كتاب النكاح من صحيح البخاري 113

كتاب النكاح من صحيح البخاري 113

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 113، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب الغيرة: حديث سعد بن عبادة وموقف النبي صلى الله عليه وسلم

يروي البخاري عن سعد بن عبادة قوله إنه سيضرب من يجد مع امرأته بالسيف، فرد النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أغير من سعد والله أغير منه. اختلف العلماء في كون هذا الموقف مدحاً لسعد أو ذماً له.

أنواع الغيرة ومشروعيتها وغيرة الله عز وجل

توجد غيرة محمودة تكون في مواطن الريبة وغيرة مذمومة تكون بلا سبب وقد تكون وسوسة. الغيرة الصحيحة من الإيمان، وغيرة الله تعالى أن تُنتهك محارمه وهو يغار على عبده المؤمن.

غيرة الله عز وجل والفرق بين الغيرة المشروعة والوسوسة

تليق غيرة الله بجلاله وعظمته وتتمثل في زجر العباد عن انتهاك حرماته. غيرة العبد مشروعة إذا بنيت على ريبة حقيقية، أما إذا تجاوزت إلى الظن والوسوسة فهي مذمومة.

الغيرة في الإسلام: المشروعة والمكروهة

الغيرة تكون من الإيمان إذا كانت في موضع الريبة، بينما الغيرة بلا سبب تكون وسواساً وظنوناً سيئة. يستشهد الحديث النبوي بالفرق بين الغيرة المحبوبة لله وتلك المكروهة.

