الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 80، ألقاها
يذكر المؤلف آثارًا وردت في تعجيل العقوبة لمن لم يعظم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل قصة الرجل الذي خسف الله به الأرض بسبب مشيته المتكبرة. كما يروي عن السلف رحمهم الله أنهم هجروا أشخاصًا استهوا بحديث النبي ولم يعظموا سنته.
يروي المقطع أن أصحاب النبي كانوا يعظمون حديثه ويوقرون سنته، ويبين ذلك من خلال مواقف السلف الصالح، مثل موقف عبد الله بن عمر عندما عارض ابنه حديث النبي.
يروي المقطع قصة رجل خالف حديث النبي عليه الصلاة والسلام وخرج بعد النداء، فوقع من راحلته وانكسرت فخذه، ويذكر الإمام الدارمي آثارًا كثيرة ثابتة في تعجيل العقوبة لمن خالف نبيه.
الحمد لله رب العالمين، فلم يعظمه ولم يوقره في هذا الباب، سيذكر رحمه الله بعض الآثار الواردة في تعجيل العقوبة من الله جل وعلا ممن بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا، فلم يعظمه ولم يوقره، أي لم يحترم حديث النبي عليه الصلاة والسلام ولم يعظمه ولم يوقره بالإيمان به والتصديق به والعمل بما فيه، بل ربما استهزأ وسخر أو كذب ولم يصدق، فمن كان حاله كذلك كان مستحقًا لتعجيل العقوبة؛ لأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام يجب تعظيمها وتوقيرها. قال رحمه الله: أخبرنا عبد الله بن صالح، وهو كاتب الليث، قال: حدثني الليث أو بن شعد، قال: حدثني ابن عجلان، عن العجلان، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يتبختر في بردين، خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. فقال له فتى: أي قال لأبي هريرة، فقال له فتى قد سماه، وهو في حلة له يا أبا هريرة، أهكذا كان يمشي ذلك الفتى الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده -أي هذا الفتى- فعثر عثرة كاد يتكسر منها، فقال أبو هريرة: للمنخرين وللفم، إنا كفيناك المستهزئين. الحديث بهذا السياق ضعيف، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل كان يتبختر في مشيته، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي -وقد كذب- قال: حدثنا هارون بن المغيرة، عن عمر بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن خراش بن جبير، قال: رأيت في المسجد فتى يخذف -والخذف هو وضع الحصى بين الأصبعين والرمي به- قال: فقال له شيخ: لا تخذف، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف. فغفل الفتى وظن أن الشيخ لا يفطن له، فخذف، فقال له الشيخ: أحدثك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخذف، ثم تخذف؟ والله لا أشهد لك جنازة، ولا أعودك في مرض، ولا أكلمك أبدًا. فقلت لصاحب لي يقال له مهاجر: انطلق إلى خراش، فاسأله، فأتاه فسأله عنه، فحدثه. والحديث بهذا السند الضعيف، ومحمد بن حميد الرازي كذاب. قال رحمه الله: أخبرنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن مغفل، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف، وقال: إنها لا تصطاد صيدًا، ولا تنكي عدوا، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين. فرفع رجل بينه وبين سعيد قرابة شيئًا من الأرض، فقال: هذه وما تكون هذه؟ قال سعيد: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تهاون به؟ لا أكلمك أبدًا. وهذا الحديث في الصحيحين، فعبد الله بن مغفل رضي الله عنه حدث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن الخذف، والخذف كما ذكرنا وضع الحصى بين أصبعين والرمي به، وقال أي النبي صلى الله عليه وسلم: إنها لا تصطاد صيدًا، ولا تنكي عدوا -يعني أن الخذف ليس فيه منفعة، فهي لا تصيد صيدًا إذا أراد الإنسان أن يصيده، ولا كذلك تنكي عدوا فتدفعه وتهزمه- وإنما تكسر السن وتفقع العين، الخذف ليس فيه إلا هذه المضرة، فهي تكسر السن ربما يخذف الإنسان فيصيب أخاه المسلم في وجهه، فيكسر سنه أو يفقع عينه. فلما حدث بهذا الحديث رفع رجل شيئًا من الأرض -أي حصى- وكأنه لا يبالي بما سمع، وقال: هذه وما تكون هذه؟ يعني هذه لماذا ينهى عنها؟ كأنه يقول: لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخذف أو الخذف بهذه الحصى؟ فقال سعيد: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تهاون به -يعني لا تعظمه ولا توقر حديث النبي عليه الصلاة والسلام ولا تبالي به- لا أكلمك أبدًا، أي هجره رحمه الله من باب الزجر والعقوبة له. قال رحمه الله: وأخبرنا عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، قال: رأى عبد الله بن مغفل رجلًا من أصحابه يخذف، فقال: لا تخذف، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن الخذف وكان يكرهه، وإنه لا ينكأ به عدو، ولا يصاد به صيد، ولكنه قد يفقأ العين ويكسر السن. ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: ألم أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عنه؟ ثم أراك تخذف؟ والله لا أكلمك أبدًا. والحديث في الصحيحين. قال: وأخبرنا مروان بن محمد، قال: حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، قال: حدث ابن سيرين رجلًا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: قال فلان كذا وكذا، فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقول قال فلان؟ لأكلمك أبدًا. وسعيد بن بشير ضعيف. وهذا الأثر وإن كان فيه ضعف، لكن معناه صحيح من حيث هجر من عارض حديث النبي عليه الصلاة والسلام ولم يعظم سنة، وهذا ثابت كثير عن السلف رحمهم الله. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها. فقال فلان ابن عبد الله -يعني أحد عبد الله بن عمر- وجاء في رواية أنه بلال- فقال: قال إذا والله أمنعها. فأقبل عليه ابن عمر، فشتمه شتيمة لم أره يشتمها لأحد قبله قط، ثم قال: وحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول إذا والله أمنعها؟ الحديث بهذا السند فيه ضعف، محمد بن كثير فيه ضعف، هو صنعاني ضعيف. لكن الحديث في الصحيحين من غير هذه الطريق، وفيه أن ابن عمر رضي الله عنه كما سمعنا حدث عن نبي عليه الصلاة والسلام بأن المرأة إذا استأذنت زوجها في الذهاب إلى المسجد فلا يمنعها، فلما سمع ذلك بلال بن عبد الله ابن عمر، قال: إذا والله أمنعها. فلما سمع ذلك منه ابن عمر ورآه يعارض حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فأقبل عليه فشتمه وأنكر عليه، ثم قال: وحدثك عن رسول الله وتقول إذا والله أمنعها؟ ولعل مراد ابن بلال ابن عبد الله ابن عمر أنه سيمنعها؛ لأنها ربما لا تلتزم بالضوابط الشرعية في الخروج من المنزل أو تتساهل أو شيء من ذلك، وربما لا يكون مقصوده معارضة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لما كان قوله هذا في الظاهر معارضة لحديث النبي عليه الصلاة والسلام عدم تعظيم وتوقير، أنكر عليه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه. وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يعظمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم غاية التعظيم، ويوقرون سنته عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن حميد، وهو الرازي كذابًا، قال: حدثنا هارون بن المغيرة، عن معروف، عن أبي المخارق، قال: ذكر عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن درهمين بدرهم، فقال فلان: ما أرى بهذا بأسًا يدا بيد. فقال عبادة: أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقول لا أرى به بأسًا؟ والله لا يظلني وإياك سقف أبدًا. والأثر بهذا السند الضعيف، وإن كان معناه صحيحًا، وهو الإنكار على من عارض حديث النبي عليه الصلاة والسلام برأيه. قال رحمه الله: وأخبرنا محمد بن يزيد الرفاعي، قال: حدثنا أبو عامر العقدي، عن زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تطرق النساء ليلًا. قال: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا، فانساق رجلان إلى أهليهما، فكلاهما وجد مع امرأته رجلًا. الحديث بهذا السند فيه ضعف، لكن الحديث صحيح. قال: وأخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن المسيب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر، نزل المعرس، ثم قال: لا تطرقوا النساء ليلة. فخرج رجلان ممن سمع مقالته، فطرقا أهليهما، فوجد كل واحد منهما مع امرأته رجلًا. وهذا مرسل. قال: وأخبرنا أبو المغيرة، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن حرملة، قال: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب يودعه بحج أو عمرة، فقال له: لا تبرح حتى تصلي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يخرج بعد النداء من المسجد إلا منافق، إلا رجل أخرجته حاجته وهو يريد الرجعة إلى المسجد. فقال: إن أصحابي بالحرة -والحرة هي حدود المدينة- فقال: فخرج. فقال: فلم يزل سعيد يولع بذكره حتى أخبر أنه وقع من راحلته فانكسرت فخذه. وهذا الأثر إلى سعيد بن المسيب حسن. فهذه عقوبة من هذا الرجل في مخالفته لحديث النبي عليه الصلاة والسلام، لما حدثه بهذا الحديث أنه لا يخرج بعد النداء إلا منافق إلا من كان له حاجة وهو يريد الرجوع، فلم يبالي هذا الرجل فخرج، فحصل ما حصل له أن وقع من راحلته فانكسرت فخذه. فهذه الآثار ذكرها الإمام الدارمي رحمه الله في هذا الباب، والآثار في هذا الباب كثيرة وثابتة في تعجيل العقوبة على من خالف نبيه عليه الصلاة والسلام وخالف حديثه ولم يعظم سنته عليه الصلاة والسلام. إلهنا صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.