التعليقات على كتاب الأدب المفرد 162

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 162، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فوائد من قصة الرجل الذي أوصى مولاه بابنه وتأثير الوصية

يتحدث عن قصة رجل أوصى مولاه بابنه بعد وفاته، وتنفيذ المولى للوصية بإحسان تربية الابن. يستخلص فوائد من القصة، منها اهتمام الرجل بولده وأهمية تنفيذ الوصية.

أهمية الغيرة المحمودة على العرض والأهل

يروي قصة تلميذ تلقى وصية بالتقوى والصبر، وعند عودته وجد رجلاً بجانب زوجته فتراجع عن قتله تذكراً للوصية. يبين أهمية الغيرة المحمودة ونقل أقوال الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم.

فضل العلم وتأثيره في ضبط النفس ومنع الشرور

يروي قصة رجل غضب لرؤية منكر فتذكر وصية بالتأني فتراجع عن القتل، واستفاد درسا في أهمية العلم في ضبط النفس. كما أشار إلى جواز المعانقة والمصافحة.

ختام الدرس والإشارة إلى الدرس اللاحق

يتم ختام الدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس لاحق، مع الدعاء بالتوفيق من الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا في درس الماضي في كتاب الأدم المفرد للإمام البخاري رحمه الله، في الأثر الذي ذكره عن الحسن البصري رحمه الله، في قصة الرجل الذي توفي وترك ابنه مولى له، فأوصى هذا المولى بابنه، فأحسن إليه، ثم لما بلغ زوجه، ثم جهزه لطلب العلم. ولما ذهب لطلب العلم، قاله شيخه: إذا أردت أن تسافر فأعلمني، فلما عزم السفر أعلمه وأوصاه بتلك الوصية أن يتق الله ويصبر ولا يستعجل. فلما أتى أهله وجد امرأته نائمة وبجانبها رجل بعيد منها شيئا، فلما رأى ذلك المنظر ذهب إلى راحلته ليأخذ سيفه، فقال: ما أنتظر؟ فأما ذهب إلى راحلته ذكر وصية شيخه، فتأنى ثم رجع. فلما رأى ذلك المنظر ذهب مرة أخرى إلى رحله ليأخذ السيف، فتذكر وصية الشيخ، حتى استيقظ هذا النائم، فإذا هو أحد أقاربه، فعانقه وقبله، ثم سأله عن رحلته وما استفاد منها، فأخبره أنه مما استفاد من رحلته أنه كان في هذه الليلة بين القيام عند رأس هذا الرجل والذهاب عند راحلته لأخذ السيف، وما منعه من ذلك إلا وصية شيخه التي أوصاه بها. فكان ما أصاب من العلم حاجزا عن ضرب رأس هذا الرجل. وفي هذا الأثر فوائد منها: اهتمام الرجل بولده، سواء كان في حياته أو بعد موته، وذلك بإحسان تربيته وإنشائه على حب العلم والإقبال على العلم والحرص عليه. وهكذا أيضا بعد موته بأن يوصي من يرى من أقاربه الصلاح والاستقامة، وأنه يقوم برعاية هذا الولد وإحسان تربيته. ولهذا لما توفي هذا الرجل وترك هذا الابن أوصى مولاه به. وهكذا أيضا في أن من أوصي بوصية فينبغي عليه أن يقوم بها حق القيام؛ لأنها تعتبر أمانة وكل بها، فينبغي عليه أن يقوم بها. فهذا المولى لما أوصي بهذا الولد فإنه لم يألوه -يعني لم يقصر في تربيته والإحسان إليه-، قال: حتى أدرك -يعني حتى بلغ- فزوجه. وهذا أيضا من تمام الإحسان؛ أنه إذا احتاج الولد إلى الزواج فإنه يزوجه ولو كان صغيرا، ما دام أنه يحتاج إلى الزواج، وذلك سببا في عفافه، فيزوج. وهكذا أيضا يدفع في