كتاب الطلاق من صحيح البخاري 10

كتاب الطلاق من صحيح البخاري 10

الدرس في كتاب الطلاق من صحيح البخاري 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

باب الطلاق في الإغلاق والغضب الشديد وأحكام الإكراه والسكر والجنون

يشرح هذا المحور مفهوم الإغلاق وهو استيلاء الغضب الشديد على القلب والعقل فيصدر الطلاق بغير نية، ويميزه عن الغضب العادي. ويستعرض أحكام الطلاق مع الإكراه والسكر والجنون والغلط والنسيان مستدلاً بالأدلة النبوية والقرآنية، ويبين عدم قبول إقرار الموسوس والمجنون.

تفصيل أحكام طلاق المكره والسكران والطلاق المعلق وألفاظ الكناية

يناقش المحور عدم قبول طلاق السكران وإقراره عند الجمهور، واختلاف العلماء في طلاق المكره والموسوس. كما يفصل في أحكام الطلاق المعلق بالشرط والفرق بين نيتي الطلاق واليمين، ويوضح أن ألفاظ الكناية تحتاج إلى نية الطلاق عند الجمهور بخلاف الصريح.

الفرق بين ألفاظ الطلاق الصريحة والكناية واشتراط النية والتلفظ

يبين هذا المحور الفرق الجوهري بين الطلاق الصريح الذي يقع بمجرد اللفظ، والكناية التي تشترط النية والعرف. ينقل أقوال الصحابة والتابعين في عدم وقوع الطلاق من المجنون والصبي والنائم، ويؤكد إجماع العلماء على وجوب التلفظ بالطلاق وعدم وقوعه بمجرد النية الباطنية.

ختم الدرس والإشارة إلى مواصلة الأحاديث في الدرس القادم

يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى أن الإمام البخاري ذكر بعض الأحاديث سيتم تناولها في الدرس القادم. ويكتفي بهذا القدر من الشرح مع تفويض العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب الطلاق في الإغلاق». ومعنى باب الطلاق في الإغلاق: أي إذا أغلق قلبه فلا يدري ما يقول، فقلق وهو لا يدري أنه يطلق. فأغلق قلبه إما بسبب غضب شديد، أو بسبب خصومة مع زوجته شديدة، أو ضرب، أو غيرها من الأمور التي يغلق الإنسان عليه طبعه، يتكلم بكلام وهو لا ينويه ولا يريده، ومن ذلك الطلاق. فإن قال الأزواج إذا حصل بينه وبين المرأة شيء من الخصومات حتى علت أصواتهما، فغضب غضبا شديدا، فأغلق عليه العقل، فتكلم بالطلاق. وليس معنى ذلك أن كل غضب، أو كل رجل طلق في غضب، أن طلاقه ليس صحيحا؛ لأن الإنسان غالبا ما يطلق إلا في غضب، ليس هناك من يطلق وهو سعيد أو وهو فرحان، فلا بد غالبا أن يكون هذا الطلاق في غضب وهو غضبان. لكن الغضب يختلف، فهناك من الغضب ما يغلق عليه فكره، فلهذا يتكلم بكلام وهو لا يريد، ومن ذلك الطلاق. قال: «باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره»، أو قال: «والشرك وغيره». لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى». وقال الشعبي: «لا تآخذنا إن نسينا أو أخطأنا». عن أنه إذا طلق الرجل بغير نية نية الطلاق فهو لا يحسب عليه الطلاق. وهذا يكون في الغلط والنسيان، أو في الإكراه، أو أن الإنسان جن أو سكر. سيأتي الكلام على هذه الأمور. قال: «وما لا يجوز من إقرار الموسوس». إقرار الموسوس: الذي يقول: «طلقت أو لم أطلق»، الذي يشك في ألفاظه دائما، يشك: هل فعل كذا أو لم يفعل؟ فهذا موسوس، فلا يجوز. قاله: «ما لا يجوز من إقرار الموسوس». أن إذا كان جاءه الشيطان وقال له: «طلقت أم لم تطلق؟» كأنك لفظت بالطلاق، فهذا لا ينفع ولا يكون طلاقا. لا بد أن يكون جازما بأنه طلق، وأما هذه الوسوسة فلا تقبل. إلا إذا كان ليس بموسوس وأقر على نفسه أنه طلق، فإنه يقبل هذا الإقرار. فيقال له مثلا: «هل طلقت امرأتك؟» فيقول: «نعم طلقتها». هذا إقرار لأنه طلق، فهذا يقبل. وأما الوسوسة فيأتيه الشيطان ويقول له: «هل طلقت امرأتك؟» فيقول: «طلقت»، أحيانا يقول: «ما طلقت». فهل هذا الإقرار يقبل؟ لا، إذا كان عن وسوسة لا يقبل؛ لأنه من فعل الشيطان. قال النبي عليه الصلاة والسلام للذي أقر على نفسه: «أبيك جنون». يريد أن يستدل أن المجنون لا يقبل كلامه ولا يقبل ما أقر. والوسوسة نوع من الجنون، لهذا فالمجنون إذا أقر لا يقبل إقراره. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لما عز أبيك جنون». فاستدل بهذا العلماء على أن المجنون لا يقبل إقراره إذا أقر على شيء، فإنه لا يقبل، خاصة مثل هذه الجنايات. بل كل ألفاظه لا تقبل؛ لأنه ليس بعاقل، ويهذي بالكلام، يأتي بكلام ليس صحيحا، فيقول: فعلت وهو لم يفعل، ويقول: لم أفعل وهو فعل. لهذا اتفق العلماء على أن المجنون لا يقبل إقراره. قال: «وقال علي رضي الله عنه: بقر حمزة خواصر شارفي عن شارفي». أي الإبل. قد أعطي إبلا، فبقر حمزة خواصرها وشرب من دمها. قال: «فطفق النبي عليه الصلاة والسلام يلوم حمزة، فإذا حمزة قد ثمل، محمرة». ثمل: معنى أنه شرب الخمر حتى لا يدري ما يقول. ثمل من شرب الخمر. قال: «محمرة»: أي عيناه. ثم قال حمزة: «وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟». وهذه القصة مشهورة، ذكرها البخاري رحمه الله في صحيحه. على أن لما بقر خواصر الإبل وشرب من دمها، أي حمزة، فجاء علي رضي الله عنه يشتكي، وهذا بعدما أسلم، يشتكي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ذلك. فقال: «وأين ذهب؟» قال: «ذهب إلى مجلس كذا». فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المجلس، وكان يكلم حمزة على ذلك. فنظر حمزة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فصعد النظر وخفضه، ثم قال: «وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟» كلمة قالها لم يدري معناها. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، خرج. عرف أنه لم يكن في وعيه. أراد أن يستدل الإمام البخاري بذكر هذا على أن من طلق وهو سكران لا يقبل، لا يقبل قوله. وأيضا إذا أقر وهو سكران أيضا لا يقبل إقراره. لو جيء إليه وهو سكران وقيل له: «طلقت امرأتك؟» فقال: «نعم»، فهذا الإقرار لا يقبل. هذا الإقرار لا يقبل حتى يطلق وهو في صحوه. إذا طلق وهو في صحوه فهذا يقبل منه، أما إذا طلق أو أقر وهو سكران فإن مذهب جمهور العلماء لا يقبلون ذلك، وسيأتي إن شاء الله الكلام على ذلك. قال: «فعرف النبي عليه الصلاة والسلام أنه قد ثمل، فخرج وخرجنا معه». وقال عثمان: «ليس لمجنون ولا للسكران طلاق». وأخذ بذلك جمهور أهل العلم. أما المجنون فهو باتفاق، وحصل خلاف في السكران. قال: «وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز». المستكره: الذي أكره على الطلاق. وقال عقبة بن عامر: «لا يجوز طلاق الموسوس». وقال عطاء: «إذا بدى بالطلاق فله شرطه». أنا إذا بدى بالطلاق ليس إقرار، إنما هو قال لزوجته: «أنت طالق». فهنا يعتبر طلاق لأنه بدى بالطلاق. والموسوس ليس مجنونا أصلا، بل هو نوع الوسوسة، نوع من الجنون لكنه ليس مجنونا، بل يعقل. لهذا إذا طلق في البداءة فإنه يعتبر طلاقه صحيحا. أما إذا كان في الإقرار فإقرار الموسوس لا يقبل. وقال نافع: «طلق رجل امرأة هو البتة إن خرجت». فقال ابن عمر: «إن خرجت فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء». وهذا طلاق المعلق، طلاق سماه العلماء طلاق المعلق. يعلقه بشيء: «إن فعلت كذا فأنت طالق». فهذا يقع بشرطه، يقع بشرطه إذا فعلت هذا الذي نهى عنه، فإنه يقع الطلاق. وقال الزهري: «في من قال لامرأته: إن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثا». يسأل عما قال وعقد عليه قلبه. أين حلف بتلك اليمين؟ فإن سمى أجلا أراده وعقد عليه قلبه، أين حلف بتلك اليمين؟ جعل ذلك في نيته وأمانته. أنا إذا كان أراد اليمين فهو يمين، وإن أراد الطلاق فهو طلاق. إذا قال: «فعلت»، أو إذا قال: «إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق». لكن إذا كان بهذه الصراحة فهذا يدل على أنه أراد الطلاق. لكن لو قال: «طلاق علي إن لم أفعل كذا، طلاق علي إن لم أفعل كذا»، فهذا غالبا يريد به اليمين. وإن أراد به الطلاق وقع، كما تقدم معنا فيما سبق. وقال إبراهيم: «وكأن الإمام البخاري يمين إلى هذا، إلى ما قاله أيضا، ورجحه شيخ الإسلام». على أنه على نيته، كما تقدم معنا. إن أراد في مسألة التحريم، وهنا أيضا كذلك: إن أراد الطلاق فهو طلاق، وإن أراد يمينا فعليه الكفارة. وقال إبراهيم: «إن نوى، إن قال: لا حاجة لي فيك، نيته». وهذه مسألة الألفاظ، الألفاظ الكناية. فعند جمهور العلماء أن ألفاظ الكناية تحتاج إلى نية، تحتاج إلى نية الطلاق. لو قال مثلا: «لا حاجة لي فيك»، أو قال: «اذهبي إلى بيت أهلك»، أو غيرها من هذه الألفاظ التي ليست صريحة. وقلنا: الألفاظ الصريحة عند أحمد ومالك: الألفاظ الثلاثة: الطلاق، والسراح، والمفارقة. فارقتك، أو سرحتك، أو طلقتك. وعند الشافعي رحمه الله: الطلاق وما اشتق منه مما يكون في لغة العرب طلاقا، بخلاف الأمر والماضي. الأمر والماضي لا يعتبر به. لو قال: «قد طلقتك» وهو