شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 11

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 11، ألقاها

أفعال النبي ودلالتها الشرعية

اختلف العلماء في دلالة أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة فيما يتعلق بالإشارة والكتابة والترك. الكتابة تعتبر حجة ملزمة بإجماع العلماء.

الإقرار وحجيته في التشريع

الإقرار هو عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ما، ويعتبر حجة إذا توفرت شروط معينة. يدل الإقرار على الإباحة في الأصل وقد يدل على الاستحباب أو الوجوب في حالات معينة.

تفاصيل الإقرار وآثاره

الإقرار يدل على الإباحة إذا لم يصاحبه نهي أو تحريم، وقد يحتاج الدليل الإضافي لإثبات الاستحباب. ينتهي الإقرار بموت النبي عليه الصلاة والسلام ولا يعتبر بعد وفاته.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، مما يتعلق ذلك بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام، هناك ثلاثة أمور اختلف فيها أهل العلم: هل تلحق في باب الأفعال أم لا؟ وهي الإشارة، والكتابة، وكذلك الأمر الثالث وهو الترك. الإشارة هي أن يشير الإنسان بفعل شيء يدل على طلب الفعل، ويتبين منه المراد، كإشارة النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، ثم ضم أصبعيه السبابة والوسطى. وقوله عليه الصلاة والسلام: «الشهر هكذا وهكذا»، ثم ضم أصبعه الإبهام، يعني تارة ثلاثين وتارة تسعة وعشرين. فهل هذه الإشارة تلحق بأفعاله عليه الصلاة والسلام؟ ويكون هذا بمنزلة الفعل؟ قال بذلك جماعة من أهل الأصول. كذلك أيضاً الكتابة، كتابة النبي عليه الصلاة والسلام، هل تلحق بالفعل أو تلحق بالقول؟ أيضاً اختلف أهل الأصول في ذلك. من ألحقها بالقول قال: لأن الكتابة هي عبارة عما يقوله المتكلم، فلما يكتب الكتابة هو تعبير عما يتكلم به، قالوا: فتكون ملحقة بالأقوال. وقال آخرون: بل الكتابة تلحق بالأفعال؛ لأنها عبارة عن إحضار للورق وللحبر، فهذه أفعال. وعلى كل، فهم مجمعون ومتفقون على أن الكتابة حجة، أنها حجة وملزمة. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما كتب إلى الملوك -كتب إلى هرقل والمقوقس والنجاشي وكسرى وقيصر وغيرهم- كانت هذه الكتابة حجة عليهم وملزمون بما فيها. كذلك أيضاً الترك، ترك النبي عليه الصلاة والسلام لفعل الشيء، هل يكون ذلك ملحقاً بالأفعال؟ وخاصة في باب العبادات. والصحيح كذلك أنه يلحق بالأفعال، فما ترك النبي عليه الصلاة والسلام فعله مما هو من باب العبادات، فإنه يلزم تركه. ومما يدل على أن الترك فعل قول الله جل وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، كانوا لا يتناهون يعني تركوا التناهي عن المنكر والإثم، وسمى الله عز وجل هذا الترك فعلاً؛ لبئس ما كانوا يفعلون يعني تركهم التناهي، فدل على أن الترك فعل. وكذلك ما ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يرتجزون مع النبي عليه الصلاة والسلام وهم يعملون، فقالوا: «لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ لَذَاكَ مِنَ الْعَمَلِ الْمُضَلَّلِ»، ما هو القعود وترك العمل سموه عملاً، فدل على أن الترك فعل. إذن ما تركه النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يترك. فمثلاً لما حج النبي عليه الصلاة والسلام ورمى الجمار في أيام التشريق، رمى الجمرة الصغرى ثم وقف يدعو، ثم رمى الوسطى ووقف يدعو، ثم رمى الكبرى فانطلق وترك الدعاء، هذا الترك الآن يعتبر عبادة ويقتدى به. قال: «وَمَا أَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ مِنَا الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْإِبَاحَةِ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَقَرَّهُ». الإقرار أن يحدث شيء من قول أو فعل ثم لا ينكر، فيكون عدم الإنكار دالاً على أن النبي عليه الصلاة والسلام مقراً له. وهذا قيده العلماء بثلاثة شروط لإقرار النبي عليه الصلاة والسلام. الشرط الأول: أن يحدث هذا الأمر في حياته عليه الصلاة والسلام، أن يحدث هذا الأمر في حياته، يتكلم الصحابي بقول أو يقع فعل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. أما بعد موته فهو لا يعلم به، بعد موته قد انقطع الوحي وانقطع التشريع. الشرط الثاني: أن يعلم به النبي عليه الصلاة والسلام. الشرط الثالث: أن لا ينكره، أما إن أنكره فلا يكون حجة ولا يكون النبي عليه الصلاة والسلام مقراً لهذا الفعل، فلا يلحق به ولا يقال قد أجازه النبي عليه الصلاة والسلام. إذا توفرت هذه الثلاثة الشروط كان هذا الإقرار ملزماً. لكن هل يدل على الإباحة أو يدل على الاستحباب أو الوجوب؟ الأصل في الإقرار أنه يدل على الإباحة، فما أقر النبي عليه الصلاة والسلام مما يعني وقع في زمنه وفي حياته ولم ينكره، دل ذلك على إباحته. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ومن ذلك مثلاً إقرار النبي عليه الصلاة والسلام للرجل الذي كان يختم صلاته بسورة الإخلاص، كان يقرأ في الصلاة في كل ركعة يختم بسورة الإخلاص، سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، قال: «أخبروه لما يفعل ذلك؟»، فقال: «لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أخبروه أن الله يحبه». الحديث فختم القراءة في الصلاة بسورة الإخلاص لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك أقر هذا الصحابي على هذا الفعل، فهذا يدل على الإباحة. كذلك أيضاً إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة حين كانوا يلعبون في المسجد في يوم العيد، فأقره على ذلك، هل يدل هذا على استحباب فعل مثل ذلك؟ الجواب: لا، إنما يدل على الإباحة. كذلك أكل الضب في مائدة النبي عليه الصلاة والسلام حين قرب إليه، فلما أخبر أنه ضب رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده عافه؛ لأنه لم يكن في بلده ولم يكن يعني أكله قومه، فأكله خالد بن الوليد رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ولم ينكر عليه، دل هذا على الإباحة. وأما الاستحباب فإنها تحتاج إلى دليل آخر، إذا وجد دليل يدل على الاستحباب من حث النبي عليه الصلاة والسلام من قوله أو فعله، فهنا قد يكون هذا الإقرار دالاً على الاستحباب. مثل إقرار النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بأخذ القاتل سلب المقتول، أخذ القاتل سلب المقتول يعني في الجهاد والقتال، إذا قتل المسلم الكافر له أن يأخذ سلبه يعني ما معه من عتاد وسلاح، قال بذلك أبو بكر رضي الله عنه وأقره النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أنه قال بذلك، قال: «من قتل قتيلاً له عليه بيِّنة فله سلبه»، إذن هذا يدل على أن هذا الفعل ليس فيه مجرد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، بل ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام. إقرار الله جل وعلا، متى يكون حجة؟ الجواب قال أهل العلم: إذا وقع الفعل في زمن التنزيل يعني في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينزل في ذلك وحي ولم ينزل القرآن في إنكاره، فإنه يدل على إقرار الله جل وعلا على هذا الفعل وأنه مباح. ومثل ذلك قول جابر رضي الله عنه: «كنا نعزل والقرآن ينزل، ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن»، فدل ذلك على جواز هذا الفعل. وأما بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، فإن هذا الإقرار ينتهي، ليس هناك إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام ولا إقرار من الله جل وعلا، وإنما يكون ذلك في زمن الوحي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا فعل الإنسان فعلاً ما يقال: هذا إقرار من الله له، أن الله جل وعلا يعني ما عقبه ولا فعل ولا كذا، لا، هذا الأمر لا يكون إلا في زمن التنزيل. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على