الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 68، ألقاها
يناقش المقطع عبارة الطحاوي حول خروج العبد من الإيمان ويشير إلى قصورها، حيث يبين أن الخروج من الإيمان قد يكون بغير الجحود وأنواع الكفر التي تخرج من الملة.
يناقش المقطع مسألة التكفير واختلاف أهل القبلة، ويبين أن كفر الاستهزاء يدخل في الكفر وأن تقييد الكفر بالتكذيب فقط هو خطأ.
يتناول المقطع شروط دخول الإسلام ومسألة الإيمان، ويشرح اختلاف المذاهب الفقهية في تعريف الإيمان، حيث يرى الحنفية أنه الإقرار والتصديق دون العمل، بينما يرى أهل السنة أنه يشمل التصديق والقول والعمل.
الإمام البخاري يذكر أن الإيمان يشمل الإقرار والتصديق والعمل وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في عقيدة الطحاوية: «وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ». وبعدما ذكر رحمه الله أن الأمن والخوف كلاهما من ملة الإسلام، بين سبيل الحق بينهما لأهل القبلة، فأهل السنة والجماعة وأهل القبلة هم بين الخوف والرجاء. ثم قال: «وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ». والظاهر أن في هذه العبارة قصور؛ لأن الخروج من الإيمان قد يكون بغير الجحود، قد يكون بغير الجحود. وهذا إذا أراد الفعل، وإن أراد المفعول، أي ما يحكم عليه، فهذا قد تقدم. والظاهر أن العبارة ليست واضحة؛ لو أراد الحكم على الشخص متى يحكم عليه بالخروج من الإيمان، كما تقدم، ما دام أنه دخل الإسلام يقينًا، فلا يخرج إلا بيقين. لا يخرج من الإسلام إلا بيقين، لا يقال: المسلم كافر إلا بيقين أن هناك شيء أخرجه. وهذه المسألة هنا، قال: «وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ»، أي بإنكار التوحيد، إنكار الشهادة. لكن كما قلنا: إن هذا فيه قصور؛ لأنه يقصر الحكم بالكفر على الجحود، وقد جاء في الكتاب والسنة أن الكفر أيضًا يأتي بغير الجحود، يأتي بالإباء والرفض، مثل ما جاء عن الشيطان: ﴿فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. فإن كفر الشيطان ليس من باب الجحود، وإنما هو من باب الإباء والاستكبار. ولهذا جعل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب جعل من المكفرات الإعراض عن دين الله عز وجل، لا يتعلمه ولا يعمل به، أي يستكبر عن شرع الله، يستكبر عن شرع الله جل وعلا، فيرى أنه أعظم من أن يتبع الشرع، فهذا أيضًا كفر يخرج من الملة. ولهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن الكفر خمسة أنواع، الكفر خمسة أنواع، كلها يكون من أتى بها بواحد منها أخرج من دين الله، منها أيضًا كفر الاستحلال، أن يستحل بعض ما حرمه الله مما يعلم من الدين بالضرورة. أيضًا كذلك كفر الاستهزاء، أن يستهزئ بدين الله جل وعلا أو بآيات الله أو بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالسنة، فكل ذلك الاستهزاء يكفر صاحبه. وقد جاء بقول الله جل وعلا: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فهؤلاء كما جاء في حديث ابن عمر أنهم كانوا يستهزئون ويسخرون من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا يقولون: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطونا، وأجبن عند اللقاء. يريدون النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه من الصحابة، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات. فجيء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل أن يعتذروا، أو جاءوا لأجل أن يعتذروا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: «لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم». فلهذا هذا أيضًا يدخل في الكفر، كفر الاستهزاء. فلهذا كما قلنا: إن في كلام المؤلف فيه قصور، ولهذا أنكر كثير من العلماء المعاصرين، كالشيخ ابن باز والشيخ الألباني وجماعة من المشايخ، على بعض من قال: إن الكفر إنما هو كفر التكذيب فقط، إلا إن كان أراد أن أصل الكفر هو التكذيب والجحود، أصل الكفر هو التكذيب والجحود، لكن ليس أن الإنسان لا يكفر إلا به. فتعليق الكفر به هذا خطأ، لهذا كما قلنا: أنكر العلماء رسالة «التقرير لمراد شكري»، وكذلك رسالة «صيحة نذير لعلي بن حسن بن عبد الحميد»، أنكرها العلماء بسبب هذا الأمر، أنهم جعلوا الكفر إنما في الجحود فقط والإنكار والتكذيب. وهذا إن كان أراد وهو خطأ لا شك في خطأ، لكن كلامهم يدل على ذلك. لكن بعد ما اعتذروا قالوا: خاصة عليهم حسن يقول: إنه ما قصد أن هذا هو الكفر فقط، وإنما قصد أن أصله الجحود والتكذيب، لكن عبارته تدل على أنه اقتصر على أن الكفر يرجع إلى التكذيب ويرجع إلى الجحود. فالمهم أن هذا فيه قصور من ناحية تسمية الكافر. وهذه المسألة التسميات والألقاب من أعظم ما اختلف فيه أهل القبلة، أعظم مسألة اختلف فيها أهل القبلة، معنى من يصلي ويدين دين الإسلام. هذه مسألة الألقاب، خاصة الإيمان والكفر، متى يطلق الإيمان ومتى يطلق الكفر؟ فإن هذه المسألة من المسائل الصعبة التي حصل خلافها بين المسلمين. وأهل السنة كانوا مع الدليل، فهم لا يخرجون أحدًا إلا من أخرجه الكتاب والسنة، من أخرجه القرآن أخرجه الحديث أخرجوه، ومن لم يكن كذلك لا يخرجونه من دين الله، ما دام أنه دخل الإسلام بيقين فلا يخرجونه إلا بيقين. واليقين هو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ورؤية منه هذا الكفر كفرًا صراحًا عندنا فيه من الله برهان. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة: «إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان». كفرًا بواحًا، أي: واضحًا صريحًا، عندكم فيه من الله برهان، أي: دليل على أن هذا كفر واضح، وأيضًا يخرج من الملة. فهذا الباب ليس بالهين. فقال: «ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما دخله فيه». وأيضًا كذلك تجد أن هذه المسألة يذكرها دائمًا فقهاء، من ناحية من قال: بأن الصلاة كفر، إذا لم يصلي الإنسان يكفر بالله. قالوا: طيب هؤلاء احتجوا، قالوا: بماذا يدخل الإسلام؟ يدخل بالشهادتين. فأجاب الإمام أحمد رحمه الله على أنه يدخل بالشهادتين، وبما تركه من الإسلام الذي تركه، والصلاة الذي كفر به، والذي معنى كفر به، لا بد أن يأتي به، لا ينفع أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله فقط؛ لأن هذا قد كان يقولها، وإنما أخرج لأجل أنه لا يصلي، قيل بتكفيره لأنه لا يصلي. فلهذا أيضًا كذلك من جحد شيئًا في دين الله، هذا أيضًا يرد على من يقول: إنه بماذا يدخل الإسلام؟ طيب إذا جحد جحد مثلًا الصلاة أو الزكاة، هل نقول: إنه مسلم؟ لا، عند الجميع أنه كافر. لكن بماذا يدخل الإسلام؟ هل يدخل الإسلام بمجرد النطق بالشهادتين وهو لا يزال على جحوده؟ ولا يزال على إنكاره؟ رجل يقول: إن الخمر ليست حرام، وأنها حلال، وجئ له بالدليل، وكلمه الناصحون، فأصر وقال: لا أعترف إلا أنها حلال، فهذا يعتبر كافر. لكن إذا أراد أن يدخل الإسلام، هل يدخل بالشهادتين فقط؟ أم أنه يدخل بالشهادتين، وكذلك بأنه يعترف بما أنكره، يعترف بأن الخمر حرام؟ وهذا الذي أجاب به الإمام أحمد رحمه الله في هذه المسألة، فأجاب على أن من أنكر شيئًا أو كفر بشيء، فإنه لا يدخل الإسلام إلا بالشهادتين، وبما أيضًا كفر به، وبما كفر به أو جحد به، وأصر، فلابد أنه بعد ذلك يؤمن به ويصدق، وكذلك يعترف ويقر بأن هذا من دين الله جل وعلا. فهذه بعض المسائل التي في هذا الباب. والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشرع والبيان كله حق. تقدم معنا الكلام عن الإيمان بالله جل وعلا، وأن أهل السنة رحمهم الله يؤمنون بأن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، فيدخلون العمل من مسمى الإيمان. وهنا المؤلف رحمه الله قال: «والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان»، ولم يذكر العمل. وهذا على مذهب المرجع، والمؤلف هو على طريقتهم، طريقة مرجعية الفقهاء الحنفية، فهم لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان، لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان. وهذا تقصير؛ لأن الله عز وجل دائمًا يذكر الإيمان، يذكر العمل ويربط العمل بالإيمان. وكذلك أيضًا ربنا جل وعلا قال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، صلاتهم أي التي كانت يفعلونها. فالله عز وجل أيضًا ذكر سبحانه الصلاة، قال: ﴿قُل لَّا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، فقد كذبتم، فسوف يكون لزامًا دعاؤكم، أي: صلاتكم. فذكر الأعمال وذكر أنها لها أهمية عظيمة في إيمان العبد، وفي أيضًا مقامه. ولهذا اهتم الإمام البخاري رحمه الله بهذه المسألة، أي: اهتمام في كتاب الإيمان، فكان يقول: «الصلاة من الإيمان»، «والزكاة من الإيمان»، ذكر أبوابًا كثيرة وسماها أنها من الإيمان؛ لأجل يبين أن العمل من الإيمان. بل الإمام البخاري رحمه الله تعالى قال: «ذكرت في هذا الكتاب أكثر من مئتي رجل ممن أخذت عنه العلم، وكل من أخذت عنه العلم فهو يقول: بأن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح»، أن كلهم يقولون: «أن الإيمان هو قول القلب وفعل»، أو «الإيمان قول وعمل»، «الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية». فالإيمان بخاري قال: «ما كتبت عن الرجل إلا وهو يعتقد هذا الاعتقاد؛ لأنه اعتقاد أهل السنة». وإن شاء الله تعالى معنا، وقد أتينا على تعريف الإيمان، لكن إن شاء الله في درس لاحق نعيد بعض الأشياء التي تتعلق بهذا الباب. فهنا نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.