شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 5

الدرس في شرح الدرة البهية في شرح القصيدة التائية 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

انتقاد الفلاسفة الملاحدة وخوضهم في القدر

ينتقد الفلاسفة الملاحدة لإنكارهم وجود الله ورسله وكتبه وخوضهم في القدر بعقولهم الفاسدة، مما يؤدي إلى ضلالهم وتخبطهم. يعتبر الخوض في القدر أحد أسباب ضلال الفلاسفة والقدرية والجبرية.

الاحتجاج بالقدر على المعاصي وآثاره السلبية

يناقش مفهوم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي وآثاره السلبية، ويبين أن هذا الاعتقاد يؤدي إلى إعفاء المجرمين من العقاب وتشجيع الفساد. يلزم هذا الاعتقاد صاحبه الدفاع عن الظالمين والكفار وتبرير أفعالهم.

بطلان الاعتذار بالقدر والعقوبات الإلهية

يبرهن على بطلان الاعتذار بالقدر عن المجرمين لأن الذنوب والمعاصي لها عواقبها، والتوبة تمحو الذنوب. يبين أن العقوبات القدرية والشرعية هي عدل الله بين عباده، وأن الله جعل أعمال العباد ترتب عليها آثارها.

أهمية الهداية والتوفيق من الله

يشرح أهمية الهداية والتوفيق من الله ويحذر من اتباع العادات والضلال. يبين خطورة الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، ويوضح أن الله لا يقبل إلا دين الإسلام وتوحيده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المخلوقين والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في شرحه على القصيدة التائية في القدر: الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: فلهذا قال الشيخ: «وإن ملاحيد الفلاسفة الأولى يقولون بالفعل القديم لعلتي، بنوا علة في الكون بعد عدامه فلم يجدوا ذاك فظلوا بظلتي». قال: يعني أن ملاحدة الفلاسفة المعطلين لله، ولكتبه، ورسله، المكذبين لهم، أوقعتهم عقولهم الفاسدة في الهلاك، حيث حكموها في البحث عن علة لإيجاد هذا الكون، فلم تهتدي لذلك لقصورها وتقصيرها، فزعم كثير منهم أن هذا العالم قديم، يعني أنه لا خالق له، وأنه لم يزل ولا يزال، يعني ليس له بداية ولا نهاية. قالوا بذلك: أنكروا وجود الرب العظيم، ومن باب أولى أنكروا رسله وكتبه، وتضاربت نظرياتهم الفاسدة، فظلوا وأظلوا. فالفلاسفة ينكرون وجود الرب سبحانه وتعالى، وكذلك ينكرون وجود الجنة، وجود النار، وينكرون رسالة الرسل، يعتبرونها عبارة عن تخيل، أن الرسول يتخيل أنه يوحى إليه، ثم يخيل إليه أن هناك جنة فيدعو إليها، وأن هناك نار يحذر منها، وهكذا من هذه الخزعبلات التي وقع فيها الفلاسفة. قال: «ولقد صدق عليهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾». ثم إن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة في هذه الأوقات، يعني في زمن الشيخ رحمه الله، أي العلامة السعدي، أبطلوا بأنفسهم نظرية أسلافهم، وأحدثوا لهم نظريات متعددة متضاربة، مبنية على الخرص والجهل المركب، ولم يزالوا في الطراب، أي في كل وقت، في كل زمن، يبطلون النظريات التي قبلها، ويتم من نظريات جديدة؛ لأن نظرياتهم مبنية على عقولهم، وعلى أفكارهم، ولهذا فهي نظريات باطلة. فبين الحين والآخر يبطلونها، ويأتون من نظريات أخرى. وأراد