تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 92

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 92

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 92، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الشورى وفضائلها في ضوء قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

توضح الآيات والسنة أن الشورى عبادة وقربة تُطمئن القلوب وتجمع الكلمة وتدفع النفاق، وقد مارسها النبي ﷺ في مواقف كبرى كغزوة بدر وأسراها. وتحقق الشورى المصلحة العامة بتجميع آراء أهل الرأي والخبرة.

مشروعية المشاورة وضوابطها وآثارها العملية

المشاورة مشروعة ومطلوبة بشرط أن تكون مع أهل البصيرة والاختصاص، لأن اجتماع عقولهم يُنير الأفكار ويخرج برأي رشيد. من استشار لم يخب وغالبًا يصيب، وإن أخطأ فليس بملوم لشرح صدره بمشاورة أهل الاختصاص.

الشورى في غزوة أحد والتوكل على الله بعد العزم

شاور النبي ﷺ أصحابه في الخروج إلى أحد ليكون قدوة، فاستقرت الخيرة على الخروج ورفض المنافقون، ونزلت آية ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ تأمر بالتوكل بعد المشورة. التوكل مع الاستخارة والمشاورة يجلب التوفيق والنجاح، فمن استخار لم يخب ومن استشار لم يندم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فقد أخذنا في الأمس تفسير قول الله عز وجل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. وذكر المؤلف رحمه الله في قول الله جل وعلا: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، قال: أي الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه في قضايا كثيرة، ومن أظهر هذه القضايا ما حصل في بدر، فإنه شاورهم النبي عليه الصلاة والسلام: هل يقاتلون هؤلاء الكفار أو لا؟ وأيضًا في أمور كثيرة، يشاورهم النبي عليه الصلاة والسلام في أسرى بدر، شاور بعض أصحابه الكبار. وكان أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام يجلس مع أبي بكر وعمر بعد العشاء في قضايا المسلمين، أي شاورهم في هذه القضايا. قال: من هذه الفوائد والمصالح أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله، فالمشاورة ليست من باب الشكوى، أو من باب الذل، ولا غيره، وإنما هي من باب اشتراك الأمر بينك وبين هذا الذي تشاوره، فهي مطلوبة، والله عز وجل أمر بها في القضايا المهمة التي تحتاج إلى استشارة ونظر. أما الأشياء التي هي واجبات عليك وليس فيها مضار، فهذا لا داعي لاستشارة. قالوا: منها أن فيها تسميحًا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس إذا جمع أهل الرأي والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس يستبد عليهم استبدادًا، معنى يستأثر بالأمر وحده، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته لعلمهم بسعيه في مصالح العموم. بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة ولا يطيعونه، وإن أطاعوا فطاعة غير تامة. ولهذا تجد أن المنافقين دخلوا من هذا الباب، دخلوا أنهم لا يستشارون. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يستشير بعض أصحابه، ولأن الاستشارة هذه ليست لكل أحد، وإنما لأناس عندهم معرفة وعندهم بصيرة في هذا الباب. لكن المنافقين أرادوا أن يزعزعوا، فقالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، فقال: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أن أنتم ما تستطيعون أن تدفعوا، فكيف تدفعون عن غيركم برأيكم؟ فلهذا فالمشاورة أمر طيب جدًا، لكن يجمع فيها أهل الرأي والفضل الذين لهم خبرة، فليس كل أحد يُستشار، لأن لو كان لكل أحد يُستشار لخرج الأمر عن طوره، والناس غالبًا كل واحد له رأي، لكن غالب أهل الفضل وأهل الخبرة تكون آراؤهم متقاربة، وغالبًا يكون هذا الرأي عن دراسة أو عن خبرة سنوات، فلهذا غالبًا يخرجون بأمر رشد بإذن الله جل وعلا. قالوا: منها أن في الاستشارة تنوير الأفكار بسبب إعمالها فيما وضعت له، صار في ذلك زيادة للعقول، كأنه يوضع عقل هذا وعقل هذا وعقل هذا، وهذه كلها عقول نيرة وعقول لها خبرة، فإذا اجتمعت صارت نورًا على نور، فصارت زيادة للعقول، كما قال الشيخ رحمة الله عليه. فلهذا فالمشاورة هو اجتماع آراء وعقول لمن له خبرة في ذلك المجال. قالوا: منها ما تنتج الاستشارة من الرأي المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب فليس بملوم. لهذا جاء في الحديث الذي حسنه بعضهم: «ما خاب من استشار»، أو قال: «ما خاب أو ما ندم من استشار». على الذي يستشير لا يندم، وغالبًا يكون يأتي بالرأي الصواب، وإن حصل خطأ فصدره منشرح لأنه قد شاور أصحابه وشاور من يعرف هذا الأمر. قال: فإذا كان الله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا وأفضلهم رأيًا: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، فكيف بغيره؟ الله عز وجل هو الذي يعلم مصلحة العباد، وأيضًا كذلك ما سيأمر نبيه إلا بالرشد، لكن الله عز وجل أراد من نبيه عليه الصلاة والسلام لأنه القدوة لأمته، أراد له أن يشاورهم لعل ما يجدون في أنفسهم، وكذلك لعل أن يكون هذا الأمر شرعيًا، يقوم به أهل الإسلام، سواء كان من أهل الولايات أو غيرهم ممن يكون له رعية أو مسؤولية، فيشاور غيره في الأمور المهمة. قال: ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي على أمر من الأمور بعد المشاورة فيه، إن كان يحتاج الاستشارة، فتوكل على الله. وهذا كأنه رد على المنافقين الذين أرادوا أن النبي عليه الصلاة والسلام يشاورهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام شاور من هو أهل بالمشاورة، ثم خرج. ولهذا جاء في سيرة ابن إسحاق أن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى بعض أصحابه في هذه المسألة، مسألة مقابلة كفار قريش، لما علموا بخروجهم، شاورهم النبي صلى الله عليه وسلم: هل يبقون في المدينة أم يخرجون؟ فجاءت الخيرة أنهم يخرجون إلى أحد حتى يكون مقابلة المشركين هناك، ولا يجلسوا في المدينة. فكانت هذه مشورة عظيمة، لأن لو حصل مثلًا هزيمة وهم في المدينة ستكون هذه الهزيمة عظيمة ومنكرة، وأيضًا قد تباح الذرية والنساء. فلهذا كانت المشاورة إلى الخروج، ورفض بعض المنافقين ومن تبعهم، رفضوا هذا الأمر، فرجع عبد الله بن أبي رجع بمجموعة من الجيش، رجعوا معه، وكان رأيهم أنهم يقاتلون في المدينة، وكادت أيضًا بنو سلمة وبنو الحارث أن يرجعوا، لكن الله عز وجل سلمهم من هذا الرأي وبقوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، وتولاهم الله جل وعلا: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. قال رحمه الله: فتوكل، قال: فقوله جل وعلا: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أن يعتمد على حول الله وقوته، متبرئًا من حولك وقوتك، أن يجعل الأمر كله لله، وأن هذا الفعل الذي عزمت عليه فهو من الله جل وعلا. ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، عليه اللاجئين إليه، ما دام أنه حصل المشاورة وحصل الاستخارة لله عز وجل، فإنه غالبًا ينجح الإنسان في موضوعه وما يفكر فيه، فما خاب من استخار، وما ندم من استشار. فالذي يستخير الله عز وجل يصلي صلاة الاستخارة، ثم يشاور من كان أفهم في هذا الباب، أو عنده بصيرة، أو عنده تجربة في هذا الباب، فإن غالبًا إذا فعل هذا لم يخذل، لم يخذل، سواء كان في الأمور الكبيرة أو الأمور المتعلقة بالشخص نفسه. فهذا ما يذكر في هذا المقام، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر