التعليق على شرح علل الترمذي 62

التعليق على شرح علل الترمذي 62

الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 62، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

منهج الترمذي في السنن وأنواع الحديث

يشرح المقطع منهج الترمذي في كتابه حيث أخرج الصحيح والحسن والغريب، وبين ضعفه للحديث الضعيف. كما ناقش روايته عن متهمين بالكذب مما أدى إلى نزول رتبه عن أبي داود والنسائي حسب رأي الذهبي.

تفاوت المحدثين في التعامل مع الرواة الضعفاء

يناقش المقطع تفاوت علماء الحديث في قبول روايات الضعفاء والمتروكين مع أمثلة على إسحاق بن أبي فروة. يوضح أن أبا داود والترمذي يخرجان للبعض مع بيان حالهم بينما يشدد النسائي فيشترط اتفاق الأئمة على ترك الراوي.

مقارنة شروط الأئمة البخاري ومسلم والنسائي في الرجال

يتميز سنن النسائي بقلة الأحاديث الضعيفة لتشدد مؤلفه حتى ضعف رواة أخرج لهم البخاري ومسلم. أما مسلم فأخرج للثقات ولطبقة دونهم مضطراً وقبل بعض الضعفاء لأجل علو الإسناد بينما تشدد البخاري فلم يخرج إلا للثقة الضابط.

تعليق ابن حبان على البخاري والانتقال لترجمة النسائي

ينقل ابن حبان في ترجمة حماد بن سلمة أن البخاري لم يخرج له معبراً عن استغرابه من إخراج البخاري لأبي بكر بن عياش. ثم يشير المتحدث إلى عزمه على كتابة ترجمة النسائي وختم المقطع بهذا الانتقال.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله: فصل في شرط الترمذي وأنواع الحديث من حيث تفرد الراوي به. قال: واعلم أن الترمذي رحمه الله خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن وهو ما نزل عن درجة الصحيح وكان فيه بعض ضعف، والحديث الغريب كما سيأتي معناه. على اجتهاده خرج الحديث الصحيح والحديث الحسن على ما رآه من حسنه، وخرج أيضًا الحديث الضعيف وأشار إلى ضعفه كما سيذكر المؤلف. قالوا: الغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، على معنى الترخيص. قالوا: لكنه يبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه. قالوا: لا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه حديثًا بإسناد منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثًا مرويًا من طرق أو مختلفًا في إسناده، وفي بعض طرقه متهم. وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب. ومحمد بن سعيد المصلوب هذا قد كذب، وكان كثير الوضع في الحديث، وسُمِّي محمد بن سعيد المصلوب لأنه صُلِب، صَلَبه المنصور على الزندقة. ولهذا كما قال الإمام الذهبي: إخراج الترمذي لمثل هذا ينزل من كتابه، أو نزل من كتابه، أنا جعله مرتبة الترمذي أقل من مرتبة أبي داود والنسائي، ونزلت مرتبة ابن ماجه أنه أيضًا اعتمد على أناس قد اتهموا بالكذب وأخرج لهم في الأصول، ليس في الشواهد فقط، بل أخرج لهم في الأصول، ولهذا سقطت رتبة ابن ماجه أكثر من رتبة الترمذي. أن الترمذي حاول أن يخرج لهؤلاء في الأحاديث التي اختلف فيها. وهذا محمد بن سعيد المصلوب خفي اسمه، ودُلِّس اسمه إلى أسماء كثيرة، حتى بعضهم يقول أنه قلب اسمه إلى مئة اسم، ولا يعرف هذا إلا العلماء الكبار. أحيانًا يسمونه محمد بن قيس، وأحيانًا يقولون محمد الشامي، وأحيانًا يقولون الأسدي، وأحيانًا يقولون محمد بن حسان. أنهم يقلبون اسمه حتى لا يعرف. وكذلك أيضًا محمد بن السائب الكلبي، أيضًا قد وضع أحاديث كثيرة، هو متهم بالكذب، وأيضًا كان رافضيًا. لهذا كما قلنا، كما قال الإمام الذهبي: أن الترمذي لما روى عن هؤلاء نزلت رتبة كتابه عن النسائي وأبي داود. لم يرخص أبو داود في مثل هؤلاء الذين اشتهروا بالكذب، روى عن بعضهم كما سيأتي الذين تركوا لأجل أوهامهم الكثيرة، ليس لأجل الكذب أو اتهامهم بالكذب، وإنما لكثرة الأوهام التي تحصل لهم في الحديث، والغفلة التي أصابتهم في الحديث. قال: نعم، قد يخرجون عن سوء الحفظ، وعن من غلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه. وقد شاركه أبو داود في التخريج عن كثير من هذه الطبقة مع السكوت على حديثهم، كإسحاق بن أبي فروة وغيره. إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني، معنى كثرة الأوهام في حديثه والغفلة التي أصابته، هو من العباد لكن أصابته غفلة فحصل الوهم الكثير في حديثه، لهذا تركه العلماء. وكما قال المؤلف: أن إسحاق بن أبي فروة وغيره قد روى أبو داود أيضًا حديثه. أما النسائي فلم يخرج لحديث هؤلاء، بل تجنب النسائي أناسًا أخرج لهم البخاري ومسلم. قال: وقد قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة: ليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان في حديث منكر بينت أنه منكر. مراده أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له، أو لمتروك متفق على تركه. فإنه قد خرج لمن قد قيل إنه متروك، ومن قد قيل إنه متهم بالكذب. وقد كان أحمد بن صالح المصري وغيره لا يتركون إلا حديث من اجتمع على ترك حديثه. وحكي مثله عن النسائي. والمراد: اجتمع على ترك حديثه أي في كل الطبقات، أو في الطبقة التي هو فيها. مثلًا لو جاء رجل ووثقه يحيى بن سعيد، وضعفه عبد الرحمن بن مهدي، فإنهم لا يتركونه، إنما يأخذون حديثه. كذلك العكس، وهو يحصل كثيرًا. يعني يحيى أو عبد الرحمن يوثق، ويحيى يضعف. كذلك في الطبقة التي بعدهم: أحمد، وابن المديني، ويحيى بن معين. فإذا ترك هؤلاء الثلاثة رجلًا معنا تركه النسائي ومن جاء بعده. وإذا لم