الشيخ، الشيخ الإسلام رحمه الله، بهذين البيتين أن يبين أن الخوض في القدر، أن الخوض في باب القدر مما أظل به الفلاسفة، فهم ظلوا لما خاضوا في هذا الباب، لما خاضوا في هذا الباب، باب القدر. والمراد من الفلاسفة: أهل اليونان والهند. فلما رأوا هذا الكون بجماله، وبديع نظامه، ظنوا أنه ليس له خالق، وليس له رب، فذهبوا يأتون بتلك النظريات الفاسدة، الكاسدة، الباطلة. فالمقصود من هذا: بيان ذكر المشابهة بينهم وبين القدرية، يعني لما خاضوا في هذا الباب بعقولهم، وبأهوائهم، وبالتدخل في أسرار الله سبحانه وتعالى في خلقه، ظلوا ظلالا مبينا، كما أن القدرية والجبرية لما خاضوا في هذا الباب، عقولهم، ظلوا في باب القدر. قال رحمه الله: «وهذه حالة كل من ترك الحق واستكبر عنه». هذه حالة كل من ترك الحق واستكبر عنه، وتاه بعقله. قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾. فكل من ترك الحق، وكذب به، فهو فيه تخبط، وفي الطراب. قالوا: لهذا قال الشيخ: «وإن مباد الشر في كل أمة ذوي ملة ميمونة نبوية لخوضهم في ذاك صار شركهم، وجاء رؤوس البينات بقترة». قال: وكذلك الأمم الذين ينتسبون إلى الأنبياء، كاليهود والنصارى، مبادئ شرهم، وشركهم، جنس هذا السؤال، وخوضهم بالباطل، يعني اعتراضهم على قدر الله، وقضائه. لماذا؟ يعني أعطى الله عز وجل النبوة لفلان، ولم يعطها لفلان، كما قال المشركون اعتراضا على إعطاء النبوة للنبي عليه الصلاة والسلام: «لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم»، يعني لو كان هذا القرآن ننزل على رجل من أهل الطائف، ويريد من القريتين مكة والمدينة، يعني غير النبي عليه الصلاة والسلام، لكنا متبعين له. هكذا اعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى. قال: «فانحرفوا عن أديان الأنبياء، واتبعوا كل شيطان مريد». قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية. فاليهود كانوا يعلمون بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه سيبعث رسول في هذا الزمن، وقد أخبروا بذلك الأوس والخزرج، قالوا: سيأتي نبي وسنؤمن معه، وسنتبعه. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من العرب، ولم يأت من بني إسرائيل، كفروا. هذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني ما عندهم بالتوراة والإنجيل، بالإخبار والبشارة بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال الله عز وجل عن عيسى: أنه بشر بمقدم النبي عليه الصلاة والسلام، ومبشرا برسول من بعده: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. فلما جاءهم البينات، قالوا: «هذا سحر مبين». وهكذا فعل اليهود. قال: «فأخبر أنهم تركوا الإيمان بسيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وأفضل الكتب، وتعوضوا عن ذلك بالعلوم الباطلة التي هي السحر ونحوه». قال: «فكل من ترك الأمور النافعة ابتلي بالأمور الضارة، وكل من زهد بالحق وقع في الباطل، وهذا مضطرد في كل زمان ومكان، وكل أمة». نعم، من ترك الحق ابتلي بالباطل، ومن ترك ما ينفعه ابتلي بما يضره، ومن ترك العلوم النافعة تري بالعلوم الضارة الهالكة. قال رحمه الله: «ويكفيك نقضا أن