تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 7

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 7

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل نعيم الآخرة على متاع الدنيا وأثر التقوى في استحقاقه

يفسر العلامة السعدي آية ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ﴾ مبينًا أن نعيم الجنة يفوق كل ملذات الدنيا، وأن من اتقى الله في ماله ومتاعه عوضه الله خيرًا أعظم. ويستشهد بأحاديث توضح أن أدنى أهل الجنة يُعطى عشرة أمثال أعظم ملك في الدنيا.

نعيم الجنة وصفات أهلها والانتفاع بالدنيا للآخرة

يصف المقطع نعيم الجنة من أنهار وخمر لا تضر، وأزواج مطهرات من كل نقص وآفة، مبيناً الفرق بين نساء الدنيا ونساء الآخرة. ويؤكد أن رضا الله أكبر نعيم، ويوضح كيف يجعل المؤمن دنياه زاداً لآخرته بالمال الصالح والعمل الصالح.

إنفاق السلف والعلماء في طاعة الله وإعانتهم للعلم والدعوة

يسرد المقطع نماذج من كرم السلف كعبد الله بن المبارك، وليث بن سعد، والإمام الزهري الذين سخّروا أموالهم لطلبة العلم والدعوة، ولم يمسكوا منها شيئًا. ويضرب بأمثلة من الصحابة كعائشة ومعاذ بن جبل وأبي سعيد وأبي الدرداء رضي الله عنهم في سرعة إنفاق ما يرد عليهم، مبينًا الفرق بين أهل السعادة الذين يجعلون المال معينًا على الطاعة، وأهل الشقاء الذين يجمعونه للدنيا.