يتركه، أو أن أحدهم وثقه، أخذ بتوثيقه معنا أنه يخرج له، وليس معنا أنه يوثقه، وإنما يخرج له لأن حديثه لا بأس به. قال: والترمذي رحمه الله يخرج حديث الثقة الضابط، ومن يهم قليلاً، ومن يهم كثيرًا، ومن يغلب عليه الوهم يخرج حديثه نادرًا ويبين ذلك ولا يسكت عنه. لكن كما قلنا: أخطأ عندما خرج حديث هؤلاء الذين اتهموا بالكذب واشتهر الكذب عنهم، كالمصلوب والكلبي. قالوا: قد خرج حديث كثير بن عبد الله المزني، ولم يجمع على ترك حديثه، بل قد قواه قوم، وقدم بعضهم حديثه على مرسل ابن المسيب. قد ذكرنا ذلك في مواضع. وشدَّد الإمام الشافعي رحمه الله في كلامه في كثير بن عبد الله، حتى قال: «ركن من أركان الكذب». لكن لم يتفق على هذا، فهناك من وثقه وحسن حاله. كان أحمد يحسن حاله، وأحمد أعلم بالرجال من الشافعي رحمة الله. يعني: قد حكى الترمذي في العلل عن البخاري أنه قال: «حديث في تكبير العيدين هو أصح حديث في هذا الباب، وأنا أذهب إليه». هذا حديث كثير بن عبد الله المزني. وأبو داود قريب من الترمذي، بل هو أشد انتقادًا للرجال منه. وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك، ولا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم، ولا لمن فحش خطأ وكثر. مع أن النسائي ذُكر عنه أنه لا يترك الرجل إلا إذا تركه الجميع. لكن كما قلنا: أراد بالطبقات، لكنه شدد في كتابه فلم يخرج إلا لمن ارتضاه. ولهذا تجد أن سنن النسائي أقرب السنن إلى الصحة، أقرب السنن إلى الصحة. حتى لما ينظر الناظر إلى ما فعله الشيخ الألباني في صحيح السنن وضعيف السنن، يجد النسائي كتاب ضعيف السنن صغير، بخلاف كتاب الترمذي وابن ماجه. كتاب الترمذي كبير، كتاب ابن ماجه أيضًا مثله. ضعيف ابن ماجه، وضعيف أبي داود لا بأس به، وضعيف النسائي صغير، لقلة الحديث الضعيفة في سنن النسائي. أيضًا النسائي كما قلنا تشدد في تخريج الرجال، ولهذا ضعفوا ناسًا وقد أخرج لهم البخاري ومسلم. وقد جمع البرقاني الصغير ناسًا ضعفهم النسائي وخرج لهم البخاري ومسلم، جمعهم وسأل عنهم الدارقطني. جمع هؤلاء الرجال الذين ضعفهم النسائي وقد أخرج لهم البخاري ومسلم، وسأل عنهم الدارقطني، فلم يوافق الدارقطني النسائي في كثير منهم. قال: وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن في حفظه بعض الشيء وتكلم فيه الحفاظ، لكنه يتحرى في التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا ما لا يقال إنه مما وهم فيه. مسلم رحمه الله أراد أن يخرج للثقات الضابطين، لكن احتاج إلى طبقات بعدهم، فأخرج لطبقة هم أقل من طبقة الثقة، ثم أخرج طبقة ثالثة كما تقدم، لكن لم يكثر من حديثهم. ولهذا بعضهم يقول أنه لم يخرج لهم أصلًا، لكن الصحيح أنه أخرج لأناس ضعفاء في حديثهم ضعف، قد تكلم فيهم: كسويد بن سعيد، وقطن بن مسير، وغيرهم ممن أخرج لهم مسلم وقد ضعفوا. والظاهر أنه أخرج لهم ليس اعتمادًا على حديثهم. ولهذا لما انتقد عليه أبو زرعة إخراجه لحديث سويد بن سعيد، قال: «من أين لي صحيفة حفص بن ميسرة؟» معنا: ما وجدت صحيفة حفص بن ميسرة إلا من طريق سويد بن سعيد، وسويد فيه غفلة، لكن الكتاب صحيح، وقد رواه البخاري عن عدة من مشايخه عن حفص بن ميسرة. لهذا لما عرف أن الكتاب صحيح، ولم يره عند أحد إلا عند سويد بن سعيد، فأخذه، وكتبه فيه صحيحة. وأما من أخرج لهم كأحمد بن صالح المصري، وقطن بن سير، أو بن بن سير، وغيرهم، فاعتذر على أنه أخرج حديثهم بعلو عنده. الحديث بنزول، لكن لما رأى حديثهم بعلو أخرجه. معنا: ما فعل مثل البخاري. البخاري العكس: يكون عنده الحديث بنزول، وعنده حديث بعلو لكنه فيه ضعف، فيترك الطريق التي فيها ضعف، ويخرج الطريق التي فيها نزول لكنها طريق صحيحة. ومسلم عكس هذا. ولهذا قال الذهبي: «ليتك لم تفعل»، معنا: حتى أدخلت مثل هؤلاء في كتابك. قال: وأما البخاري فشرطه أشد من ذلك، وهو أنه لا يخرج إلا للثقة الضابط، ولمن ندر وهمه. وإن كان قد اعترض عليه في بعض من خرج عنه، مثلًا: أبو بكر بن عياش، فإنه اعترض على البخاري إخراج حديثه. كما ذكر ابن حبان، ذكر ابن حبان في ترجمة حماد بن سلمة: «ولم يخرج له البخاري»، قال: «وهذا عجب من البخاري، كيف أخرج لأبي بكر بن عياش ولم يخرج لحماد بن سلمة؟» وذكر أشياء من هذا القبيل. طيب، إن شاء الله نكتب هذا: ترجمة النسائي، ترجمة النسائي.