طلب العلم، قال: جهزني أطلب العلم، فجهزه -يعني يعطيه ما يحتاجه لطلب العلم من مال أو زاد يتزود به في رحلته، وما يوصله إلى محل العلم-، فإن هذا من كمال الإحسان ومن تمام التربية أن يرسل به إلى أماكن العلم والجلوس بين العلماء حتى يتعلم ويرفع الجهل عن نفسه. ولما أتى هذا العالم كذلك أيضا أحسن إليه -يعني هذا العالم والشيخ أحسن إلى هذا التلميذ-، وكذلك أيضا نصح له. وهكذا ينبغي أن يكون الشيخ مع تلميذه أن يكون ناصحا له وأن يحسن تعليمه. فلهذا قال له: إذا أردت أن تنطلق فأعلمني وأخبرني فقل لي أعلمك. وهذا من حرصه على هذا التلميذ أن يعلمه وأن يوصيه حتى عند سفره. ولما حضره السفر أتى إليه فقال له: أعلمني. وهذا أيضا حرص من التلميذ على العلم؛ إذا كان العالم حريصا فينبغي كذلك أن يكون التلميذ حريصا على العلم وأن يحرص على الاستفادة منه، وكذلك الانتفاع بوصاياه وإرشاداته. فقال: اتق الله واصبر ولا تستعجل. هذه وصية هذا الشيخ لهذا التلميذ: اتق الله واصبر ولا تستعجل. قال الحسن: في هذا الخير كله كلمات يسيرة، وهي تحمل معاني عظيمة. اتق الله أوصاه بتقوى الله سبحانه وتعالى التي تشمل على فعل الأوامر واجتناب النواهي. وهكذا أوصاه بالصبر، وهو كذلك يشمل جميع أنواع الصبر: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله. قال: ولا تستعجل -يعني كن متأنيا ولا تستعجل في الأمور-. فلما جاء أهله نزل عن راحلته، قال: فلما نزل الدار إذا هو برجل نائم متراخ عن المرأة، وإذا امرأته نائمة. ولعل هذا كان في وقت متأخر من الليل. ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يطرق الرجل أهله ليلا، كما جاء في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه. وإنما كان يأتيهم في الضحى -يعني في النهار-. والحكم في ذلك كما جاء في بعض الروايات؛ فإنه لعله ينظر إلى ما يكره، وحتى أيضا لا يسوء الظن بأهله، كما حصل لهذا الرجل لما أتاهم في مثل هذا الوقت أساء بهم الظن عندما رأى هذا الرجل الذي نائم بجانبها، حتى أراد أن يقتله وعزم على سفح دمه غيرة، لكنه تذكر وصية شيخه. فعلمنا من ذلك أنه يكره أن يقدم الرجل على أهله إلا أن يكون معهم خبر فلا بأس، وإلا فالأفضل أنه إذا أتاهم يأتيهم في النهار -يعني إذا قدم من سفر-. فلما رأى هذا المنظر قال: ما أنتظروا بهذا شيئا، فرجع إلى راحلته. فلما أراد أن يأخذ سيفه ذكره -يعني ذكره وصية شيخه-: اتق الله واصبر ولا تستعجل. وفي هذا بيان ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الغيرة على عرضه؛ فإن هذه من الغيرة المحمودة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم أن يغار على عرضه وعلى أهله أن يمسهم أحد بسوء. والذي لا يغار على أهله فهو الديوس الذي يرضى بالخبث في أهله، فهذا من الدياثة. لكن المسلم يكون غيورا. قال سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه حين أخبر بأمر النبي عليه الصلاة والسلام: أنه مر رجلا عند امرأة أو أهله، فإنه لا بد أن يأتي بأربعة شهود، فقال: يا رسول الله، هل أنتظر حتى آتي بأربعة شهود؟ والله لأضربنه بالسيف غير المصفح -يعني الأقتل هذا الرجل- ما أنتظر حتى آتي بالشهود. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتعجبون من غيرة سعد؟ فالله إني لأغير منه، والله أغير مني. إني لأغير منه، والله أغير مني. فهذه غيرة محمودة. فلهذا غار هذا الرجل على أهله لما رأى هذا المنظر، فأراد أن يذهب ويأتي بالسيف، فتذكر هذه الوصية فتأنى. وهذا أيضا يستفاد منه أن الشريص ينبغي أن لا يستعجل، وأن يتأنى في أموره إذا رأى أمرا يرى منه ما يكره، فعليه أن يتأنى ويتثبت، فربما يكون الأمر على خلاف ما يرى حتى يتيقن الأمر. فذهب إلى سيفه فلما ذكر الأثر رجع. فلما استيقظ الرجل قال: رآه وثب إليه فعانقه وقبله -يعني أن هذا الرجل من أقاربه من أقارب المرأة، ليس برجل أجنبي-، علم ذلك لما رآه استيقظ فعانقه وقبله. وفي هذا جواز المعانقة وتقبيل القادم من السفر، وهذه سنة ثابتة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. كما قال أنس رضي الله عنه: كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إذا تقابلوا تصافحوا، وإذا قدم أحدهم من سفر تعانقوا، رواه الطبراني وهو صحيح. وجاء أيضا مثله عن الشعبي، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا التقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر عانق بعضهم بعضا. فهذه السنة تكون عند القدوم من السفر -يعني المعانقة وتقبيل القادم من السفر-. أما المصافحة أو في الحضر لا يكون هناك معانقة، هذا خلاف السنة. لا يعانق الرجل الآخر إلا إذا قدم من السفر، أما إن لم يكن هناك سفر فلا يعانقه. ومن ذلك ما قد يخطئ فيه البعض بأنه إذا تزوج شخص ربما يأتي صاحبه فيعانقه، وهذا خلاف السنة. إنما يصافحه ويهنيه، المعانقة لا تكون إلا من قدوم من السفر. قال: فقبل وسأله، قال: ما أصبت بعد؟ قال: أصبت والله بعدك خيرا كثيرا -يعني في رحلته لطلب العلم-، أخبره أنه أصاب خيرا كثيرا، وهذا مما يتحصل به طالب العلم إذا رحل في طلب العلم فإنه ينتفع بمنافع كثيرة. قال: مما استفاد، قال: أصبت والله بعدك أني مشيت الليلة بين السيف وبين رأسك ثلاث مرات، فحجزني ما أصبت من العلم عن قتلك. هذه أعظم فائدة استفادها: أن ما أصابه من العلم كان حاجزا ومانعا من تعجله وتسرعه في القتل. قال: فحجزني ما أصبت من العلم عن قتلك. وبهذا يعلم أن العلم حاجز عظيم عن الشر، حاجز عظيم عن وقوع الشر، ومن ذلك القتل وسفك الدماء. ولهذا تجد ربما من يفعل ذلك -أي من الاعتداء على المسلمين أو من كان معصوما معصوما الدم- الغالب أنه من الجهلة الذين يجهلون عظمة هذا الأمر وخطورة سفك الدماء، أو ممن ينتسب العلم وهو كذلك من الضلال ممن شعشعت في رأسه الشبه، كحال الخوارج والتكفيريين ونحوهم الذين يرفعون السلاح على المسلمين ويسفكون دماءهم. فهؤلاء في الحقيقة كذلك جهلة، ما علموا عظم هذا الأمر. وإلا لو تعلموا العلم الشرعي وفهموه بفهمه الصحيح لكان ذلك مانعا لهم من الاعتداء على دماء الآخرين؛ فإن العلم مانع وحاجز عظيم من حصول الشرور والاعتداء على من كان معصوما. نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في درس قادم. والله تعالى أعلم.