تفسير آيات سورة الليل: الجزاء على العطاء والتقوى مقابل البخل والتكذيب

قرأ النبي صلى الله عليه وسلم آيات من سورة الليل التي تبين مصير من يعطي ويتقي ويصدق بالحسنى فيُيسر له اليسرى، ومن يبخل ويستغني ويكذب بالحسنى فيُيسر له العسرى. ويُشير المقطع إلى أن هذا التفسير يُذكر في سياق شرح هذه الآيات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾. يقول رحمه الله: ثم أخبر عن ذلك بأن المتقين لله، القائمين بعبوديته، لهم خير من هذه اللذات؛ فلهم أصناف الخيرات والنعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال: هذه الأشياء التي هي زينة الحياة الدنيا، فبعضها قد يطغي العبد ويخرجه عن الصراط المستقيم، وكذلك أيضًا قد يفتن بهذه الأشياء، وبعضها أيضًا قد يستعملها فيما أحل الله عز وجل له. لكن هذه الأشياء ذكرها ربنا جل وعلا ليبين أنها من متاع الحياة الدنيا التي أعطيت العباد، أعطيت هذه الأمتعة. لكن هناك يقول الله عز وجل: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ﴾، أي: أعظم مما هو تتنعمون به في هذه الحياة. هناك عند الله عز وجل أعظم من هذا، فقال جل وعلا: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ﴾، ولا شك أنه خير، فنعيم الآخرة لا يقارن بنعيم الدنيا. لهذا قال: ﴿ قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ ﴾، أي: اتقوا الله في هذه الأشياء، اتقوا الله عز وجل في هذه الأمتعة التي جعلها الله عز وجل في هذه الحياة. فمن اتقى الله عز وجل فيها عوضه الله عز وجل أعظم من هذه الأشياء. فإن هذه الأشياء جعلها الله عز وجل فتنة للعباد، وقد لا يمتع النفس بشيء منها. قد يكون مثلًا الإنسان منذ أن نشأ في هذه الحياة وهو فقير، ما عنده مال، فهذا ليس عيبًا عليه. أيضًا قد يكون عنده مال لكنه يتقي الله عز وجل فيه. كذلك أيضًا الحرث والأنعام وغيرها من هذه الأموال. فمن الناس من لا يتقي الله عز وجل فيها، فلا يخرج زكاتها، ولا أيضًا يسوقها بما أمر الله عز وجل به. وهناك أناس يتقون الله عز وجل في هذه الأشياء. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الخيل ثلاثة: خيل أجر لصاحبها، وخيل وزر على صاحبها، وخيل لا أجر ولا وزر». هناك خيل يجعلها في سبيل الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فهي له أجر. فقد يستخدم هذه الأشياء في الخير، وقد يستخدمها في الشر. لهذا من اتقى الله عز وجل عوضه الله عز وجل أعظم من هذه الأشياء التي هي متاع الدنيا. ولهذا كما قلنا جاء في حديث جابر، جاء أيضًا من حديث أبي هريرة نحوه وبسعيد، وجاء أيضًا من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام... وأيضًا جاء من حديث المغيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لآخر من يدخل الجنة، آخر رجل يدخل الجنة، يقول له، يقول ربنا جل وعلا له: أتريد أن أعطيك مثل أعظم ملك من ملوك الدنيا؟ أنا أكثر واحد ملك في هذه الحياة في الدنيا، سأعطيك مثله». فيقول: رضيت ويا رب. فيقول: «لك هو، ولك مثله، ولك مثله، ولك مثله» حتى يعد عشرًا، كما في حديث المغيرة: «أنا لك عشر أمثال، لك عشر أمثال». فهذا الذي يكون عند أعظم الملوك الذين ملكوا الدنيا كلها، ملكوا الدنيا كلها، فالله عز وجل يعطيه عشر مرات مثله، عشر مرات مثله. وهذا أدنى أهل الجنة وآخرهم دخولًا. في حديث المغيرة أن موسى سأل ربه عن أدنى أهل الجنة، عن أدنى أهل الجنة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أدنى أهل الجنة الرجل...» وذكر هذا الحديث. ثم سأله عن أعلى أهل الجنة، قال: «أولئك غرست كرامتهم بيدي، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». فهذا يدل على أن الله عز وجل يعطي عطاءً عظيمًا في الجنة. لهذا قال الله عز وجل: ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، تجري من تحتها، تجري من خلالها، أن خلال هذه الجنان تمر الأنهار من خلال هذه الجنان. فيها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من عسل مصفى. أربع أنهار: نهر من لبن، نهر من خمر... ولكن هذه الخمر ليست كخمر الدنيا. هذه الخمر قال الله عز وجل فيها: ﴿ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴾، لا فيها غول، لا يكون فيها وجع في البطن، ولا أيضًا تسكر العقول وتغطي العقول. هذه خمر ليست كخمر الدنيا. خمر الدنيا إن لم توجع البطن فإنها لا شك أنها تسكر العقل وتغطيه، لكن وتصدعه. لكن خمر الآخرة ذكر الله عز وجل أنها لا توجع البطن، ولا أيضًا تؤذي العقل. قال رحمه الله: والفرق الجسيم بين الدارين. فأخبر أن الناس زينت لهم هذه الأمور، فرمقوها بالأبصار... أو هنا قال: قال: ﴿ وَلَهُمْ رِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ﴾، الذي هو أكبر من كل شيء. ﴿ وَلَهُمْ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من كل آفة ونقص. إن هذه الأزواج مطهرة من كل آفة ونقص. في الدنيا إن ليس فيها مما قد يتقدر منه الإنسان في هذه الحياة، مثل الحيض والنفاس وغيرها من هذه الأشياء التي قد يتقدر منها الإنسان في هذه الحياة. لكن هذه الأزواج في الجنة مطهرات، سواء كان الحور أو أزواج الأزواج التي في الدنيا، يطهرهن الله عز وجل يوم القيامة. قال: ﴿ وَلَهُمْ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ مِّن كُلِّ آفَةٍ وَنَقْصٍ ﴾، جميلات الأخلاق، كاملات الخلائق. إن جميلات الأخلاق، الجمال أكمل الجمال، والأخلاق أكمل الأخلاق، ليس فيها شيء من أخلاق أهل الدنيا، بل مكملات. أن الله عز وجل ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن المرأة في الدنيا تكون عندها نقص: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن». وقال: «قد كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع». لهذا فالنقص معتري نساء الدنيا، لكن في الآخرة تكون هذه المرأة مكملة، مكملة. وإذا كانت مكملة لا يكون فيها شيء من التنغيص للرجل، بل ستعامله بمعاملة أحسن المعاملة. ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾: فيسر كلا منهم لما خلق له. أما أهل السعادة فيسرهم للعمل لهذه الدار الباقي، ويأخذون من هذه الحياة الدنيا ما يعينهم على عبادة الله وطاعته. أن يأخذون من هذه الحياة كما قال الله عز وجل: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾. فجعل المقدم هو الأمر الآخرة، أن الإنسان يفكر، وأيضًا همه يكون هم الآخرة. ثم قال: ﴿ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ﴾. وهذا النصيب من الدنيا الذي يجعله كالزاد له إلى الآخرة، يجعله كالزاد له إلى الآخرة، أو ما يعينه على عبادة الله من المرأة الصالحة، وكذلك من المال الصالح. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». فالمال قد يكون مالًا مفسدًا، قد يكون مالًا صالحًا. فقال: فهذا المال الصالح يعين على طاعة الله عز وجل. فالمال الصالح الذي أعانك، أو الذي يعينك على طاعة الله، أنك تتصدق به، وتقوم بأهلك، وتقوم بعيالك، وتقوم بوالديك، وغيرها من هذه الأشياء التي يقام بها هذا المال. ولا بأس أن الإنسان يتاجر، فالتجارة حلال. وأيضًا من تاجر لأجل مثلًا أن يحمي وجهه، ويحمي أهله، ويحمي أيضًا غيره ممن يحبهم، مثل ما كان يفعل السلف. كان عبد الله بن المبارك يقول: «لولا فلان وفلان ما اتجرت». أنا لولا هؤلاء العلماء أنه يعينهم بهذا المال ما اتجرت، ما ذهبت إلى التجارة، ولا أشغلت نفسي بالتجارة. وهكذا كان يقول ليث بن سعد رحمه رحمة الله عليه، كان عنده مال كثير ولا تجب عليه الزكاة. وكذلك كان الزهري يفرق ماله في طلبة العلم، ويفرق ماله أيضًا في ما يكون في الدعوة إلى الله، مع أنه وزير، وعن بمثابة الوزير. الإمام الزهري كان عند الأمويين كالوزير، لكنه ما كانت تجب عليه الزكاة، وما كان أيضًا يدخر مالًا، لأنه سريعًا ينفقه، ما يأتي عليه ماله وعطيته إلا ويخرجها للطلبة ولغيره. لهذا مرة ذهب إلى مصر، معنى كان يذهب إلى مصر، فكان هناك يرافقه عقيل بن خالد الأيلي، وعقيل شرطي، والزهري يعتبر كما قلنا وزيرًا، ومعنى يمشي معه الشرط. فكان الزهري يخرج إلى بعض الكفرات، هذه الكفر معنى القرى، يخرج إلى هذه الكفرات، ويدعو إلى الله، يحدثهم بحديث النبي عليه الصلاة والسلام. فذات مرة جاء عنده أعرابي، أو أحد هولاء أصحاب الكفر، وكان استجيزه حديثًا، فأراد الزهري أن يعطيه شيئًا، فما وجد معه شيء، ما وجد معه شيء يعطيه. فقال لعقيل: «يا عقيل، هات عمامتك وسعطيك، وتعرف أن يعطيك بدلها أو خيرًا منها». فأعطاه عقيل عمامته، فأعطاها لهذا الأعرابي، أو هذا الرجل الذي كان عنده. وهذا من كرمهم رحمة الله عليهم. فسخروا أموالهم في طاعة الله، ولا شك أن الصحابة رضي الله عنهم أيضًا كانوا كذلك. عائشة رضي الله عنها يضرب بها المثل في هذا الباب، ما كانت يبقى عندها مال من كثرة الصدقة. وقد أخرج الإمام أبو عبيد، كذلك أخرجه بن زنجويه، وأخرجه أيضًا البيهقي في الشعب بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه أنه جاءه مال، فقال لمولى له: «اذهب بهذا المال إلى معاذ بن جبل، وانظر ماذا يفعل». قال: فأخذ هذا المال وذهب به إلى معاذ. فلما جاءه قال: «هذا مال من أمير المؤمنين». فقال: «تعالي يا جارية، وتعالي يا غلام، اذهب إلى فلان، واذهب إلى فلان، وفرق هذا المال». ويرفع هذا القائم معنا، لا زال ينظر فيما فعل معاذ، حتى قالت له زوجته: «ونحن ما عندنا شيء». قال: «فخذي هذا الدينار». بقي دينار، فأعطاها إياه. وهكذا. ثم جاء ورجع، فأخبره، أي أخبر عمر بهذا الذي فعله. قال: ثم أعطاه مال، قال: «اذهب إلى أبي سعيد»، وأيضًا هكذا إلى أبي الدرداء أو غيره. فذهب معناه إلى جماعة من الصحابة، ووجدهم يفعلون مثل هذا الفعل. معناه: ما كانوا يضعون شيء في أيديهم، كان أكثره يخرجونه، كلما جاءهم مال، عندهم الناس الذين يعطونهم هذا المال. لهذا فقال عمر رضي الله عنه: «هؤلاء أخوة، بعضهم من بعض»، يعني يشبهون بعضهم البعض في نفقتهم وفي غيرها. فكانوا يسخرون هذه الأموال في طاعة الله. فقال: أما أهل السعادة فيسرهم للعمل لهذه الدار الباقي، ويأخذون من هذه الحياة الدنيا ما يعينهم على عبادة الله وطاعته. وأما أهل الشقاوة والإعراض فيقيضهم لعمل أهل الشقاوة، ويرضون بالحياة الدنيا، يعني يرضون بما عندهم، للأموال يجمعون لأجل الدنيا، ويأخذون لأجل الدنيا، وأيضًا قد يعطون أيضًا لأجل الدنيا وليس لله. قالوا: يتمتعون بها، ويتخذونها قرارًا. وكما قال الله عز وجل: ﴿ فَكُلٌّ مُّيَسَّرٌ ﴾، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فكلهم ميسر». النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قول الله جل وعلا: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴾. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في تفسير هذه الآية، والله تعالى أعلم.