الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 38، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بتوضيح معنى أولياء الله وفضلهم، حيث يشير إلى أن ولي الله هو كل مؤمن تقي. يوضح الفرق بين الولي والنبي في الشرع والاصطلاح.
يفصل المقطع معنى الولي ويبين أن كل مؤمن تقي يعتبر وليا لله، وأن معاداته تؤذن بحرب من الله، سواء كان ذلك بسبب دينه أو ظلم في أمور الدنيا.
يفسر الحديث النبوي حول الولاية ومحبة الله، موضحا أن المقصود هو توفيق الله للعبد لاستخدام حواسه في ما يحبه الله، ويبين أهمية الفرائض والواجبات والنوافل لتحقيق درجة الولاية.
يختتم الشرح ببيان فضل أولياء الله سبحانه وتعالى، ويدعو الله أن يجعلنا منهم، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله في كتابه «الأربعين النووية»: الحديث الثامن والثلاثون، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». رواه البخاري. قال الشارح: فقه الله هذا الحديث، رواه البخاري في صحيحه بهذا اللفظ دون مسلم، فهو من أفراده عنه. ووقع في بعض روايات البخاري: «ولئن سألني لأعطينه»، وكذا «ولئن استعاذني لأعيذنه»، وزاد في آخره: «وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته». هذا الحديث حديث عظيم. قال الإمام رجب رحمه الله: قيل في هذا الحديث إنه أشرف حديث روي في ذكر الأولياء، في بيان فضلهم وعظيم منزلتهم عند الله سبحانه وتعالى. قال: في الحديث بيان جزاء معادات أولياء الله. وولي الله شرعا هو كل مؤمن تقي. وأما اصطلاحا فهو كل مؤمن تقي غير نبي. الولي: ولي الله شرعا كل مؤمن تقي فهو ولي، كما قال الله عز وجل: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾. فذكر الله عز وجل وصف الولاية: أن الولي هو من كان مؤمنا تقيا، فهو لله ولي. هذا هو حد ولي الله في الشرع، فكل مؤمن تقي فهو ولي من أولياء الله، سواء كان غنيا أو كان فقيرا، أو كان كبيرا أو كان صغيرا، نعم، أو كان شريفا أو كان وضيعا، إذا كان مؤمنا تقيا فهو من أولياء الله سبحانه وتعالى. وليست يعني ولي الله له علامة يتميز بها عن الناس، أو لباس يختص به كما يعتقد عوام الناس من لبس عمامة كبيرة فوق رأسه، أو شالا على كتفه، أو من بني على قبره قبة، قيل: هذا ولي من أولياء الله. الولي من أولياء الله من كان مؤمنا تقيا، من كان مؤمنا تقيا. قال: أما اصطلاحا فكل مؤمن تقي غير نبي، كل مؤمن تقي غير نبي فهو ولي. هذا في الاصطلاح يعني يفرق بين الولي وبين النبي. وطبعا النبي أرفع من الولي، النبي أرفع من الولي لأن النبي يوحى إليه الله عز وجل، اختصه من بين الخلق بالوحي والأمر والنهي، بخلاف الولي فهو يعني ممن يطيع الله سبحانه وتعالى ويتقرب إليه بأنواع الطاعات والعبادات والقربات، فلا يساوي الولي النبي، خلافا لما عليه المتصوفة، فإن عند المتصوفة الولي أرفع من النبي ودون الرسول، فعنده المنازل: الرسول، ثم الولي، ثم النبي. ولهذا يقول قائلهم: مقام النبوة في برزخ فوق الرسول ودون الولي، مقام النبوة في برزخ فوق الرسول ودون الولي. وهذا باطل، بل الرسول أرفع، ثم النبي، ثم الولي. قال: ولهذا هم يعني يذكرون عن بعض غلات المتصوفة عن أوليائهم أشياء لم يفعلها الأنبياء والرسل، لم يفعلها الأنبياء والرسل، كما يقول التلمساني: «وقفنا على ساحل أو خضنا بحرا»، قال: «خضنا بحرا وقف على ساحله الأنبياء والرسل»، يريد يعني ما يفعله الأولياء من مكاشفات وأمور غيبية إلى آخر ذلك. نعم، هو بحر الكفر والزندقة في الحقيقة، هو بحر الكفر والزندقة