تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 18

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 18

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية أشهر الحج ووجوب إتمام النسك

يوضح العلامة السعدي أن أشهر الحج معلومات منذ عهد إبراهيم عليه السلام، ويبين أن من أحرم بالحج وجب عليه إتمامه لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، مستدلاً الشافعية بالآية على عدم جواز الإحرام قبل هذه الأشهر.

خلاف توقيت الإحرام ومعاني الرفث والفسوق والجدال

يناقش العلماء جواز الإحرام قبل أشهر الحج ويرجح الجمهور عدم صحته، مع توضيح معاني النهي عن الرفث والفسوق والجدال، وإجماعهم على أن الجماع يفسد الحج مع خلاف في المقدمات.

تفصيل كفارة الجماع وعظم الإثم في المشاعر المقدسة

أجمع الصحابة على وجوب البدنة وإتمام الحج والقضاء لمن جامع في إحرامه، ويعظم الإثم في الحج لحرمة الزمان والمكان لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، والحج المبرور جزاؤه الجنة.

خاتمة الدرس والإعلان عن الاستكمال القادم

يختتم المحاضر الدرس الحالي مكتفياً بما تم شرحه ومعلناً عن استكماله في درس قادم، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله: عند قول الله جل وعلا: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]. قال رحمه الله: يخبر تعالى أن الحج واقع في أشهر معلومات عند المخاطبين، مشهورات بحيث لا تحتاج إلى تخصيص كما احتاج الصيام إلى تعيين شهره، وكما بيّن تعالى أوقات الصلوات الخمس. وأما الحج فقد كان من ملة إبراهيم التي لم تزل مستمرة في ذريته، معروفة بينهم. والحج يُقال بفتح الحاء وكسرها، يُقال: حَجّ وحِجّ. ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ [آل عمران: 97] بكسر الحاء، فقال بالفتح وأيضا بالكسر. ثم ذكر ربنا جل وعلا أن الحج أشهر معلومات، وهذه الأشهر معلومات أي عند الناس من زمن إبراهيم، وتوارثها الناس على أنهم لا يحجون إلا في هذه الأشهر المعروفة، وهي ثلاثة أشهر: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، على اختلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: كله، ومنهم من قال: عشرة أيام منه إلى يوم العيد. فلهذا فهو معلوم لدى الناس بهذه الأشهر. قال: والمراد بالأشهر المعلومات عند الجمهور: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وعند مالك أنه الشهر كله، جاءت رواية عن أحمد. قال: فهي التي يقع فيها الإحرام بالحج غالبة. قال: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ أي: أحرم به، لأن الشروع فيه يصيره فرضا ولو كان نفلا. قال: أن الشروع فيه يصيره فرضا ولو كان نفلا، لأن الله عز وجل أمر بالإتمام: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196]، وهذا خاص بالعمرة والحج؛ فإنه إذا دخله العبد وشرع فيه صار واجبا، لزمه أن يتمه. فالحج والعمرة إذا شرع فيهما وجب أن يتمهما، حتى لو فسد الحج؛ حتى لو حصل فساد للحج، مثلا: أتى زوجته، جامع زوجته وهو محرم، فحجه يكون باطلا فاسدا، لكنه لابد عليه أن يتمه. لا يقول: «خلاص، حجي فسد، سأذهب إلى بلادي»، بل لابد عليه أن يتم أعمال الحج حتى يكمله. ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾، وهذا معنى قول المؤلف: «لأن الشروع فيه يصيره فرضا ولو كان نفلا». ولو كان الإنسان يحج ليست حجة الفريضة، وإنما حجة تطوع، فإنه كذلك إذا دخل وشرع في الحج وجب عليه أن يتمه. قال رحمه الله: واستدل بهذه الآية الشافعية ومن تابعه على أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره. قلت: لو قيل أن فيها دلالة لقول الجمهور بصحة الإحرام بالحج قبل أشهره لكان قريبا؛ فإن قوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة، وقد لا يقع فيها، وإلا لم يقيده. والذي مشى عليه أكثر أهل العلم: أنه لا بد أن يحدث الإحرام في هذه الأشهر. لو أنه أحدث الإحرام في رمضان، دخل إلى مكة في رمضان حاجا، أحرم بالحج، سواء كان تمتعا أو قرانا أو إفرادا، فهنا عند بعض أهل العلم يجوز هذا ويعد محرما، وأكثر أهل العلم على أنه ليس محرما، بل عليه أن ينقض ذلك، ويفرض الحج، ويحرم من أشهره، من أشهر الحج: في شوال أو في ذي القعدة. قال: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ دليل على أن الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة، وقد لا يقع فيها، وإلا لم يقيده. قال: