الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 282، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يصف الحديث قيام الناس لرب العالمين يوم القيامة ودنو الشمس حتى تكون على قدر ميل، مما يؤدي إلى إصابتهم بالعرق بحسب أعمالهم. وتتفاوت درجات العرق فمنهم من يبلغ كعبيه ومنهم من يبلغ حقويه ومنهم من يلجمه العرق لجاماً.
يوضح المقطع تفصيل درجات العرق التي تصيب الناس يوم القيامة وفقاً لأعمالهم، حيث يصل العرق إلى الكعبين أو الحقوين أو يلجم الإنسان لجاماً حتى يغيب في رشحه. ويؤكد أن شدة العرق تتناسب طردياً مع قدر الأعمال كما ورد في حديث المقداد.
يتحدث المقطع عن هول الموقف يوم القيامة حيث يغمر العرق الناس حتى تكاد تجري فيه السفن، وتقترب الشمس من الرؤوس قدر ميل. وهذا المشهد العظيم يستدعي تقوى الله والخوف من عذابه.
يختتم المتحدث بالدعاء لله أن يوفق للخير ويمنح النعيم والظل والراحة في الآخرة. ويسأل أن يجعله من أهل الجنة ورضوان الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب يوم يقوم الناس لرب العالمين. قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، وهو الحزامي المدني، قال: حدثنا معن، وهو ابن عيسى، كان يقرأ على مالك، قال: حدثني مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه». وجاء في رواية: «يوم القيامة حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه». وقد فسره النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ ﴿ ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ذلك اليوم ﴾. قال الله عز وجل: ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾، أي في ذلك الموقف، موقف الحساب، فمن الناس من هو منعم في ظل الله جل وعلا، ومن الناس من هو معذب في الشمس، كما جاء في حديث المقداد بن الأسود في صحيح مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق»، الناس كل من تصيبه هذه الشمس، وأيضًا يصيبهم حر الشمس فيعرقون، وهذا العرق على قدر أعمالهم، وربنا جل وعلا على كل شيء قدير، وأيضًا كل شيء جل وعلا بحكمته سبحانه وتعالى، فيغرقون في عرقهم، أو كل بحسبه، على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق لجامًا. هناك درجات: منهم من يكون على كعبيه، وقد يكون من هو أكثر من ذلك، ومنهم من يكون إلى حقويه. معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الثلاثة الأشياء، ليس مرادًا أنهم كلهم كذا، وإنما هناك درجات، فأقلهم يكون إلى كعب، هذا الذي أعماله قليلة، الذي يكون إجرامه أقل يكون إلى كعبيه، والأوسط يكون إلى حقويه. الحقو: مكان الحق، الذي هو مكان الإزار، معنى مربط الإزار، وهو الخصر، كان الخصر هذا الحق لأنه كان يوضع الحق، وهو شيء من العمامة أو نحو ذلك، فسمي حقًا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومنهم إلى حقويه»، معنى: العرق يطلع إلى أواسط الناس، أواسط هؤلاء الذين يعذبون في الشمس وفي الموقف. ومنهم من يلجمه العرق لجامًا، يغطي العرق، ومنهم كما ذكر في هذا الحديث: «حتى يغيب أحدهم في رشحه»، رشح: معنى عرقه، في رشحه إلى أنصاف أذنيه، معنى: يلجمه، اللجام هو تغطية الفم، معنى يغطي فمه، فإذا كان إلى أنصاف أذنيه معنى أنه غطى فمه، فيلجمه العرق لجامًا، يصير لجامًا له، أنفه وفمه تحت العرق، ممكن أن العرق يغطيه، وممكن أن المراد أنه يأتيه إلى أنفه فيلجمه، معنى: يكون مثل لجام له في أنفه، يلجمه العرق لجامًا، ولهذا قال: لجام، بعد ذكر بعضهم أن هناك فرق بين اللجام وبين اللثام، اللثام يكون للحيوانات، واللجام يكون للإنسان، لكن أحيانًا يُطلق هذا على هذا، يقال: لجام، ويقال: لثام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنه»، فهذا الرشح وهذا العرق يكون بقدر أعماله، كما جاء في حديث المقداد: يكون بقدر الأعمال. وأما ما جاء أنها حتى تجري السفن، فظهر أنه ضعيف، لم يصح: «حتى أن السفن لتجري فيه»، لكن معناه صحيح، العرق هذا الذي يغطي الإنسان ويلجمه، هذا ممكن أن تجري فيه السفن، ممكن أن تجري فيه السفن، فلذلك فهذا شيء من أهوال يوم القيامة، والتي يخوف الله بها عباده: ﴿ يا عبادي فاتقون ﴾، يخوف به، يخوف الله عباده: ﴿ يا عبادي فاتقون ﴾، عن تخويف الله عز وجل بهذه النار، بهذا العذاب: ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾، هذا إذا دخلوا النار، لكن قبل النار أيضًا هناك أهوال عظيمة، ومن تلك الأهوال ما يصيبهم من هذا العرق الذي يأخذهم في هذا الموقف، شدة الحر، والشمس تدنو على رؤوس العباد قدر ميل. قال بعض الرواة: ما أدري، هل هو ميل المكحلة أو ميل المسافة؟ وغالبًا والظاهر هو ميل المسافة، لأن ميل المكحلة صغير جدًا، فالظاهر أنه ميل المسافة. الآن الشمس في بعدها ملايين الكيلومترات كما يقولون، والله أعلم أنها بعيدة، لكن كم قطرها أو كم مسافتها؟ الله أعلم. لكن هذا البعد الشديد، ما يستطيع الإنسان عند توهجها أن يستمر فيها أكثر من ساعة ونحو ذلك، فما بالك في ذلك الموقف يكون يومًا كاملًا وهو في تلك الشمس الحارة. أيضًا كذلك تصبب العرق، الإنسان إذا صبب منه العرق في وقت الحر يتضايق، فكيف وهذا العرق يكون له مثل الماء، مثل الماء الذي يغطس فيه، فيكون أشد، ليس هو مثل الماء معناه في البرودة، الإنسان لو وجد حرًا وحمى وعرق، إذا غطس في الماء تبرد، لكن هذا حر وحار وعرق، معناه سيكون موقفًا مؤلمًا، والعياذ بالله، وهولًا عظيمًا لا يستطيعه الإنسان، فلذلك فالواجب على المسلم أن يتقي مثل هذه الأمور، ويتقي الله عز وجل، ويتقي عذابه، حتى يأتي يوم القيامة فيقوم لرب العالمين وهو على خير وعلى هدى، وأيضًا كذلك يجد النعيم من الله والظل والراحة وغيرها مما يجده المؤمن في ذلك المقام العظيم في ذلك اليوم، وكذلك في تلك الدار، نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا من أهل جنته ورضوانه، سبحانه وتعالى، والحمد لله رب العالمين، سبحانه وتعالى، والحمد لله.