لم يطلق، فهذا لا يعتبر، لا يعتبر. لو قال: «طلقتك» وهو لم يطلق، فهو لا يعتبر. أو قال: «أطلقي»، فهو أيضا لا يعتبر طلاقا. قال: «وطلاق كل قوم بلسانهم». طلاق كل قوم بلسانهم: إذا كان هذا يدخل في العرف معنى، إذا كان في عرف الناس أن هذا يعتبر اللفظ طلاقا فهو طلاق. هذا قاله بعض أهل العلم في الكنايات. مثلا: «اذهبي إلى بيتك، بيت أهلك». فإن كان هذا في عرف الناس أنه طلاق، فيعتبر طلاقا. وأكثر العلماء يدخلون النية في ذلك: إن أراد طلاقا فهو طلاق. كنايات، سوى كانت الكنايات الظاهرة أو الخفية. وقد ذكرنا ذلك بما سبق في الدروس. قاله: «طلاق كل قوم بلسانهم». وقال قتادة: «إذا قال: إذا حملت فأنت طالق ثلاثا، يغشاه عند كل قهر مرة، فإن استبان حملها فقد بانت». أنا إذا قال: «إذا حملت فأنت طالق ثلاثا»، يقول: أنه إذا تبين حملها فإنها تعتبر طالقا بائنا. وهذا على قول الجمهور أن الثلاث معتبر. وقال الحسن: «إذا قال لها: الحقي بأهلك، نيته». نيته: معناه يحتاج إلى نية لأنها كناية. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «الطلاق من وطر، والعتاق ما أريد به وجه الله». وهذا أخذ به جمهور العلماء. فقال: «الطلاق عن وطر، والعتاق ما أريد به وجه الله». وقوله: «عن وطر» معناه: أراد بذلك أن الطلاق يقع، سوى كان بنية أو ليس بنية. وهذا إذا كان طلاقا صحيحا أو صريحا. إذا كان طلاقا صريحا فهو يعتبر طلاقا؛ لأن الإنسان لا يطلق إلا وهو معناه قد لا يريد هذه المرأة فيطلقها. فالطلاق عن وطر، والعتاق ما أريد به وجه الله. وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله. وقال الزهري: «قال: ما أنت امرأة، نيته». معناه أيضا احتاج لنية. إذا قال: «ما أنت امرأة»، فهذه من كنيات الظاهر. قال: «وإن نوى طلاقا فهو ما نوى». وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «لم تعلم أن القلم رفع عن ثلاث». وهذه تعليق التي يجزم بها البخاري، الذي قرره أكثر العلماء أنها يجزم بها وأنها صحيحة، وغالبها بل لعله لا يوجد إلا الشيء القليل من هذه الآثار أنها صحيحة، التي علق وجزم بها، واختلف في بعضها وهي قليل جدا. وقال علي بن أبي طالب: «لم تعلم أن القلم رفع عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ». أي هؤلاء لا يؤخذ بطلاقهم، سواء كان مجنونا أو صبيا أو نائما. لو مثلا تكلم وهو نائم لا يؤخذ بكلامه ولا يعتبر. وقال علي رضي الله عنه: «وهذا الحديث، وهذا الذي قاله علي، أيضا قد جاء مرفوعا من طريق علي، من طريق عائشة وغيرها، عن النبي عليه الصلاة والسلام». وقال علي رضي الله عنه: «وكل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه». المعتوه: المجنون، أو الذي لا يعقل. أن المعتوه قد يقال للمجنون معتوه، قد يقال أيضا للأحمق الذي لا يدري ما يقول ويتصرف كتصرف الصبيان، فهذا معتوه. فطلاقه أيضا لا يقع. فإذا كان معتوها وطلق امرأته فلا يعتبر طلاقه. وقال قتادة: «إذا طلق في نفسي فليس بشيء». أنا يحتاج للتلفظ، ولا بد. وهذا إجماع جميع العلماء، أنا بإجماع العلماء أنه لا بد من التلفظ بالطلاق. لو نواه في نيته، لو قال في نيته: «طلقت امرأتي»، لكن لم يتلفظ به، فإنه لا يقع الطلاق. لكن لو قال في نفسه، ثم تلفظ بهذا الذي في نفسه، ولو كان وحده، إلا إن كان موسوسا. إن كان موسوسا ويوسوس في كلامه، فهذا لا يقبل منه. وأما إن كان صحيحا، فيقول مثلا: كان يفكر لأجل ما يحمله في نفسه من أمور، ثم قال: «طلقت امرأتي». فهنا يعتبر هذا اللفظ، ولو قاله لوحده، فهذا يعتبر طلاقا صحيحا. ثم ذكر الإمام البخاري بعض الأحاديث، إن شاء الله تعالى نذكرها في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.