وقوله: ﴿ فَلَا رَفَثَ ﴾... وهذا بعضهم يجعله من الصفة الكاشفة التي لا مفهوم لها. فقوله جل وعلا: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ ليس معناه أنه إن فرضه في الأشهر المذكورة... قد لا يقع فيها، وإلا لم يقيده، كما قال المؤلف هنا. التقييد ليس له مفهوم، وإنما أراد ربنا جل وعلا أن يقول: فإذا حج الإنسان فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يجادل. وهذا الذي ذكره جمهور المفسرين في هذه الآية. قال: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾. قال: أن يجب أن تعظم الإحرام بالحد، وخصوصا الواقع في أشهره. وهذا على تفسيره رحمه الله، وإلا فقول الجمهور وهو الصحيح: أنه لا يقع الإحرام إلا في أشهر الحج. قال: وتفصيل ذلك: يقع الإهلال بالحج لا يكون إلا في أشهر الحج، وأما العمرة فتكون في كل السنة. قال: ﴿ وَتَصُونُوهُ عَن كُلِّ مَا يُفْسِدُهُ أَوْ يُنْقِصُهُ ﴾ من الرفث، وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن. وقد أجمع العلماء، والصحابة من الصحابة وغيرهم، أن الجماع يفسد الحج، وليس هناك شيء يفسد الحج إلا الجماع، واختلفوا في مقدماته. لكن الإجماع على أن الجماع يفسد الحج. واستدلوا بهذه الآية: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾، وأيضا حديث أبي هريرة: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وليس هناك دليل صريح إلا الإجماع. ولهذا الإمام الشوكاني نازع في هذا؛ الإمام الشوكاني لا يعتد بالإجماع، فلذا نازع رحمه الله، وقال: لا دليل على أن الجماع يفسد الحج، لأنه لو قيل: الرفث فهو أيضا قريب، الفسوق قد ذكر ربنا جل وعلا الفسوق والجدال معه، وليس هناك دليل يخرجه عما ذكره الله عز وجل بمصاحبته أو باقترانه بالفسوق والجدال. والمهم أنه قد اجتمع الصحابة رضي الله عنهم، وقولهم فيه البركة، وقولهم هو الذي لا يحاد عنه. وقد جاءت عنهم أنه من جامع وهو محرم فإنه كما جاء عن ابن عباس، وابن عمر، غيرهما: أنه يفسد حجه، وعليه أن يذبح بدنة، وكذلك عليه أن يتم حجه، وكذلك عليه حجة من قابل، على أنه يأتي السنة الأخرى ويحج، لأن هذا الحج الذي حجه قد فسد. قالوا: ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن. عن الرفث: هو الكلام عند النساء، كما فسر ذلك ابن عباس رضي الله عنه: أنه يأتي بكلام عن الجماع وغيره عند النساء بحضرتهن. ولهذا لما أنكر عليه بعض الناس، أنكر على ابن عباس بعض الرفث أو بعض كلامه في النساء، فأنكر بعضه، قال لابن عباس: «إنما الرفث عند النساء». أنا إذا قلت هذا الكلام عند النساء فيعتبر رفثا؛ لأنه مقدمات الجماع. وأما إن كان ليس عند النساء فليس هو رفثا مراد به. كما قلنا: الكلام في الجماع وغيره، فيعتبر رفثا إذا ذكر عند النساء. قال: والفسوق هو جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام. والجدال هو المماراة والمنازعة والمخاصمة على الباطل، أو على حق لكن يكون جدالا بدون مماراة للحق، فهذا لا يجوز. وأما المناقشات العلمية فهذا لا تدخل في الجدال. سأل مثلا: يناقش علميا عندك في مسألة كذا، وعندك كذا في مسألة كذا، هذا ما في شيء؛ لأن هذا من العلم. قد كان السلف رحمهم الله أكثر ما يتذاكرون في الحج؛ لأنهم يلتقون فيه، فيذاكر أحدهم العلم، هذا يذاكر الأحاديث، وهذا يذاكر الفقه، وهذا يذاكر القرآن، وهكذا فيتذاكرون، وقد يحصل منهم نقاش، لكنه نقاش علم، ليس فيهم مماراة ومجادلة. قال: قال: لكونها تثير الشر وتوقع العداوة والبغضاء. والمقصود من الحج الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن المقارفة السيئات. وهذا هو الحج المبرور؛ فإنه بذلك يكون مبرورا، والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ما جاء في حديث أبي هريرة. وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنه يتغلظ النهي عنها في الحج أن يكون آكد. وهذا يؤيد القاعدة التي ذكرها كثير من أهل العلم: أن الإثم يعظم إثمه إذا كان في مكان عظيم، يعظم إثمه في مكان عظيم، كما قال الله عز وجل في الحج: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25]. قال مجاهد: لو همّ وهو بعدن أبين أن يلحد في الحرم فهو داخل في هذه الآية. فالذي يفعل شيئا، أو مثلا ينوي أنه سيفعل في الحج، مثلا: من مغازلة النساء أو كذا، فإن إثمه عظيم. فإن إثمه عظيم. فلهذا فإن الإثم يعظم بحسب المكان والزمان. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر