الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 66، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معنى الغريب عند الترمذي بأنه ما لم يروَ إلا من وجه واحد ويسمى الفرد المطلق، ويُحتج به إذا توفرت شروط الصحة في الرواة، مع نقد مذهب بعض المعاصرين الذين يضعفون بالتفرد المطلق، وضرب أمثلة كحديث المغفر وحديث حماد بن سلمة في الذكاة.
يناقش المقطع ضعف حديث «أنا لو طعنت في فخذها لأجزأتك» وعدم صحته، مبيناً أن الترمذي والبخاري لم يوثقاه، كما يستعرض حديث النهي عن بيع الولاء وهبته موضحاً أن روايته الصحيحة تقتصر على طريق عبد الله بن دينار وأن غيره وهم.
يستعرض المقطع أمثلة على الأحاديث الغريبة في الصحيحين كحديث النيات وحديث دخول مكة، ويوضح أقسام الغريب واهتمام العلماء بغرابة الإسناد، مستشهدين برد الإمام أحمد لرواية عبد الرزاق عن الثوري لمخالفتها طريق معمر عن الزهري.
يشير المقطع إلى أن الحديث إذا رواه راوٍ من آخر الطبقات عن شيخ مشهور، وكان من المشهورات التي تتوفر الدواعي على روايتها، فإن العلماء يستدلون بعدم رواية الأئمة المقربين له على عدم ثبوته عنده، وهذا من طرق نقد الرواية والجرح والتعديل.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الغريب سنداً ومتناً عند الترمذي. قال: ثم لنرجع إلى ما ذكره الترمذي رحمه الله، فنقول: ذكر الترمذي رحمه الله أن الغريب عند أهل الحديث يطلق بمعاني، أحدها: أن يكون الحديث لا يروى إلا من وجه واحد، فهذا غريب متناً وسنداً، وسماه بعضهم الفرد المطلق، وهو يقابل هذا الغريب، كما سماه الحافظ في النزهة. وهذا يحتج به إذا توفرت شروط الثقة والعدالة في الرواة، يعني إذا توفرت شروط الصحة. وبعض المعاصرين الآن أتوا بمذهب جديد، بعضهم يضعف بالتفرد، يجعل التفرد تضعيفاً، وهذا كلام باطل لم يقل به أحد من أهل العلم إلا في الأشياء المستنكرة. في الأشياء المستنكرة: معنى المشاعة التي يكون فيها معنى حكم، غالباً تقوم به الهمم، فيأتي به رجل واحد، فهنا يستنكرونه. جاء عن يحيى بن سعيد، جاء عن أحمد. هذا مثل: حديث المغفر، دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة بالمغفر، هذا شيء مشاهد عند الناس، كيف ما سينقله إلا واحد؟ وهكذا. قال: ثم مثله بمثالين، وهما في الحقيقة نوعان. أحدهما: أن يكون ذلك الإسناد لا يروى به إلا ذلك الحديث أيضاً، وهذا مثل حديث حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه عن النبي عليه الصلاة والسلام في الذكاء: «أنا لو طعنت...» فقد هذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث حماد بن سلمة عن أبي العشراء. ثم اشتهر عن حماد، ورواه عنه خلق، وهو في أصل إسناده غريب، ثم صار مشهوراً عن حماد. قال الترمذي: ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. معنى اشتهر حماد بن سلمة بهذا الحديث: لأنه هو الذي لقي هذا، أبو العشراء رجل لا يعرف، لكن العلماء أخذوا هذا الحديث لأنه غريب، ولأنه في حكم، لأنه قال: «حتى لو طعنت في فخذها لأجزأتك». ولهذا سفيان الثوري لما جاء إلى البصرة، جاء إلى حماد بن سلمة، وقال لحماد بن سلمة: حدثني حديث أبي العشراء. فقال: ومن أنت؟ قال: أنا سفيان. قال: سفيان أبو عبد الله؟ قال: نعم. كأن أول لقاء لهما. قال: فالتزمه. فقال له سفيان مع التزام: حدثني بحديث أبي العشراء. فحدثه وهو ملتزم. فلما انتهى قال: فمت إذن. قال له: فمت إذن، لو مت خلاص ما أنا متحسر. كأنه خرج من الكوفة إلى البصرة لأجل أن يسمع هذا الحديث. أنا اشتهر عندهم هذا الحديث، وهو حديث معناه في حكم: «أنا لو طعنت في فخذها لأجزأتك». لكن هذا الحكم غير صحيح، وهذا الحديث لا يصح. قال: وقد خرج الترمذي في كتاب الصيد والذبائح هذا الحديث، وقال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه غيره. ولم يقل إنه حسن، لما ذكر هنا اشترطه في الحسن أن يروى نحوه من غير وجه، وهذا ليس كذلك، فإنه لم يرو في الذكاء غير الحلق واللبة إلا في حال الضرورة غيره. وحكى أيضاً في كتاب العلل عن البخاري أنه قال: لا نعرف لأبي العشراء شيئاً غير هذا. قالوا: قد ذكرنا هناك أن بعضهم ذكر لحماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه نحو عشرة أحاديث، لكن كل أسانيدها إلى حماد ضعيفة، لا يكاد يصح منها شيء عنه، والصحيح أنه ليس له عن أبي العشراء إلا هذا الحديث. قال: وروى أحمد حديث أبي العشراء في الذكاء أيضاً. قال: النوع الثاني: لكل سند مشهور يروى به أحاديث كثيرة، لكن هذا المتن لم تصح روايته إلا بهذا الإسناد. ومثله الترمذي بحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع الولاء وهبته، فإنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه. ومن رواه من غيره فقد وهم وغلط. أنا لم يروه عن عبد الله بن عمر إلا عبد الله بن دينار، وكل من رواه من غير عبد الله بن دينار فهو مخطئ، لأن بعضهم ذكر عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال: وقد أخرجه الترمذي في كتاب البيع، وسبق الكلام عليه هناك واستوفى، وهو معدود من غرائب الصحيح، فإن الشيخين أخرجاه، ومع هذا فتكلم فيه الإمام أحمد، وقال: لم يتابع عبد الله بن دينار عليه. لكن هل يعد هذا تضعيفاً؟ قال: ليس تضعيفاً، لكن من باب الغرابة. قال: وأشار إلى أن الصحيح ما رواه نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الولاء لمن أعتق»، لم يذكر النهي عن بيع الولاء وهبته. بيع الولاء معناه: أن يباع الولاء هو لفلان، فيجعله لفلان، يبيعه، لا يجوز بيع الولاء، وإنما الولاء لمن أعتق. قلت: وروى نافع عن ابن عمر من قوله النهي عن بيع الولاء وعن هبته غير مرفوع، وهذا ما يعلل به حديث عبد الله بن دينار، والله أعلم. قالوا: من غرائب الصحيح أيضاً حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». وقد أخرجه الترمذي في الجهاد، وسبق الكلام عليه هناك مستوفى، فإنه لم يصح إلا من حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر. ومنها أيضاً حديث أنس: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر، فإنه لم يصح إلا من حديث مالك عن ابن شهاب عن أنس، وقد سبق ذكره في الجهاد أيضاً. وأمثلة ذلك كثيرة، عن التي تفرد بها العلماء تعتبر من الغريب، الغريب الفرد، والغريب أقسام كثيرة. ومن أعظم ما كان العلماء يهتمون به هو غرابة الإسناد. إذا إلى إمام للأئمة، غرابة الإسناد إلى إمام للأئمة. مثلاً: يكون الحديث مشهوراً من طريق ثابت عن أنس، فيأتي أحد الرواة فيرويه عن قتادة عن أنس، هذا يعتبر غريباً، فيقال: لم يرويه عن قتادة إلا فلان، على الناس رووه عن ثابت، هذا يعتبر أيضاً غريباً. وأيضاً من الغرابة التي يستخدمها أهل العلل: أن يكون مثلاً كما سيأتي، وقد ذكرنا أيضاً أن الرواة طبقات، منهم الحفاظ، ومنهم من بعدهم، وهكذا. فيأتي رجل من آخر الطبقات، من آخر الطبقات، ليس هو من طبقة الحفاظ، الطبقة الأولى والثانية والثالثة، من آخر الطبقات التي يصحح حديثهم، فيروي عن هذا الشيخ حديثاً لم يتابع عليه، ويكون هذا الحديث مما يشتهر في الأحكام أو في العقائد أو كذا، فمثل هذا يستغربه العلماء: من أين جاء بهذا الحديث؟ من أين جاء هذا بهذا الحديث؟ ولم يرويه غيره. لهذا الإمام أحمد لما ذكروا له حديث عمر: «عش حميداً، ومت شهيداً، تبعث إن شاء الله وحيداً»، قال: من روى هذا الحديث؟ فقالوا: محمد بن شبويه. قال: محمد بن شبويه هو الثقة الحافظ. قال: ذهب إلى عبد الرزاق في آخر عمره، فأنكر هذا الحديث، لأنه ما في أحد روى هذا الحديث عن معمر. فرواية عبد الرزاق لهذا الحديث منكرة. عبد الرزاق رواه عن سفيان الثوري عن عاصم بن عبيد الله، ولم يرويه عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه. فلهذا استنكره العلماء. وهذا أيضاً من الغرائب التي استنكرها كثير من العلماء. أنا تجد كما قلنا: الحديث يرويه من آخر الطبقات عن هذا الرجل، ويكون هذا الحديث من المشهورات مما تقوم به الهمم، فلذلك يقول العلماء: لو كان هذا الحديث عند هذا الشخص وعند هذا الإمام لرواه أصحابه المقربون، الذين أخذوا حديثه من المقربين لأخذوا هذا الحديث. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.