الذي خاض فيه هؤلاء. قال: وطبعا الفرق بين الولي: ولي الله، بين الولي أو الولاية والولاية: الولاية وهي الإمارة، هي الإمارة، ولاية الحكم، يعني إمارة العامة، أو ولاية النكاح، أو ولاية مال اليتيم إلى آخره، تسمى ولاية بالكسر. وأما الولاية المراد هنا هي الفتح. قال: فالحقيقة المتعلقة بالولي نوعان: أحدهما الحقيقة الشرعية، فهو كل مؤمن تقي، فيندرج فيه الأنبياء، يعني يدخل في معنى الولاية الشرعية كل مؤمن تقي، وأول من يدخل بذلك هم الأنبياء والرسل لأنهم هم أشد الناس إيمانا وتقوى لله. قال: والآخر الحقيقة الاصطلاحية، فهو كل مؤمن تقي غير نبي، فلا يندرج فيه الأنبياء. والحديث وارد باعتبار الحقيقة الشرعية للولي، وعلى هذا بيدخل فيه الأنبياء. قال: ومعادات الولي تؤذن صاحبها بحرب من الله، لأن الله عز وجل يقول في هذا الحديث القدسي: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب». من عادى لي وليا، أي ولي من أولياء الله، سواء كان نبيا أو لم يكن نبيا، لأن «وليا» نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، أي ولي من أولياء الله، أي ولي من أولياء الله ممن هو مؤمن تقي، كما قلنا، ولو كان فقيرا، ولو كان وضيعا، ولو كان مدفوعا على الأبواب، كما قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث أغبر مدفوع على الأبواب لو أقسم على الله لأبره»، يعني أي ولي من أولياء الله ممن هو مؤمن تقي، فإن الله عز وجل يؤذنه بالحرب، يعني يعلمه بالمحاربة. قال: ومعادات الولي تؤذن صاحبها بحرب من الله. ومحل ذلك شيئان: الأول أن يعاديه لأجل دينه، أن يعاديه لأجل دينه، كونه صالحا مستقيما محافظا على الواجبات مجتنبا للمحرمات، فيكره ويبغضه لأجل ذلك، هو يترك المعاملات المحرمة في البيوع وغيرها، فيعاديه لأجل هذا، لأجل استقامته، ولأجل يعني حرصه على فعل الطاعات والمحافظة عليها إلى آخر ذلك. فهذا أحد أسباب حرب الله عز وجل لمن عادى أولياءه: أن تكون المعادة لأجل الدين. قال: والآخر أن يعاديه لأجل الدنيا مع ظلمه والتعدي عليه، مع ظلمه والتعدي عليه، يعني يكون بينه وبينه شيء من أمور الدنيا: مخاصمة في أرض، أو مخاصمة في دين، أو مخاصمة في إرث إلى آخر ذلك، فيعاديه ويظلمه ويتعدى عليه، إما بسب أو شتم أو طعن أو يعني اتهام بغير حق، أو ربما بالتعدي بالضرب إلى آخره، أو بالسجن ظلما وبغيا. فهذا يكون كذلك من موجبات حرب الله عز وجل لمن آذى أولياءه. قال: فإذن الأمران هما المتوعد عليهما بمعادات الله له. أما إذا عاداه لأجل الدنيا ما لم يظلمه ويتعد عليه، فلا يدخل في الحديث، كمن يعادي رجلا مشهورا بالصلاح لأجل منازعة على أرض، عند كل واحد منهما بينة يترافعان فيها إلى القضاء، فهذا لا يدخل في الحديث. نعم، حصل نزاع بين شخص آخر وأحدهما من أهل الصلاح والخير الذي يظن فيه أنه ولي من أولياء الله، فخاصمه الآخر يقول: «هذه الأرض لي»، وعنده البينة التي تثبت ذلك، وهو يقول: «إن الأرض هذه لي»، وعنده البينة التي تثبت ذلك، فرفع أمره إلى القضاء، حصل بينهما شيء يعني مما يحصل بين الناس مثل هذه القضايا من معاداة ونحو ذلك، هذا لا يدخل في الحديث لأن المعاداة هنا لأجل الدنيا، لأجل الدنيا، ليس فيها ظلم وبغي، ما لم يظلم أو يبغي عليه، فإذا لم يحصل ذلك فلا يدخل في الحديث. قال: وقوله في آخره: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»، الحديث معناه: أوفقه فيما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي، فلا يقع منه شيء متعلق بها إلا فيما أحبه الله ورضيه. يعني قوله: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به» إلى آخره، المعنى: هل معنى هذا أن الله يحل في العبد كما يقول أهل الحلول والاتحاد من غلات المتصوفة؟ الجواب: لا، ليس هذا المراد، هذه عقيدة كفرية باطلة، كعقيدة ابن عربي، ومن تلمساني، ومن الحلاج، ومن كان على شاكلتهم، هذه عقيدة كفرية، ليس هذا المقصود. المقصود: «كنت سمعه» يعني يوفقه في سمعه، فلا يسمع إلا ما يحبه الله ويرضاه. «كنت بصره الذي يبصر به» معناه: لا يبصر إلا ما يحبه الله ويرضاه من أمور المباحات. وهكذا يده، وهكذا قدمه، يعني يوفقه جل وعلا في جوارحه، فلا يصرف هذه الجوارح إلا فيما يحبه الله جل وعلا ويرضاه. قال: ويدل على هذا أول الحديث وآخره، فأول الحديث الله ذكر: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب»، إذن هناك ولي وعبد، وهناك رب، فكذلك في آخر الحديث قال بعد ذلك: «ولئن سألني لأعطينه»، من هو هذا الولي الذي وفقه الله في سمعه وبصره وفي جوارحه يسأل من؟ يسأل الله، إذا هناك فرق، هناك فرق بين الله وبين المخلوق، فليس في الحديث شيء من معنى الحلول والاتحاد أبدا. قال: ففي هذا الحديث فضيلة المحافظة على الفرائض والواجبات، وهكذا إتباع هذه الفرائض بالنوافل، فأهل العبادة والطاعة منهم يعني هم على قسمين: قسم يقتصر على الفرائض الواجبات فقط، هؤلاء هم المقتصدون، وهؤلاء على خير. وقسم آخر يأتون بالفرائض الواجبات وهكذا يتقربون إلى الله عز وجل بأنواع النوافل والمستحبات، وهؤلاء هم السابقون المقربون، وهذه درجتهم أعظم. فهؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل في هذا الحديث أنهم يبلغون درجة الولاية وينالون محبة الله عز وجل. قال: «وتقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، فالله عز وجل يحب من عبده أن يتقرب إليه بالفرائض والواجبات، ثم زيادة على هذا إن أراد منزلة أعظم ودرجة أكبر أن يتقرب إلى الله عز وجل بنوافل الطاعات، سواء كانت النوافل المطلقة كالرواتب الصلوات ونحوها، أو كانت نوافل مطلقة كالصلاة الضحى، الصلاة في النهار، الصلاة فيما بين الظهر والعصر، صلاة الليل. فإذا تقرب إلى الله عز وجل بنوافل وأكد أيضا النوافل بقية العبادات: نوافل الصيام، نوافل العمرة، نوافل الحج، نوافل الصدقة. فإذا تقرب إلى الله عز وجل بنوافل أحبه الله. قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، إذن الدرجة الثانية وهي درجة السابقين والمقربين إلى الله عز وجل، هؤلاء ينالون هذه الدرجة العظيمة أن ينالوا محبة الله عز وجل أو محبة الله لهم. «حتى أحبه» يعني يحبه الله، وهذا لا شك أنه فضيلة عظيمة، فضيلة عظيمة ومقصد كبير وجليل. فليس الشأن أنك تحب الله، وهذا أمر مطلوب، لكن الشأن أن يحبك الله، أن يحبك الله، أن تكون ممن يحبهم الله سبحانه وتعالى. قال: فإذا أحبك الله وفقك وسددك وأعانك في تسديد هذه الجوارح، فلا تصرف إلا فيما يحبه الله سبحانه وتعالى من أمور المباحات، أو كذلك من أمور الطاعات والقربات. كذلك أيضا من محبة الله عز وجل لهذا العبد أن الله عز وجل يستجيب له إذا سأله، أعطاه: «ولئن سألني لأعطينه»، «ولئن استعاذني لأعيذنه»، إذا استعذت بالله من شر الشيطان أو من شر المخلوق أو من أي شيء تخاف شره، أعاذك الله عز وجل منه وعصمك منه. وهذا كله من نتائج فضائل الطاعات والعبادات. فهذا الحديث العظيم في فضل أولياء الله سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم منهم. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.