذه الصور جهلًا منهم، ظنوا أن هذا جائز. فلما نسي العلم ومات أولئك، جاء آخرون، جاءهم إبليس فقال لهم: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر». معناه: كأنه دخل عليهم هؤلاء لما صوروا هذه الصور، لماذا صوروها؟ هم كانوا يريدون أنهم يتذكرون العبادة بصورة هؤلاء. لكن جاء الشيطان لمن بعدهم، بعدهم، وجعل أن هؤلاء إنما صوروهم لأجل أن يعبدون من دون الله، وعبادتهم هذه عبادة لله. هكذا صور لهم إبليس، وأن هؤلاء كانوا آباءهم يعبدونهم ويستسقون بهم. قال: فعبدوهم. وقال قتادة وغيره: كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح، ثم اتخذها العرب بعد ذلك. وجاء أيضًا كذلك في كلام ابن عباس الذي أخرجه البخاري: أنها كانت في العرب. قال: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي أوقعت كثيرًا من الأمم إما في الشرك الأكبر، أو في ما دونه من الشرك. فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين، وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب، كما حصل لقوم إبراهيم ونحو ذلك. فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله. وهذا سبحان الله واضح، لكن أحيانًا قد تبتعد القلوب عن مثل هذا. قالوا: لهذا نجد أقوامًا كثيرين يتضرعون عندها، ويخشعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في المسجد. وهذا حق: من نظر إلى هؤلاء الذين يأتون إلى المقابر يجد الخشوع فيهم ما لا يجده في المسجد. أن تجد أنهم يخشعون ويخضعون، ويبكي أحدهم لهذا القبر، وأما في المسجد فتجد أنه لا يبالي، بل عنده تعظيم القبر أكثر من تعظيم المسجد. قالوا: يعبدون بقلوب عبادة لا يفعلونها في المسجد، بل ولا في السحر. ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال. فبعضهم يقول: إن الصلاة عند القبر الفلاني أفضل من المسجد. مثل ما يظن بعضهم يقولون: إن الصلاة عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام أفضل. وخطأ: الصلاة ليست في عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، إنما الصلاة هي في المسجد أصلًا، وإنما القبر أدخل إلى المسجد. معنى: بعضهم يظن أن القبر أصلًا من المسجد. لا، القبر ليس من المسجد، هو خارج؛ لأن القبر في غرفة عائشة، وغرفة عائشة خارجة عن المسجد، صحيحة بجانب المسجد لكنها خارجة. لكن كان بعض الأمراء الأمويين، والظاهر أنه الوليد بن عبد الملك، لما أراد أن يوسع المسجد من الجهة الشمالية، أدخل الغرف في المسجد، أدخل القبر في المسجد، حتى أنكر عليه بعض التابعين. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم وسعوا في المسجد، وسع عمر، وسع عثمان، أكثر توسع كانت من عمر، لكنهم لم يوسعوا في مكان القبر. لكن لما جاء هذا الوليد بن عبد الملك وسع في مكان القبر، فأدخل القبر في المسجد. وإلا القبر ليس من المسجد. فلذا يظن بعضهم أن الصلاة في الروضة مثلًا لأجل أنها صلاة عند القبر، وليس كذلك. فالروضة من المسجد، وأما القبر فليس من المسجد. الروضة التي هي بين منبر النبي صلى الله عليه وسلم وبين بيته هي من المسجد أصلًا، من مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وأما القبر فليس من المسجد. فلذا حصل عندهم الاختلاط، فجعلوا أن الصلاة هنا أفضل. ولهذا يقولون: إن الصلاة عند قبر الولي أيضًا لها فضل عظيم مثل الصلاة عند قبر النبي. وهذا كله باطل، ومبني على أساس باطل. طيب. قال: فهذه... قال: فهذه المفسدة التي هي مفسدة الشرك، كبيرة وصغيرة، هي التي حسم النبي عليه الصلاة والسلام مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقًا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك. حتى إن لم يقصد المصلي بركة البقعة، فإذا قصد بركة البقعة فهو زاد النهي عن، زاد التحريم. قال: كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس، استوائها، وغروبها؛ لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها. لأنه قال في حديث عمرو بن عبسة: «وحينئذ يسجد لها الكفار». قال: فينهى المسلم عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ذلك، سدًا للذريعة. فأما إذا قصد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين متبركًا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين محادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الصلاة عند القبر، أي قبر كان، لا فضل فيها لذلك، ولا للصلاة في تلك البقعة مزية غير خير أصلًا، بل مزية شر. ليس هناك مزية أبدًا. لم يأت دليل أن الصلاة عند القبر لها مزية أبدًا، بل جاء العكس: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا فيها». ربما صلى الله عليه وسلم، صحيحين. قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا فيها». فدل على أن القبور لا يصلى عندها. القبور لا يصلى عندها، وإنما يصلى في المساجد. فقال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا»، أي: لا تجعلوها مثل القبور، أنكم لا تخصوها بالصلاة. أن بعض الناس ما يصلي إلا في المسجد، أما في بيته ما يصلي، وهذا يجعل بيته مثل المقبرة التي لا يصلى فيها. قال: وعلم أن تلك البقعة وإن كانت قد تنزل عندها الملائكة والرحمة ولها شرف وفضل، لكن دين الله تعالى بين الغالي والجافي. قال: فإن النصارى عظموا الأنبياء حتى عبدوهم وعبدوا تماثيلهم، واليهود استخفوا بهم حتى قتلوهم، والأمة الوسط عرفوا مقاديرهم. فهذه الأمة وسط بين اليهود والنصارى: اليهود غلوا في أنبيائهم وصالحيهم حتى عبدوهم... والنصارى غلوا حتى عظموا الأنبياء وعبدوهم، واليهود قتلوهم، قتلوا أنبيائهم، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ففريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون. قال: ولم يجفوا عنهم جفاءً. أما هذه الأمة فهي أمة وسط، يعظمون الأنبياء لكن لا يغلون فيهم حتى يعبدونهم من دون الله، حتى يعطونهم خصائص ربوبية. قال: ولم يجفوا عنهم جفاء اليهود. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فقولوا: عبد الله ورسوله. فهذا الحديث في البخاري، حديث عمر رضي الله عنه: «لا تطروني»، أي: لا تزيدوا في مدحي وفي الثناء حتى تعطوني منزلة غير منزلتي. قال: فإذا قدر، وجاء في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض من أثنى عليه: «لا يستهوينكم الشيطان، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». قال: قال: فإذا قدر أن الصلاة هناك توجب من الرحمة أكثر من الصلاة في غير تلك البقعة، كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك تربو على هذه المصلحة. معنى: تزيد. وهنا يقول: تلك البقعة، معنى القبر. معنى: لو كان مثلًا هذا باب الجدل، لو كان مثلًا هذا القبر تنزل فيه الملائكة وفيه رحمة، فأيضًا كذلك كانت المفسدة الناشئة من الصلاة هناك تربو على هذه المصلحة، تزيد عليها حتى تغمرها، أو تزيد عليها بحيث تصير الصلاة هناك مذهبة لتلك الرحمة، وموجبة لما يوجب العذاب. ومن لم تكن له بصيرة يدرك بها الفساد الناشئ من الصلاة عندها، فيكفيه أن يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم. معنى: إذا لم يستطع أن يعرف الحكمة والعلة من عدم الصلاة عند القبور، فيتبع النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى عند قبر أبدًا، ما صلى عند قبر أبدًا. أقل شيء أنه يأتم بالنبي عليه الصلاة والسلام. قال: فإنه لولا أن الصلاة عندها مما غلبت مفسدته على مصلحته لما نهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، وعن صوم يوم العيدين. بل كما حرم الخمر، فإنه لولا أن فسادها غالب على ما فيها من المنفعة لما حرمها، وكذلك تحريم القطرة منها. ولولا غلبت الفساد فيها على الصلاة لما حرمها. وليس على المؤمن، ولا له، أن يطالب الرسل بتبيين وجوه المصالح والمفاسد، وإنما عليه طاعتهم. قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. أنا ليس على المؤمن أنه يسأل الرسل: لماذا هذا كذا؟ وهل هذا فيه مصلحة؟ وهل كذا؟ لا يجوز أن يناقش. إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. قالوا: إنما حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم، ومحبتهم محبة مقدمة على النفس والأهل والمال، وإيثار طاعتهم ومتابعة سنتهم، ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم. كما أن عامة من يشرك بهم شركًا أكبر أو أصغر يترك ما يجب عليهم من طاعتهم، بقدر ما ابتدعه من الإشراك بهم. وهذا لا شك فيه: أن من يشرك بهؤلاء الأنبياء ويعبدهم من دون الله، فلا شك أنه يضيع كثيرًا مما كانوا يقولونه ويأمرون به، لأنه لم يفعل ذلك، لأنه ترك وصايا الأنبياء. لم يفعل ذلك إلا لأنه ترك كلام الأنبياء. فلذا فهؤلاء يخالفونهم. انظر الآن هؤلاء المبتدعة الذين يدعون محبة النبي عليه الصلاة والسلام، فيفعلون الموالد، وأيضًا استغاثوا برسول الله وغير ذلك. تجد في عباداتهم بعدًا عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ليس لهم اتباع. لو كانوا صادقين لكانوا من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام. الآن تجد تقول له: النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا، يقول لك: لا، المذهب الشافعي كذا. طيب، النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث، ولعل الشافعي مثلًا عنده حديث آخر أو كذا، يقول: لا، نحن أتباع الشافعي، ليس أتباع النبي صلى الله عليه وسلم. إنما أتباع الشافعي. معنى: عندهم غلو في الاعتقاد، ظنوا أنه تعظيم، لكن مكان التعظيم وهو الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام تركوه. وهذا من فعل الشيطان وكيده لهم. قالوا: كذلك حقوق الصديقين: المحبة والإجلال، ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها الكتاب والسنة، وكان عليها سلف الأمة. وقد اختلف الفقهاء في الصلاة في المقبرة: هل هي محرمة أو مكروهة؟ يعني: إذا صلى الإنسان في المقبرة، هل الصلاة في المقبرة محرمة أو مكروهة؟ قال: وإذا قيل هي محرمة، فهل تصح مع التحريم أم لا؟ الآن عندنا مسألتان: المسألة الأولى: هل يجوز الصلاة في المقبرة؟ والمسألة الثانية: على التحريم، هل هي صحيحة أو ليست صحيحة؟ ها عندنا مسألتان. قال: والمشهور عندنا... عندنا في مذهب الحنابلة، قالوا: المشهور عندنا أنها محرمة، لا تصح الصلاة في المقبرة. محرمة، وأيضًا غير صحيحة، ليست مقبولة، غير صحيحة. قالوا: من تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك، وأن صلاته لا تصح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام نفي أن تكون هناك صلاة مع القبور، بل جاء بهذا اللعن الشديد: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالوا: ليس الغرض هنا تقرير المسائل المشهورة، وهذا مذهب أحمد كما قلنا وهو الصحيح: أن الصلاة في المقبرة محرمة ولا تصح، لا تصح الصلاة. وهو مذهب أيضًا الظاهرية، والشوكاني، وجماعة. منها العلم قد ذكرنا هذه المسألة فيما قبل. قالوا: ليس الغرض هنا تقرير المسائل المشهورة، فإنها معروفة، وإنما الغرض التنبيه على ما يخفى من غيرها. فمما يدخل في هذا: قصد القبور للدعاء عندها أو بها. فإن الدعاء عند القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين: أن إذا جاء إنسان ودعا عند القبر، يقول: إن هذا ينقسم إلى قسمين، سواء كان دعاء عندها أو بها. فأما إذا كان عندها فهو على قسمين: القسم الأول: أن يحصل الدعاء في البقعة بحكم الاتفاق، لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه ويتفق أن يمر بالقبور، أو كمن يزورها فيسلم عليها ويسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة. فهذا ونحوه لا بأس به. أنا يأتي ويزور المقابر ويقول: «نسأل الله لنا ولكم العافية»، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السلف ونحن في الأثر، نسأل الله عز وجل لنا ولكم العافية». فهذا جائز. أو مثلًا يدعو لهم: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، اللهم وسع مدخلهم، اللهم كذا، ثم يدعو لنفسه، فهذا جائز، ليس لأجل بركة المكان، وإنما صادف دعاءه فدعى لنفسه: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتننا بعدهم، واغفر لنا ولهم. هذا أيضًا دعاء جاء في السنن، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو للميت، وفي الحديث خلاف الصحة. طيب، لكن مثلًا لو حصل هذا ما في شيء. هذا الأمر الأول. قال: الثاني: أن يتحرى الدعاء عندها، بحيث يشتعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره. فهذا النوع منهي عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه، وهو إلى تحريم أقرب. أن إنسان يأتي إلى القبر، ويدعو عند القبر، ويعتقد أن الدعاء عند القبر أسمع وأقرب. هو ما يدعو القبر، لكن يدعو عند القبر، يدعو الله: اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا، وكذا. وبعضهم يتوسل بالقبر: أتوسل إليك بهذا القبر، وكذا. وهذا كله من البدع. وهنا يقول الشيخ: إذا كان قصد هذه البقعة، قصدها، ويعتقد أنها أجوب مكان للإجابة، فهذا من نوع المنهي عنه، إما نهي تحريم أو تنزيه. قال: وهو إلى تحريم أقرب. أنا يريد: أو تنزيه، لأن هناك من العلماء من يقول هذا، لكن الصحيح أنه نهي تحريم. والفرق بين البابين ظاهر: فإن الرجل لو كان يدعو الله واجتاز في ممره بصنم، أو صليب، أو كنيسة، أو كان يدعو في بقعة وهناك صليب هو عنه ذاهل، أو دخل كنيسة ليبيت فيها مبيتًا جائزًا، ودعا الله في الليل، أو بات في بيت بعض أصدقائه ودعا الله، لم يكن بهذا بأس. معنا: ذلك المكان فيه مثلًا صنم أو فيه كذا، فهو دعا الله، ليس لأجل أن المكان فيه صنم، وإنما أراد أن يدعو الله عز وجل وهو لا يشعر بوجود شيء فيها. مثل ما حصل لأنس، أنس رضي الله عنه صلى بجانب قبر وهو لا يدري، فرآه عمر رضي الله عنه فقال له: «يا أنس، القبر، القبر». فلم يسمع كلمة، كلمة عمر، فظنه القمر، فنظر إلى السماء. معنا: يظن أنه يقول له: القمر، القمر. ثم قال له: «يا أنس، القبر، القبر». فالتفت فرأى القبر عنده، فابتعد عنه، ابتعد عنه. وهذا يدل على أن عند الصحابة مقررًا أنه لا يجوز أن يصلي الشخص عند القبر. قال رحمه الله: فإن الرجل لو كان يدعو الله واجتاز في ممر... قال: أو لم يكن به بهذا بأس. أنا إذا دعا عند... هو يمر بجانب صنم وهو لا يدري أن هذا مكان صنم، وهو أيضًا لا يلتفت إليه. قال: ولو تحرى الدعاء عند صنم، أو صليب، أو كنيسة، يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة، لكان هذا من العظيم. بل لو قصد بيتًا، أو حانوتًا في السوق، أو بعض عواميد الطرقات، يدعو عندها يرجو الإجابة بالدعاء عندها، لكان هذا من منكرات المحرم. لو كان مثلًا إنسان مرة مثلًا دعا قرب السوق عند عمود مثلًا في السوق، دعا، فاستجاب الله، فاستجاب الله له، فمثل ما يفعل مثلًا بعض أهل تصوف مثلًا: يدعو في مكان، وافق دعاه هذا استجابة، أو ابتلاء من الله استدراج، فيظن أن هذا المكان مكان فيه بركة، ومكان أيضًا يستجاب فيه الدعاء. وهكذا هذا الرجل مثلًا لو دعا مثلًا في مكان في السوق، فصادف إجابة، استجاب الله عز وجل له، فيظن بعضهم أن ذلك المكان فيه بركة، يقول: خلاص، إذا دعوت سأدعو في هذا المكان. هذا خطأ. فهذه الأشياء لا تكون إلا بالشرع، ما تكون بالتجربة، لأن هذه عبادة. فلذا لو كان مثلًا كما قال الشيخ: أنا أو حانوتًا، الحانوت معناه: الدكان في السوق، أو بعض عواميد الطرقات، يدعو عندها يرجو الإجابة بالدعاء عندها، لكان هذا من منكرات محرمة. إذ ليس للدعاء عندها فضل. فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب، بل هو أشد من بعضه. أنا أشد؛ لأنه فيه تعظيم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن اتخاذها مساجد، واتخاذها عيدًا، وعن الصلاة عندها، بخلاف كثير من هذه المواضع. وما يرويه بعض الناس من أنه قال: «إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور»، «إذا تحيرتم في الأمور فاستعينوا بأهل القبور». قال: أو نحو هذا، فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء. وأن هذا الكلام وضعه القبورية. يضعون مثل هذه الأحاديث: «لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه». وحديث الزيارة كثيرة جدًا، وضعوا حديث في الزيارة، زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًا، ذكرها السبكي في كتابه الذي رد فيه على شيخ الإسلام، ورد عليه ابن عبد الهادي في... ابن عبد الهادي في الصارم المنكي، فالرد على السبكي، وبيّن أن هذه الأحاديث كلها موضوعة، لا تصح، وليس لها صلة بدين الله جل وعلا. قال: والذي يبين ذلك أمور. معنى: هذا الذي ذكرناه. أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، أو التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها عن الصلاة عندها، إنما هو لألا تتخذ ذريعة إلى نوع من الشرك بالعكوف عليها وتعلق القلوب بها رغبة ورهبة. ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء، الذي قد نزلت به نازلة، فيدعو لاستجلاب خير كاستسقاء، أو لدفع شر كاستنصار، حاله في افتتانه بالقبور إذا رجاء إجابة عندها، أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية. فإن أكثر المصلين في حال العافية لا تكاد قلوبهم تفتن بذلك إلا قليلًا، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جدًا؛ لأنه يريد أن يستجاب له، فيدعو الله مثلًا، لم يستجب له، يأتي إلى القبر لعل هذا القبر ينفعه. قال: فإذا كانت الفتنة، والفتنة يأتي لأجلها نهي عن الصلاة، متحققة في حال هؤلاء، كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد. وهذا واضح لمن فقه في دين الله، وتبين له ما جاءت به الحنيفية من الدين الخالص لله، وعلم كمال سنة إمام المتقين في تجريد التوحيد ونفي الشرك بكل طريق. فمثل هذا الذي يدعو عند القبر، فيدعو، أو أنه وسيلة من وسائل الشرك، وذريعة من ذرائع الشرك، لا يجوز له أن يفعل ذلك الفعل. قال: الثاني: إن قصد القبور... إن قصد القبور للدعاء. طيب، الثاني إن شاء الله نتركه في درس لاحق. ترجمة نانسي قنقر