الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 12، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل تحريم لبس الحرير على الرجال واستثناء النساء، حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن لبس الحرير وأباحه للنساء. يبين الفصل الأدلة النبوية على هذا التحريم والاستثناء.
يتناول هذا الفصل الرد على الرافضة الذين يستدلون بحديث إرسال النبي صلى الله عليه وسلم بحلة إلى عمر للطعن فيه، كما يوضح جواز إعطاء ما يحرم لبسه والانتفاع بثمنه، وجواز إهداء الحرير للكافر.
يشرح هذا الفصل تحريم شتم الوالدين والتسبب في ذلك، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وجعله من الكبائر، مؤكداً على أهمية بر الوالدين واجتناب ما يؤدي إلى شتمهما.
يؤكد هذا الفصل على أهمية سؤال التلميذ لشيخه عند مواجهة إشكال ما، مستشهدا بسؤال الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام عن كيفية شتم الرجل لوالديه، ويبين ضرورة استفسار الطالب من شيخه لتوضيح الأمور الغامضة.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق، ومن سيدنا نبينا محمد مع الأهل وصحب أجمعين. المبادئ فقطنا بالأمس عند حديث عن عمر حين رأى عمر رضي الله تعالى عنه حلة تباع، قال: يا رسول الله، ابتع هذه، ألبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفود. قال: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له». فأتى النبي صلى الله عليه وسلم منها بحلل، وأرسل إلى عمر بحلة، فقال: كيف ألبسها وقد كنت فيها ما قلت؟ قال: إني لم أعطيكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو تكسوها. فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم. وهذا الحديث في أن عمر رضي الله تعالى عنه كما سمعنا رأى حلة سيارة، والحلة السيارة هي التي يخلطها الحرير، نوع من البرود لخلطها الحرير. والحلة في اللغة لا تكون إلا من ثوبين، والغالب أنها إزار ورداء، يقال: حلة. فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: «ابتع هذه»، يعني اشترها، وموضع أنه يشتريها يلبسها يوم الجمعة وإذا جاءت الوفود. أفاد العلم بذلك على أنه يستحب التزين بلبس أحسن الثياب في يوم الجمعة، وكذا إذا جاء الوفود، يعني من يأتي من الزائرين، فإنه يستقبلهم بأحسن الثياب. وكذا يلبس أحسن الثياب في الأعياد. فقال: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له»، يعني أن ثياب الحرير إنما يلبسها من لا خلاق له. قيل: من لا خلاق له، أي لا نصيب له، وهو الكافر. وقيل: من لا خلاق له، أي من لا دين له، أو كذلك أيضا من لا حرمة له. وهذا يشمل المسلم والكافر. واستدل العلم بذلك على تحريم الحرير على الرجال، وأنه يحل للنساء، كما جاء في بعض روايات هذا الحديث. حين أرسل له النبي صلى الله عليه وسلم بحلة، فقال: كيف ألبسها وقد قلت ما قلت؟ فقال: إني لم أعطيكها لتلبسها، ولكن شققها كمرا، يعني بين النساء. فالحرير يجوز للنساء، ويحرم على الرجال. قال: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له». قال: فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم منها بحلل، يعني أعطى النبي صلى الله عليه وسلم حللا من حرير؛ لأنه جاء في بعض الروايات من استبرق، وفي بعضها من ديباج أو حرير، في رواية من سندس، كلها بمعنى الحرير. لذا رجح الإمام النووي رحمه الله أن المراد بها الحرير الخالص، فهذا هو المحرم. أما يسير الحرير إذا كان قليلا قدر أربع أصابع فما دون، فهذا يجوز كما جاء عن عمر الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص فيه قدر أربع أصابع. قال: فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بحلة إلى عمر، فقال: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟ يعني أنك قلت ما لا يلبسها إلا من لا خلاق له. فقال: إني لم أعطيكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو تكسوها، يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل بها إلى عمر لا لكي يلبسها، وإنما يعطيها من ينتفع بها أو ينتفع بها ببيعها والانتفاع بثمنها، أو يعطيها من يحل له لبسها وهم النساء. والرافضة -قبحهم الله- يستدلون بهذا الحديث في الطعن على عمر رضي الله تعالى، فيقولون: النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحلة: «إنه يلبسها من لا خلاق له»، ثم أرسل بها إلى عمر، إذن فعمر ممن لا خلاق له. هكذا يقولون -قبحهم الله-، وهذا باطل. فماذا يقولون فيما جاء في بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل بحلة إلى علي؟ هل يقولون كذلك لأنه لا خلاق له؟ لكن هكذا يفعل أهل البدع والضلال. ونبي عليه الصلاة والسلام إنما أعطاه إياها، فبين له أنه يبيعها فينتفع بثمنها، أو يكسوها من يلبسها. وهذا فيه دلالة على جواز إعطاء أو الانتفاع بما يحرم لبسه كالحرير مثلا، والذهب يجوز أن تهدي للرجل ذهبا، تعطيه الصياغة من ذهب أو السلسلة من ذهب، لكن ما يعني ذلك أنه يلبسه، لا ينتفع به، إما أن يبيعه وينتفع بثمنه أو يعطيه من يلبسه من النساء، فهذا جائز. وجاء في بعض الروايات أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث بحلة لعمر، وبحلة لعلي، وبحلة لأسامة رضي الله تعالى عنهم، بعث لكل واحد منهم بحلة. فمنهم من لبسها، ظن أنه يجوز أن يستعملها، فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وبين له أنه إنما أعطاه إياها لينتفع بها بغير ذلك، إما أن يبيعها كما قال للنساء لعمر: «تبيعها»، وينتفع بثمنها، أو تكسوها، يعني يعطيها من يلبسها كما قال لعلي رضي الله تعالى عنه: «تشطفها خمرا بين الفواطم». قال: فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم، أي أرسل بهذه الحلة إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم. وهذا فيه جواز صلة القريب الكافر، جواز صلة القريب الكافر، وكذلك أيضا جواز الإحسان إليهم بدفع الهدية، فلا بأس بذلك. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل بعض الهدايا من الكفار، وقد قبل عليه الصلاة والسلام بُغَة أرسلها إليه المقوقس، وكذلك قبل هدية من ملك الروم، ونحو ذلك من بعض الهدايا التي قبلها النبي عليه الصلاة والسلام، ورد بعضها، فينظر في ذلك المصلحة، إن كان في قبولها مصلحة التأليف له للإسلام فيقبلها، وإن كانت المصلحة في ردها فإنه يردها. وهل في هذا الحديث جواز لبس الحرير للكافر؟ فعمر أرسل بها إلى أخ له من أهل مكة. الجواب: أنه لا يجوز كذلك للكافر أن يلبس الحرير، وذلك لأن الكافر -على الصحيح- مخاطب بفروع الشريعة، فالواجبات التي أمر بها الشرع، والنواهي التي نهى عنها، فإن الكافر مخاطب بها. ويدل عليه قول الله عز وجل: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، فبين الله جل وعلا أنهم مما أدخلهم النار وعذبهم ترك الواجبات التي أمر بها ربنا سبحانه وتعالى كالصلاة ونحوها، فدل على أنهم مأمورون بما أمر الله جل وعلا به ورسوله عليه الصلاة والسلام. فلهذا لا يجوز للكافر أن يلبس ما هو محرم على أهل الإسلام. وإنما بعث بها عمر له لينتفع بها كما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لعمر وعلي وأسامة، وليس معنى ذلك أن يجوز لهم أن يلبسوها، وإنما مراد به الانتفاع بها بوجه ما لا يخالف الشرع. قال: باب لا يسب والدي. قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، قال: حدثني سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من الكبائر أن يشتم الرجل والديه». قالوا: كيف يشتم؟ قال: «يشتم الرجل أباه، فيشتم أباه وأمه». والحديث صحيح، وفي الصحيحين. فيه أن من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: كيف يشتم الرجل والديه؟ استغرب الصحابة رضي الله تعالى عنهم من هذا الأمر، من الذي يتجرأ على أن يقابل والديه بالسب والشتم؛ لأن هذا مما يخالف الفطر السليمة والمستقيمة. فقالوا: كيف يشتم؟ قال: «يشتم الرجل فيشتم أباه وأمه»، يعني يتسبب في سب أبي الرجل، فيأتي فيسب أباه وأمه، فيكون كأنه سب أباه وأمه. فدل هذا الحديث على أن التسبب في شتم الوالدين من الكبائر. ولهذا في الحديث الذي بعده، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا مخلد، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: سمعت محمد بن الحارث، عن سفيان -يزعم أن عراك بن عياض أخبره- أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: «من الكبائر عند الله تعالى أن يستسب الرجل لوالده». والحديث حسن، حسنه الألباني يرحمه الله. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر أن يستسب الرجل لوالده، يعني يتسبب في لعن والديه، كما في حديث عبد الله بن عمر: «يشتم الرجل فيشتم أباه وأمه». فإذا تسبب في شتم أبيه وأمه كان ذلك من الكبائر. فدل ذلك على أن مباشرة الوالدين بالسب والشتم أعظم؛ إذا كان التسبب في شتمهما من الكبائر، فمقابلة مباشرة السب أعظم إثما. واستدل أهل العلم بهذا على أن من الكبائر التسبب في شتم الوالدين، تسب الرجل أباه أو أمه، فيأتي فيسب أباك أو أمك، تكون كأنك سببت أباك أو أمك، وقعت في كبيرة من كبائر الذنوب. واستدل بهذا الحديث على قاعدة سد الذرائع، وهو المنع من الأمر الذي يترتب عليه ما هو أعظم منه. فلما كان شتم الرجل للرجل أن يسب الرجل أبا الرجل أو أمه سببا في شتم أبيه وأمه، منع من ذلك سدا للذريعة. وهذه قاعدة معتبرة لها أدلة كثيرة. وقد ساق الإمام ابن القيم رحمه الله في «أعلام الموقعين» قرابة مئة دليل على إثبات هذه القاعدة وعلى صحة قاعدة سد الذرائع. والأصل فيها قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فالله جل وعلا نهى عن سب آلهة المشركين مع أن في ذلك مصلحة، لما كان يترتب على ذلك أن يتجرءوا على سب الله سبحانه وتعالى، فقمع المفاسد أولى من جلب المصالح. وهذا من باب سد الذريعة. ولهذا سد الله تعالى بهذا على مسائل كثيرة، منها تحريم بيع ما هو مباح لمن يستخدمه في الحرام، تحريم مثلا بيع العنب لمن يتخذه خمرا، أو بيع السلاح لمن يقتل به ويعتدي به على الناس، وغير ذلك من المسائل الكثيرة. وكذلك أيضا سد الله تعالى بهذا على العمل بالغالب بالأمر الأغلب، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام استدل بذلك أن من سب أب الرجل فالغالب أنه يقابله بسب أبيه، فينهى عن ذلك سدا لهذا الباب. وكذلك أيضا فيه سؤال التلميذ لشيخه فيما أشكل عليه، وذلك لقول الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: «كيف يشتم الرجل والديه؟» لما قال: «من الكبائر أن يشتم الرجل والديه»، قالوا: «كيف يشتم؟» أرادوا أن يستفصلوا ويتفهموا، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام. وكذا كذلك يفعل الطالب مع شيخه إذا أشكل عليه شيء، فإنه يسأله حتى يبين له.