الدرس في القواعد والأصول الجامعة 23، ألقاها
القاعدة التاسعة من القواعد الجامعة تنص على الرجوع إلى العرف والعادة في الأحكام التي لم يحددها الشارع. العرف والعادة يعتبران مرجعًا عند النزاع والاختلاف.
العرف هو ما كان عليه جميع الناس، ويختلف عن العادة التي قد تكون لشخص أو جماعة. يُستخدم العرف في تحديد الأحكام الشرعية التي لم يحددها الشارع بحد معين.
الشارع قد يترك تحديد بعض الأحكام إلى العرف، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، واستدلال بحديث "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
يتم ختام الدرس بالتأكيد على الاكتفاء بما تم شرحه حتى الآن، مع توجيه الصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله في كتابه «الوصول إلى القواعد الجامعة»، القاعدة التاسعة: العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم الشارع به ولم يحده. هذه القاعدة التاسعة من القواعد الجامعة، وهو العمل بالعرف والعادة، العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم الشارع به ولم يحده. هذه القاعدة هي القاعدة الكلية الكبرى التي يعبر عنها بقولهم «العادة محكمة»، «العادة محكمة». ومعنى محكمة، أي أنها يرجع إليها عند النزاع والاختلاف، فيكون الحكم بما جرى في العرف والعادة. قال: العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم. قوله: العرف والعادة، هذا من عطف الخاص على العام، من عطف العام على الخاص. فالعادة، ماذا؟ أعم من العرف، أو نقول العرف أعم من العادة؟ إذن، هذا من عطف الخاص على العام. العرف في اللغة بمعنى السكون والطمأنينة، سمي بذلك لأن النفس تسكن إليه، فما سكنت إليه النفس واطمأن به فهو العرف. والعادة في اللغة بمعنى الديدن، أي الشيء الذي دئب واستمر عليه. وفي الاصطلاح، عرف العرف بأنه ما استقر في النفوس واستحسنته العقول، وتلقته الطباع السليم بالقبول، واستمر الناس عليه مما لا ترده الشريعة. هذا يقال له: العرف، يقال: هذا شيء تعرف عليه، يعني قبله الناس ورغبوا به وعملوا به. والعادة في الاصطلاح، عرفها القرافي رحمه الله بقوله: بأنها غلبت معنى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها. والعادة يمكن أن تكون عرفًا إذا استمرت وتكررت. لماذا قلنا: عطف العرف والعادة من عطف الخاص على العام؟ لأن العادة قد تكون عادة لشخص معين، وفرد من الأفراد، قد تكون عادة لفرد من الأفراد، بخلاف العرف، فهو عادة جميع الناس. فالعرف عام، مثلا عادة إنسان أنه ينام في الساعة العاشرة، عادته أنه ينام في الساعة العاشرة، لكن في العرف في عرف الناس أنهم ينامون الساعة، مثلا، التاسعة أو الثامنة، هذا الآن عرف عام عليه أكثر الناس أو عامة أهل البلد. لكن هذا عادته، عادة خاصة لشخص معين. طيب إذن، العرف أعم، العرف ما كان عليه جميع الناس، وأما العادة فقد تكون لشخص معين، أو كذلك أيضًا لجماعة يشتركون في فعل من الأفعال. وبعض أهل الفقه ربما يطلقون العرف على العادة، فلا يفرقون بينهما، فيقولون: العرف والعادة، ويجعلونهما بمعنى واحد. لكن الأصل كما هو في لغة العرب أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. قال: العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم الشارع به ولم يحده، إذا حكم الشارع، والمراد به الشرع، القرآن أو السنة، إذا جاء في الكتاب أو السنة حكم من الأحكام، وهذا الحكم لم يحد بحد معين، لم يحد بحد معين، فإننا نرجع في معرفة المراد في تحديده إلى العرف. نرجع إلى العرف، فيكون العرف هو الحاكم في المراد بهذا الحكم. هذا معنى قوله: يرجع إليه في كل حكم حكم الشارع به ولم يحده. وعبر عنها المؤلف رحمه الله في منظومته في القواعد الفقهية بقوله: والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد. قال رحمه الله: وهذا أصل واسع موجود منتشر في المعاملات والحقوق وغيرها. وبيان ذلك أن جميع الأحكام يحتاج كل واحد منها إلى أمرين، أحدهما معرفة حده وتفسيره، كل حكم يحتاج إلى معرفة حده وتفسيره، يعني بيانه، معناه، والحد الذي يتميز به عن غيره، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلابد من تصوره وفهمه. قال: الثاني بعد هذا، يعني بعد معرفة معناه، يحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة. فإذا وجد الشارع قد حكم عليها بإيجاب، أو استحباب، أو منع، أو إباحة. فإن كان قد حدها وفسرها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحوها، رجعنا إلى ما حده الشارع، كما رجعنا إلى ما حكم به. يعني إذا حكم بحكم، ننظر هل فسره وبينه وحده وميزه عن غيره أم لا؟ فإن كان كذلك، أخذنا بما حكم به الشارع. كالصلاة مثلًا، بيّنها الشارع في سِرِّها، وجاء في السنة بيان شروطها وأركانها واجباتها، وعرفنا ما هي الصلاة، وكيف تكون صحيحة إلى آخره. وهكذا الزكاة والصيام والحج، غير من الفرائض والواجبات. قال: وأما إذا حكم عليها الشارع ولم يحدها، يعني أمر بها، لكن لم يبين ما هو المطلوب في تحقيق هذا الواجب. قال: فإنه حكم على العباد بما يعرفونه ويعتادونه. وقد يصرح لهم بالرجوع إلى ذلك، يعني قد يصرح الشارع بالرجوع إلى العرف، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقد لا يصرح بالرجوع إلى العرف، فيأمر بالحكم، لكن لم يأمر بالرجوع إلى العرف، فنحن نرجع إلى العرف بدلالة القرائن وعموم الألفاظ، فنعلم أن المراد بتحديد هذا الحكم هو ما عرف بالعرف. فمثلًا، الرجوع إلى العرف في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أمر الله عز وجل بمعاشرة النساء بالمعروف. قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ﴾، هذا أمر بالمعاشرة، المعاشرة يعني في المعاملة، في المأكل، في المسكن، في الملبس إلى آخره. طيب كيف نعاشرهن؟ ما هو الواجب؟ ما هو حده؟ قال: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، رد ذلك إلى العرف، فنرجع في معرفة المراد لتحديد الواجب في المعاشرة إلى العرف. فينظر في العرف ما هو الواجب على الزوج تجاه زوجته، ويختلف هذا باختلاف الأشخاص واختلاف الأحوال والأزمان. فالغني ليس المعاشرة عليه أو النفقة عليه كالفقير. فالفقير يجب عليه نفقة الفقراء من أمثاله، والغني يجب عليه نفقة الأغنياء من أمثاله. مثلا في العرف أن الغني يلبس، مثلا، زوجته في السنة مرتين أو ثلاث، والفقير في السنة مرة. فهذا الفقير يلزمه أن يعني يشتري لزوجته ثوبًا في السنة مرة، وهذا الغني يلزمه أن يشتري لها في السنة ثوبين أو ثلاث على حسب العرف. وهكذا يقال في المأكل والمسكن إلى آخره. قال: وقد يدخل في ذلك المعروف شرعًا، والمعروف عقلًا، مثل قوله: «وأمر بالعرف». نعم، هذه من أدلة هذه القاعدة، قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله: «وأمر بالعرف». وهكذا في حديث عائشة في قصة امرأة بسفيان، حين قالت: «إن زوج رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه ولا يعلم»، قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». هذه من الأدلة على هذه القاعدة «العادة محكمة» أن يرجع إلى العرف والعادة عند عدم وجود التحديد في حكم من الأحكام الذي حكم به الشرع. طيب نقف هنا، إن شاء الله، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.