  • 18 جمادى الأولى 1447هـ - 08/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب الغيرة». وقال: «وراد عن المغيرة»، والراد هذا كاتب المغيرة، وهذا إسناد معلق، وقد أسنده في غير هذا الموضع. قال سعد بن عبادة: «لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير مني». وهذا كما قلنا تعليق، قد أسنده البخاري رحمه الله في عدة مواضع، وأخرجه كذلك مسلم من طريق موسى بن إسماعيل عن شعبة بن عوان عن عبد الملك بن عمير عن وراد، ورواه مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. وقوله هنا: «الغيرة»؛ الغيرة المراد بها شيء يكون في الرجل أو في من يغار عن شيء يدفعه إلى أن يقوم على هذا الذي حصل منه هذا الشيء الذي ينقض الغيرة. ولهذا جاء في الحديث: «وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله». وفي هذا الحديث معنى: أن سعد بن عبادة لما جاء رجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، عن أنه وجد امرأة أو أنه وجد رجلا عند امرأته، فقال سعد: إنه لو وجد رجلا مع امرأته لضربه بحد سيفه لا بعرضه. قوله: «مصفح» أي: لضربته بالسيف غير مصفح، أي: ليس بصفحته بل بحده، أنا سأضربه بحده. فقال سعد هذا الكلام، ولم يصبر أن يأتي بأربعة شهداء. وصفحته السيف: وجهاه العريضان، وغراره يطلق على الحد كما جاء في بعض الروايات: «لضربته بغراره» أي: بحده حتى يموت. وهذا الحديث اختلف في توجيهه: هل هو من باب الذم، أي هل أن النبي عليه الصلاة والسلام ذم سعدا، أو أنه مدحه؟ فبعض العلماء قال: إنه مدح له، وبعض قال: إنه ذم. والظاهر أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين أن هذه الغيرة التي من سعد ليست صحيحة، لو كان هناك غيرة لغار الله، لكانت الغيرة من الله عز وجل وهي أعظم، وأيضا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام أغير من سعد. لكن هذا حكم الله، هذا حكم الله جل وعلا. وقد جاء في الحديث الذي أخرجه ابن ماجه وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يكره الله تعالى». فأما ما يحبه الله فالغيرة في الريبة، الغيرة في الريبة: إذا كان هناك شيء يراب فهنا تكون الغيرة. وأما ما يكره فالغيرة في غير ريبة: يغار وليست هناك ريبة، ليست هناك ريبة حتى يغار، ليس هناك شيء يدعوه إلى الغيرة. لكن أحيانا تكون هذه الغيرة وسوسة، وسوسة من الشيطان. وإلا فلو كانت غيرة صحيحة لكانت من الإيمان، كما جاء في بعض الأحاديث: «الغيرة من الإيمان، الغيرة من الإيمان». والغيرة هنا أيضا قال: «والله أغير مني». هذه صفة من صفات الله جل وعلا أنه يغار، أن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله. وليس معنى هذا جاءت أيضا إثبات الغيرة لغير الله جل وعلا للعبد أنه يغار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «غار أمكم»، أن المرأة أيضا عندها غيرة، وأيضا أهل الإيمان عندهم غيرة إذا انتهكت محارم الله، محارم الله عز وجل. إذا انتهكت فتجد الإيمان يغار على محارم الله، معنى أن تنتهك، معنى أن يؤتى المحرم أمامه، فهذه الغيرة وهو الإيمان الذي في قلبه يدفعه إما إلى إنكارها باليد، وإما إلى إنكارها باللسان، وإما إلى إنكارها بالقلب إذا لم يستطع إنكارها باليد واللسان. وأيضا كذلك ثبت أن الله عز وجل يغار لعبده المؤمن ويدافع عنه، وجاء أيضا في حديث المسعودي الذي سيأتي: «ما من أحد أغير من الله، ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وما أحد أحب إليه المدح من الله». فلهذا فغيرة الله عز وجل غيرة تليق بجلاله وعظمته، تليق بجلاله وعظمته، وهي أعظم غيرة، ليس كغيرة الإنسان ولا غيره. فغيرة الله عز وجل تليق بجلاله وعظمته سبحانه تعالى. فربنا عز وجل يغار، وغيرة الله أن تنتهك حرماته، إذا انتهكت حرماته ربنا جل وعلا يغار. وأيضا جاء في حديث الكسوف: النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أحد أغير من الله أن تزني أمته أو يزني عبده، أن تزني أمته أو يزني عبده». فقوله عليه الصلاة والسلام: «أحد أغير من الله» أي: أنه لا أحد يغار كغيرة الله جل وعلا. وجاء في الحديث أيضا: «ومن غيرته حرم الفواحش»، أي أنه زجر عنها ومنع منها. وفي هذا الحديث: «وغيرة الله»، وفي الحديث الآخر: «وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم الله عليه». ولهذا فسر هذا الحديث أن الله عز وجل يغار، أي أنه يزجر عن المحارم. فلهذا فسر هذا الحديث: «لأنا أغير من سعد، والله أغير مني»، إنه لزجور عن المحارم، وأنا أزجر منه، والله أزجر من الجميع عما لا يحل، أزجر من الجميع عما لا يحل. فمعنى ذلك أن الله عز وجل يزجر عن فعل الحرام وانتهاك المحرمات. وغالبا الغيرة أيضا تأتي لأجل الريبة، لأجل الريبة: إنسان يغار على زوجته أنها تكلمه رجل أو أنها تكلم رجلا، أو أن يراها رجل لا يحل له، أو أنها تكشف وجهها أو شيء من جسدها لرجل لا يحل لها، وغير ذلك من الغيرة. فكلما زادت غيرة العبد في الريبة، أنه كان شيء، كان هذا أقوى للإيمان. وأما إذا تعدت حدودها، فإن يغار لغير الريبة، يغار لغير الريبة، فهذا وسوسة. بعض الناس يجدون يغار على امرأته حتى لو لم تعمل شيئا ولم تنتهك حرمات الله، ولم أيضا كذلك تفعل ما يدل على ذلك، لكنه شكاك ويوسوس له الشيطان: يقول: «لعلك إذا خرجت امرأتك تفعل كذا، أو لعل فلان يأتي امرأتك»، وكله ظن وساوس. فهذا ليس من الغيرة في شيء. الغيرة من الإيمان، الغيرة الصحيحة من الإيمان، وأما غير ذلك فهي غالبا تكون وساوس، وكذلك ظنون خاطئة أو سوءا. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يكره الله، فأما ما يحب الله فالغيرة في الريبة، وأما ما يكره فالغيرة في غير ريبة». طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا.