شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 29

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الأوثان والعبادة وخطورة الغلو

يشرح المقطع الأول معنى الأوثان والعبادة بناءً على كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ويبين أن الغلو في قبور الصالحين يؤدي إلى عبادتها من دون الله. العبادة تشمل الدعاء والاستغاثة وطلب النفع والضر وتعد شركًا بالله.

تحذير النبي من اتخاذ القبور مساجد وعبادتها

يتناول المقطع الثاني دعاء النبي 'اللهم لا تجعل قبر وثنًا يعبد' وارتباطه باتخاذ القبور مساجد، ويبين شدة غضب الله على من يفعل ذلك. كما يشرح كيف أن اتخاذ القبور مساجد وسيلة لعبادة القبور واتخاذها أوثانًا.

أصل الشرك وعبادة الأصنام وتعظيم القبور

يشرح المقطع الثالث أصل عبادة الأصنام وكيف بدأت بتعظيم الأشخاص الصالحين ثم تحولت إلى عبادة، ويتطرق إلى قصة اللات والعزى. يبين أن أصل الشرك هو تعظيم القبور والأشخاص.

حكم إيقاد الأنوار على القبور وبدعية التعظيم

يعتبر إيقاد الأنوار على القبور شركًا إذا اعتقد الناس أن صاحب القبر يحتاج إلى الضوء، وبدعة إذا كان لتعظيم القبر. ذكر المؤلف مسائل تتعلق بحكم هذه الممارسات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيروها أوثانًا تعبد من دون الله. ذكرنا هذا الباب وما ذكره المؤلف رحمه الله من الأحاديث والآثار في أن قبور الصالحين لما حصل الغلو فيها صارت أوثانًا تعبد من دون الله، صارت أوثانًا تعبد من دون الله جل وعلا، وهذا لشدة الغلو. قال رحمه الله تعالى: وفيه مسائل، أي هذا الباب فيه مسائل. قال: الأولى تفسير الأوثان، وتفسير الأوثان على أن الوثن كل ما عبد من دون الله، سواء كان بصورة أو بغير صورة، بخلاف الصنم، الصنم هو الذي يكون على صورة يعبد من دون الله، يكون على صورة يسمى صنمًا، والوثن أعم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». جعل القبر، معنى القبر يكون وثنًا، «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبياء مساجد. فقوله هنا «قبري وثنًا» دل على أن الوثن قد يكون حجرًا، قد يكون شجرًا، قد يكون أيضًا صنمًا، فكل يسمى وثنًا. فلهذا أوثانًا قعم. قال: الثانية تفسير العبادة، أنا من ما استفاد أن تفسير العبادة وهو قوله في الحديث «وثنًا يعبد»، طيب إيش هذه العبادة وإيش الذي سيفعلونه في القبر؟ لا شك أنهم ما سيصلون عند القبر، ولا أيضًا سيصومون، وإنما سيدعونه من دون الله، ويستغيثون به، أو يطلبون منه الخير والشر، أو يدفعون منه بالشر، يعني يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، الآن بعض أولئك الذين تعلقت قلوبهم بالقبور يقولون بعضهم يقول: لا، الصلاة ما يجوز أنك تصلي للقبر. طيب الدعاء يقول: ما في شيء تطلب منه، الدعاء الآن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، هل يتوقع أنه لأجل الصلاة؟ بل لما قال الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وكذلك أيضًا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد»، وكذلك أيضًا كفار قريش عندما كانوا يعبدون للأصنام، هل كانوا يصلون لها ويصومون لها؟ لا، ما كانوا يصلون ولا يصومون، بل كانوا يصومون لله، كانوا يصومون عاشوراء، أهل الجاهلية كما في حديث عائشة: اليهود يصومون. لكن أشياء الذي هو شركهم هو الدعاء، أنهم يدعونهم من دون الله، وأيضًا يعتقدون فيهم أنهم ينفعونهم أو يضرونهم، يعتقدون فيهم النفع والضر، فهذا الشرك الذي كان عند هؤلاء. فلهذا فمن دعا وطلب من قبر أو من ولي ما لا يطلب إلا من الله، فهو مشرك. وإلا لو قلنا أن هذا ليس بشرك، فليس هناك شرك في الوجود. ولأن الله عز وجل لما ذكر الشرك، لكن ما هو الدعاء فقط، ليس هناك شرك آخر عند كفار قريش، هما يصلون لهذه الأصنام، ولا أيضًا كذلك يصومون لها، وإنما يذبحون ويندرون ويدعون، هذا الذي كانوا يفعلونه، يستغيثون بهم في الشدائد، أو أقصد في الرخاء، فمعنى يستعينون بهم. وأما في الشدائد فهم يدعون الله كما ذكر الله عز وجل: ﴿وَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. قال: الثالث أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستعيذ إلا مما يخاف وقوعه، لم يستعيذ إلا مما يخاف وقوعه، معنى فيه أن هذا الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم «اللهم لا تجعل قبر وثنًا يعبد»، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع إلا لأجل خوفه على وقوع مثل هذا الشيء، وهذا يدلنا على عظمة شر وضرر هذا الشيء الذي سيقع، وهو اتخاذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم وثنًا يدعى فيه من دون الله، يطلب منه النفع، يطلب منه الولد، وغيرها من هذه الأشياء التي تطلب عند القبور. قال: الرابع قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، معنى الآن يبين الشيخ أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للوثنية ثم ذكره لاتخاذ القبور مساجد يدل على الارتباط بينهما، «اللهم لا تجعل القبر وثنًا يعبد»، «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فهناك ارتباط بين جعل القبر وثنًا وبين اتخاذ القبور مساجد، لأن اتخاذ القبور مساجد هي وسيلة لجعل القبر وثنًا، هي وسيلة لجعل القبر وثنًا. إذا اتخذت القبور مساجد، واتخاذ القبور مساجد كما تقدم بثلاثة أشياء: إما بالصلاة عندها، صلاة إلى القبر، وإما باتخاذ المساجد في القبور، وإما باعتقاد أن الصلاة عندها مشروعة، أو أنها مباركة، أو مستحبة، حتى ولو لم يصل لها، إذا اعتقد أن هذا المكان فيه بركة، فيه كذا، فهذا يضمن اتخاذ القبور مساجد. لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع الصلاة في أماكن القبور، كما قال شيخ الإسلام: لا يجتمع في الإسلام مسجد وقبر، ما يجتمعون، بنا ما يكونوا في مكان واحد. لكن القبورية والصوفية جعلوا المساجد في وسط المقابر، أو يقبرون الرجل داخل المسجد. ولهذا يقول شيخ الإسلام: إذا لما سئل عن قبر داخل المسجد كيف يفعل، أو يفعلون الناس بهذا؟ قال: إما أنه إن كان القبر قبل المسجد يهدم المسجد، وإن كان القبر أدخل في المسجد فإنه يخرج، يخرج واخد عظامه ويخرج من المسجد. فلهذا أحيانًا قبور في المساجد ليس فيها أحد، لكن اعتقاد فقط، أو كما يقول هؤلاء الجهلة: اشتهر في هذا المكان. كم من قبر إذا كسر أو كذا ما يجد تحته إلا صفاء، معنى ما في مَقْبور فيه، وإنما يقولون اشتهر. وهذا من جهلهم، معنى ما اكتفوا أنهم يبنون على القبور، بل يقولون يشتهر في مكان ويبنون عليه قبة وقبر، حتى يفتنوا الناس، فتنوا الناس بمثل هذه الأمور، فتنوا الجهلة من الناس بتعظيمهم للقبور. قال: الخامسة ذكر شدة الغضب من الله، أي على من يتخذ القبور مساجد. وجاء أيضًا في حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد»، هؤلاء شرار الناس عند الله، الذين تدركهم الساعة وهم أحياء، هؤلاء شرار الخلق، لأن الساعة ما تقوم إلا على شرار الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله»، معنى ما يعرف الله، ما يقال أحد ما يقول أحد: الله. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق»، رجل شرير وأبوه شرير، كذلك أباؤهم. مع أن ينتشر الفساد قبل القيام، تأتي البركة في زمن عيسى، وينتشر الإسلام، وينتشر الخير، ثم تأتي بعد ذلك سنون ينتشر الشر، حتى لا يكاد أن يذكر الإسلام، بل حتى لا يكاد أن يذكر الله. يأتي وقت الناس يقولون: لا إله إلا الله، لكن ما يدرون معناها، ولا يدرون إيش هذه لا إله إلا الله، فقط يرددونها. فإذا سئل أحدهم: ما تريد بهذا؟ قال: أدركت آبائي يقولون. وأن أدرك آباءه أنه يقولون: لا إله إلا الله. ثم لا شك أنه إذا جهل بمعناها، وجهل بهذه الكلمة، سيأتي وقت لا يقولها أحد. فلهذا قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين اتخذوا القبور مساجد». قال: السادسة، وهي من أهمها، معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان. اللات كيف معرفة عبادة اللات؟ اللات هذا رجل كما ذكر مجاهد، ابن عباس: رجل يقال له اللات، صفة له، لأن اللات المراد الذي يلت ويفت، المراد اللات هنا الفت، يفت السويق، أنا يأتي بالخبز ويأتي بالسمن والتمر ويفته معًا، يأتي الحجاج يأكلون طعامًا جاهزًا، أنا يفعل الحجاج طعامًا، فأحبه الناس وتولد ذكره فيهم. فلما مات حزنوا عليه، فقالوا: لابد أن نجعل له شيئًا يذكره، فجعلوا له قبرًا، ثم جاءهم الشيطان أن ينحتوا له صورة، فنحتوا له صورة. فلما عبدت الأصنام، وجاء عمر بن الحضرمي نصب اللات بالطائف، لأن اللات كان قريب عكاظ، وعكاظ قريب الطائف، فلهذا كان يعبده أهل الطائف. اللات وكذلك العزى يقال أنها من العزيز، ويقال أنها امرأة تسمى العزى، امرأة كانت في ذلك المكان، قد تكون صالحة، وقد تكون جنية. ولهذا لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى فكسر الصنم، أو كسر المكان الذي فيه الصنم، كسر البناء، ثم رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: فعلت كذا وكذا. قال: «ما فعلت شيئًا»، فرجع خالد رضي الله عنه، فرأى الناس مجتمعون، وإذا امرأة ناشرة شعرها عارية، إن كانت جنية، هذه العزى، فرآها خالد، فعلاها بالسيف وقتلها. فهذه كانت جنية تضحك على الناس، فلما قتلها خالد أزاح الله عز وجل عنهم هذا الشر. فقد يكون كما قلنا رجل صالح، وقد يكون أيضًا رجل فاسد، بل كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: أن أكثر هؤلاء الذين يسمونهم أولياء، أكثرهم من أهل الفساد والشر، أهل الفساد والشر، أنهم أهل فساد من ناحية أنهم يستغلون الناس، يستغلون النساء، وغيرها من هذه الأمور، يستغلونهم بحجة الدين، وأنهم رجال الدين، وأنهم كذا. فغالبهم أهل الفساد، فلهذا كان الشر فيهم. طيب فخلاصة هذه المسألة أن عبادة الأصنام أصلها تعظيم أهلها، تعظيم من جعل له هذا الصنم، أو جعل له هذا القبر. فأصلها هذا، وهذا أيضًا الذي حصل في قوم نوح، كما ذكر ابن عباس رضي الله عنه: جماعة من السلف أنهم كانوا قوم من الصالحين ماتوا، فعكفوا على قبورهم، ثم صوروا لهم صورًا، فلما نسي العلم عبدت من دون الله. معنى رأوا آباءهم يعظمون هذه الأصنام، فجاءهم الشيطان وجعلهم يعبدون هذه الأصنام، فصار الشرك في ذلك الوقت، وهو أول شرك يقع في الأرض. يقول ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد، حتى القرن العاشر دخل فيهم الشرك. قال: السابعة معرفة أنه قبر رجل صالح، معنى معرفة أنه قبر رجل صالح اتخذ وثنًا، الأصل أنه قبر رجل صالح، هذا اللات، لكن اتخذوه إلهًا من دون الله. قال: الثامنة أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية، معنى اللات هو مما يلت، سمي بذلك لأنه كان يلت السويق. قال: التاسع لعنة زوار القبور التي تكثر الزيارة، على الصحيح أن المراد زوارات تكثر الزيارة، وأما التي تزور أحيانًا ما في شيء. وبعض العلماء يرى عدم جواز زيارة النساء مطلقًا. قال: العاشرة لفتة أو لعنة من أسرجها. وكما قلنا قبل أن هذه اللفظة ليست صحيحة، ومن صححها من العلماء وحكم على من يسرج السرج بالشرك. فكما قلنا: ليس هذا قول بعيد، بل أرادوا أن من يسرجها لاعتقاد أن صاحب القبر يخرج وأنه يفعل ويفعل ويحتاج إلى ضوء ويحتاج كذا، فهذا يعتبر شرك. وإن كان ليس كذلك، وإنما لاعتقاد الزوار قديمًا يزورون، يضاء له، فهذا بدعة. طيب فهذه بعض المسائل وهي عشر مسائل ذكرها في هذا الباب. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.