ما قد سألته من العذر مردود لدى كل فطرتي». فأنت تعيب الطاعنين جميعهم عليك، وترميهم بكل مذمة، وتنحل من والاك صف ومودة، وتبغض من ناداك من كل فرقة. وحالهم في كل قول وفعلة كحالك يا هذا بأرجح حجة. قالوا: هذا كما تقدم: إلزام ونقض واضح على من اعتذر عن مخالفته ومعاصيه بالقدر. فإنه في فطرة كل عاقل: أن من ذمك ذممته، ومن عابك عبته، ومن ظلمك في نفسك أو مالك عاملته معاملة الظالم. فكيف تعذر نفسك إذا عصيت الله، ولا تعذرهم إذا ذموك أو ظلموك؟ بل تبغضهم وتذمهم وتقابلهم على ظلمهم بما تقدر عليه. وهذا شيء كل أحد يعرفه، يعني أنه لا يعتذر، لا يعذر من ظلم غيره واعتدى عليه بالقدر، وأنه قدر عليه ذلك، أو مجبور على ذلك، كما يعتذر القدر أو الجبري على فعل المعاصي بالقدر: بأنه قدر عليه ذلك، أو أجبره على فعل المعصية. فإذا ظلم أو اعتدي عليه، واعتذر بالقدر، وأنه مجبور، لما قبل ذلك. إذا اندل هذا على أن هذا الاعتذار باطل، وأنه مبني على الهوى، وليس على الحج والبرهان. قال: «فاتضح بهذا أن المحتج بالقدر على المعاصي كما أنه مخالف للشرع والعقل، فهو مخالف للفطرة التي فطر عليها كل أحد، بل هو مكابر مستهزئ». قال: «ثم عاد هذه المعاني بذكر أمثلة توضح المقام لكونه من أهم المهمات». فقال: «وهبكى كففت اللوم عن كل كافر، وكل غوي خارج عن محجتي». فيلزمك الإعراض عن كل ظالم على الناس في نفس ومال وحرمتي، يعني من اعتدى على الناس في دمائهم، أو أموالهم، أو في حريمهم، فعليك أن تعذره. لماذا؟ لأنه سيحتج بالقدر، وسيقول: أنا مجبور على فعل ذلك. هل يقبل هذا من؟ الجواب: لا، هو نفسه جبر، ما سيقبل هذا؟ لو اعتدى عليه في نفسه، أو ماله، أو في حريمه، لا، يعني قام يدافع، ويقابل هذا الظالم بالاعتداء، ولا يقبل منه أن يعتذر به القدر، وأنه أجبر على ذلك. قال: «فلا تغضبا يوما على سافك دمي، ولا سارق مالا لصاحب فاقتي، ولا شاتم عرضا مصونا وإنعلا، ولا ناكح فرجا على وجه غيتي»، يعني على وجه محرم، «ولا قاطع للناس نهج سبيلهم، ولا مفسد في الأرض من كل وجهتي، ولا شاهد بالزور إثكا وفرية، ولا قاذف للمحصنات بزنيتي، ولا مهلك للحرف والنسل عامدا، ولا حاكم للعالمين برشوتي». وكف لسان اللوم عن كل مفسد، «ولا تأخذا ذا جرمة بعقوبتي، وسهل سبيل الكاذبين تعمدا على ربهم من كل جاء بفرية». وإن قصدوا إظلال من يستجيبهم «بروم فساد النوع ثم الرياسة». وجادل عن الملعون فرعون إذ طغى، «فأغرق في اليم انتقاما بغصتي»، يعني احتجاجك بالقدر والجبر، جادل عن فرعون. قل: فرعون مسكين، وظلوم. فرعون وقع في الكفر؛ لأنه أشبر على ذلك. فكيف بعد ذلك ماذا يؤاخذ ويعاقب؟ وهو ما حصل منه ذلك إلا على سبيل الجبر. فيقول: الآن عليك أن تدافع عن فرعون، على هذه العقيدة الباطلة التي تعتقدها. قال: «وكل كفور مشرك بإلهه»، يعني كذلك دافع عن كل كافر، وآخر طاغ كافر بنبوة، كعاد ونمرود، وهو الذي جادل إبراهيم عليه السلام. وقوم لصالحين، وقوم للوط، ثم أصحاب ليكتي، أي أصحاب شعيب، وخاصم لموسى، ثم سائر من أتى من الأنبياء محيا للشريعة على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا، ونالوا من العاص بليغ العقوبة. «وإلا فكل الخلق في كل لفظة ولحظة عين أو تحرك شعرتي، وبطشة كف أو تخطي قديمة، وكل حراك بل وكل سكينة هم تحت لقدار الإله وحكمه، فما أنت فيما قد أتيت بحجتي». قال رحمه الله: «هذه الإلزامات التي ذكرها الشيخ في غاية القوة والوضوح، يبطل كل واحد منها اعتذار المعتذرين بالأقدار». ومثل بأمثلة كثيرة يعرفها كل أحد؛ لأن كثرة الأمثلة توضح المعاني، وتصور المقالات القبيحة بأشنع صورة. ولأنه لو فرض أنه تأول من ألزم بها بعض هذه الأمثلة باحتمالات ضعيفة، لم يكن له سبيل إلى بقيتها. فالشيخ يقول لهؤلاء المعارضين، المعترضين بأقدار الله على المعاصي: يلزمكم أن تعرضوا عن كل ظالم للناس في دمائهم وأعراضهم وأموالهم، فلا تضبون على من سفك الدماء، وأخذ الأموال بالغصب والسرقة، ولا من شتم الأعراض، يعني بالقذف، ولا على الزناة، وقطاع الطرق، والمفسدين في الأرض، ولا على قاذف أو شاهد بالزور، ولا من سعى في الأرض ليهلك الحرث والنسل، ولا على من حكم بالرشوة، وجار في حكمه. بل يجب عندهم كف اللسان عن كل مفسد معتد على الخلق. لماذا؟ لأنهم على اعتقادهم: أنه ما حصل هذا منهم إلا لأنه قدر عليهم، أو أنهم مجبورون على فعل ذلك. ولا شك أن مثل هذا الاعتقاد، وما سيأتي بعده، سيكون سببا لفساد الأرض، وفساد الحياة. قال: «بل عليك أن تسهل سبيل الكاذبين على ربهم، وتعتذر عنهم، وإن سعوا في إضلال الناس، بل وجادل عن أئمة الكفر كفرعون، وقارون، وهامان، وكل مشرك وكافر، كعاد وثمود ونمرود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وما أشبههم من الكفار المعاندين». بل على قول هؤلاء: عليك أن تخاصم جميع الرسل والأنبياء، يعني تكون عدوا لهم، ومخاصما لهم؛ حيث جاهدوا الناس على الإيمان، وعاقبوا أهل الجرائم بالقتل والأسر، وإقامة الحدود. قال: «لأن الخلق كلهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، ولفظاتهم ولحظاتهم تحت أقدار الله»، يعني ما حصل منهم ذلك إلا بقدر الله سبحانه وتعالى. قال: «وهذا القول الفضيع الذي يفضي إلى هذه المكابرات والمجاهرة بتكذيب الله ورسله وكتبه، حسب الناظر لهذا القول أن يتصور»، حسب الناظر لهذا القول أن يتصور هذه اللوازم التي هي غاية المشاقة لله ولرسله، وفيها فساد الدين والدنيا والآخرة. وهذه أشياء لازمة، لازمة لقولهم، لا يستطيعون الهروب والانفكاك عنها: أنهم يحتجون بالقدر على فعل المعاصي. إذن هؤلاء كلهم الذين حصل منهم هذه المعاصي، وحصلت منهم هذه الذنوب، بل وما هو أشد من ذلك من الوقوع في الكفر إلى آخره، ستكون حجتهم هو الاحتجاج بالقدر، وأن الله قدر عليهم ذلك. إذن فكيف يؤاخذون، وكيف يعاقبون، وكيف يعاتبون إذا كان هذا الاحتجاج صحيح؟ فيتبين من هذا أن هذا احتجاج باطل. قال رحمه الله: «وهبكى ورفعت اللوم عن كل فاعل فعال ردى طردا لهذه المقيسة». فهل يمكن رفع الملام جميعه عن الناس طرا عند كل قبيحة، وترك عقوبات الذين قد اعتدوا، وترك الحدود عن أهل الجرائم، بحيث لا يضمن القاتل نفسا، ولا الغاصب والمتلف مالا، ولا ينصف الحاكم أو الحكام بين رعاياهم إذا قالوا وادعوا أنهم معذورون بالقدر؟ وهل في عقل أحد أو فطرته قبول قول الواحد من هؤلاء المجرمين؟ يعني إذا جاء القاتل يقول: والله أنا قتلت بقدر الله، الله قدر علي أن أقتل. نقول: ما شاء الله، ما عليك شيء، أنت معذور. يأتي السارق: وأنا سرقت بقدر الله، قدر الله علي أن أسرق. نقول: الله عفى الله عنك، أنت معذور. ويأتي الآخر ويقول: أنا زنيت، وحصل مني الزنا بقدر الله. خلاص ما عليك شيء. هل يقول بهذا ويجعل هذا حكما مطردا في هذه الأمور وهذه المسائل؟ قال: «وقال في عقل أحد أو فطرته قبول قول الواحد من هؤلاء المجرمين ما وجه حيلة، وأنا معذور»، يعني كيف أخذ، عاقب، ويقام علي الحد، وأنا فعلت هذا بقدر الله؟ قال: «فإني وإن خالفت الشرع، فقد وافقت القدر»، يعني هذا المجرم يقول: أنا إن خالفت الشرع بارتكاب هذه المعصية، لكني في نفس الوقت وافقت القدر؛ أن هذا حصل مني بقدر الله. قال: «وهل هذا إلا تلاعب محظ والتهكم صرف»، أي خالص. قال: «ثم قال: ويكفيك نقضا ما بحسم لآدم صبي ومجنون وكل بهيمتي من الألم المقضي من غير حيلة، وفيما يشاء الله أكمل حكمتي». إذا كان في هذا حكمة، فما يظن بخلق الفعل ثم العقوبة؟ فكيف؟ ومن هذا عذاب مولد عن الفعل. فعل العبد عند الطبيعة كآكل سم أوجب الموت أكله، وكل بتقدير لرب المشيئة. «فكفرك يا هذا كسم أكلته، وتعذيب نار مثل جرعة غصتي». ألست تترى في هذه الدار من جناية يعاقب إما بالقضى أو بشرعة؟ ولا عذر للجاني بتقدير خالق. كذلك في الأخرى بلا مثنوية. قال رحمه الله: يعني أنه يكفيك نقضا لقولك، وإبطالا له: أن الله تعالى يقضي بحكمته الآلام على غير المكلفين من الصبيان والمجانين والبهائم. هؤلاء غير مكلفين، يعني بالأوامر والنواهي، ومع ذلك فإنهم قد يبتلون بشيء من الأمراض، وتصيبهم الآلام والأوجاع. قالوا: هذه الآلام من لوازم الطبيعة، فلا تنفك الطبائع إلا أن تكون على هذه الصفة: أن من ألم بمرض، أو أصيب بجرح، أو ضرب بشيء، أن يتألم ويتوجع. تكون صحيحة ومريضة، ومرتاحة ومتألمة، بحسب ما يعرض للطبيعة من استقامة وانحراف. فإذا كانت أسباب الآلام إذا وجدت تولدت عنها الآلام، وترتبت عليها الأسقام. وإن كان هذا كله بقضاء الله وقدره، لكن كل شيء له سبب. هذه الآلام، وإن كانت بقضاء الله، لكن لها أسباب من وجود الأمراض. وأسباب هذه الآلام ترتبت عليها الأسقام، كمن أكل سما ترتب عليه الهلاك، يعني إنسان صحيح سليم ما به شيء، أكل سما، كان هذا السم سببا في موته وهلاكه. قال: «أو ألقى نفسه في نار أو مهلكة». لو ألقى بنفسه من مكان مرتفع سيموت، أو ألقى نفسه في النار سيحترق. قال: «فكفر الكافرين، وإجرام المجرمين بمنزلة من أكل سما، أو قذف نفسه في نار أو مهلكة». لا بد أن يترتب عليه مقتضاه، أثره. فمن أكل السم سيموت، ومن ألقى نفسه في مكان مرتفع كذلك سيسقط ويهلك ويموت. وهكذا من فعل الكفر، ومن فعل الجريمة، لا بد أن يعاقب بسبب فعله لهذا الذنب، ولهذه المعصية؛ لأن هذه العقوبة مرتبة على فعله لهذا الذنب، كحال من أكل السم، وترتب عليه حصول الهلاك. قال: «فإذا كنت لا تعذر من أكل سما أو ألقى نفسه في تهلكة، وتنسب هلاكه إلى عمله»، يعني ستقول: هو الذي أهلك نفسه؛ كون أكل السم هو تسبب في قتل نفسه، أو ألقى نفسه في مكان مرتفع. سيقول: هو الذي أهلك نفسه. ما سيقول هذا؟ يعني بسبب القدر، وإن كان هذا بقدر، لا، لكن هو تسبب، تسبب في ذلك. قال: «فالكفر والمعاصي كذلك، بل أبلغ»، يعني في مؤاخذة صاحبها بالعقوبة؛ لأن آكل السم والملقي نفسه بالهلكة ربما يعرض بعض العوارض المانع من الهلاك، يعني قد يسلم. إن كان هذا سبب الهلاك، لكن ربما يسلم. قد يأكل السم فيمرض، ويعالج بشيء من الأدوية التي تضاد السم فيسلم من الموت. بخلاف من وقع في الكفر، أو كذلك من وقع في المعصية. قال: «بخلاف الكفر وتوابعه، فإن آثاره مترتبة عليه قطعا، إلا إذا رفعها العبد بتوبة نصوح». قال: «ومما يؤيد هذا: أنك تشاهد في هذه الدار عقوبات الباغين والظالمين والمعتدين، عقوبات يشاهدها كل أحد»، إما عقوبات قدرية يوقعها الله بالمجرمين، كما أهلك الأمم السابقة بالعقوبات المتنوعة، يعني بالريح العقيم، أو بالصيحة، أو بالغرق إلى آخره. وكما يشاهده من سبر أحوال الخلق، وتتبع ما جرى لهم، وكيف كانت عواقب الباغين والمجرمين أشنع العواقب. وإما عقوبات شرعية: يقتل القاتل، ويقطع السارق، ويقام الحد بالرجم أو الجلد على الزاني، ويجلد شارب الخمر. هذه عقوبات شرعية، يعني من جهة الشرع، وضعها الشرع على هذه الذنوب والمعاصي؛ حتى تكون زاجرا للوقوع فيها، ومن وقع فيها أدب بإقامة هذا الحد عليه. قال: «ويعزر في كثير من المعاصي». وهذه عقوبات قدرية شرعية. فهل تقول أيها المعتذر عن العاصين بالقدر: إن جميع هؤلاء قد ظلمهم الله حيث أوقع بهم هذه العقوبات، وحيث أحل بهم المثلات؟ هل يقول هذا القدري: أهلا معذورون، وأنهم مظلومون حيث قيمت عليهم الحدود والعقوبات؟ أم أنهم تسببوا بذلك؟ هم الذين تسببوا لأنفسهم إقامة هذه العقوبات عليهم لارتكابهم هذه الجرائم؟ قال: «فإن قلت ذلك»، يعني قلت هؤلاء مظلومين، واعتذرت لهم. قال: «فقد بلغت من عداوة الله، وعداوة رسله، ومحاربة الله مبلغا ما بلغه أحد». وإن رجعت إلى الحق، وقلت: إن هذه العقوبات القدرية والشرعية هي عدل الله بين عباده، وهي حكمته التي وضعها الله، ومرضعها، وجعلها في محلها اللائق بها، وليس لهؤلاء الجناة المعاقبين عذر. بل ما أصابهم من مصيبة فمما كسبت أيديهم، ويعفو عن كثير. فالرجوع إلى الحق أحق. قالوا: بذلك، وغيره، يتضح بطلان الاعتذار بالقدر عن المجرمين. قالوا: شبيه بهذا أيضا قول الشيخ: «وتقدير رب الخلق للذنب موجب لتقدير عقب الذنب إلا بتوبتي، وما كان من جنس المتاب لرفعه عواقب أفعال العباد الخبيثة كخير به تمحى الذنوب، ودعوة تجاب من الجاني، ورب الشفاعة، وتقديره للفعل يجلب نعمة كتقديره الأشياء طرا بعلتي». قال رحمه الله: يعني كما جعل الله الذنوب والجرائم أسبابا للعقوبات، يعني لإقامة العقوبة على الجاني المجرم. قال: فقد جعل الله التوبة، وأعمال الخير، والدعوات، والشفاعات، تمحى بها الذنوب، كشفاعة المصلين على الميت، وطلب المغفرة له، والرحمة من الله. أو كذلك شفاعة الأنبياء والصالحين لمن دخل النار، أو شفاعة رب العالمين. قال: تمحى بها الذنوب، وتكشف بها الكروب. فالله تعالى بحكمته ورحمته جعل أعمال العباد خيرها وشرها ترتب عليها آثارها، وتحصل موجباتها عاجلا وآجلا. فكم جلبت أفعال الخير من نعم، وكم دفعت من نقم؟ كذلك أفعال الشر: كم حصل بها من عقوبات، وكم ترتب عليها من شرور ومصائب؟ فهذه أمور لا بد منها في قدر الله، وفي حكمه الشرعي، وحكمه الجزائي الذي يحمد عليه؛ لما فيه من العدل والفضل. يعني أن العاصي يستحق الذنب والعقوبة والمؤاخذة. وإن تاب كانت توبته، وفعله الأعمال الصالحة السبب لمحو هذه الذنوب، والعفو عنه، وكذلك نيله المغفرة والرحمة، وكل ذلك بقضاء الله سبحانه وتعالى، وقدره، وحكمه. ثم قال الشيخ رحمه الله: «وقول حليف الشر إني مقدر عليك قول الذئب هذه طبيعة». فهل يرفع ذنب الملوم بأنه كذا طبعه؟ أم هل يقال: لعثرت أم الذنب والتعذيب أوكد للذي طبيعته فعل الشرور الشنيعة؟ قال: يعني أن المجرم إذا اعتذر بذلك العذر المردود، بذلك العذر المردود، وقال: إن الذنب مقدر علي. فهو مثل قول الذئب، والسبع المفترس، ومثل الشرير إذا فعل الشر والعدوان والبغي، وقال: هذه طبيعتي، فلا لوم علي، فيما فعلته من الشر والاعتداء والبغي، وقتل النفس، وأخذ المال إلى آخره. قال: «فهل يرفع هذا القول عنه الملام والعقاب؟ أو نقول: خلاص، هل طبيعتك؟ ما عليك شيء». قال: «أم يكون لومه أشد، وعقوبته أوكد؛ لأنه عمل العمل القبيح، واتصف بالخلق القبيح، فكان أغلظ جرما، وأشد عقوبة ممن فعل جرما عارضا». فإنه يرجى له الرجوع والتوبة، يعني ممن لم يقول: ويحتاج بأن هذه طبيعته، وإنما يقول: غلبت نفسي، وغلبتني شهوتي، ويعني إن شاء الله لا أرتكب هذا مرة أخرى. فهذا أخف جرما، وأخف؛ لأنه يعترف بالخطأ، ويعترف بالزلل. بخلاف الأول. قال: «بخلاف الشرير الذي طبيعته وقوته متوجه إلى الشرور والمعاصي». قال: «ثم ذكر الشيخ ما ينجي العبد من هذا المأزق الحرج». فقال: «فإن كنت ترجو أن تجاب بما عسى ينجيك من نار الإله العظيمة، فدونك رب الخلق فاقصده ضارعا مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة، وذل القيادة النفس للحق واسمعا، ولا تعصي من يدعو لأقوام شرعتي، ودع دين ذي العادات لا تتبعنه، لا تتبعنه، وعج عن سبيل الأمة الغضبية، وما بان من حق فلا تتركنه، ولا تعرضا عن فكرة مستقيمة، ومن ظل عن حق فلا تعفونه». وزن ما عليه الناس بالمعدلية. «هناك تبدو طالعات من الهدى بتبشير من قد جاء بالحنفية بملة إبراهيم ذاك إمامنا، ودين رسول الله خير البرية، فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذي به جاءت الرسل الكرام السجية». وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي حوى كل خير في عموم الرسالة، وأخبر عن رب العباد بأن من غدا عنه في الأخرى بأقبح خيبتي. «فهذه دلالات العباد لحائر، وأما هداه فهو فعل الربوبة، وفقد الهدى عند الورى لا يفيد من غدا عنه، بل يجري بلا وجه حجتي». قال رحمه الله: «هذه نصائح نفيسة من نصائح الشيخ، مستندة إلى الكتاب والسنة». يقول: إذا كنت أيها العبد تريد نجاتك من عذاب الله، والفوز بثوابه، فاقصد ربك متضرعا له آناء الليل والنهار، واسأله أن يهديك الصراط المستقيم. ووطن نفسك للانقياد للحق، واقبله ممن قاله، وكن ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. يعني إذا خلطت الأمور على المرء، ومعلم الحق من الباطل، والهدى من الضلال. فإذا أقبل على الله سبحانه وتعالى بدعائه ومناجاته، وكذلك أقبل عليه بطاعته وعبادته، وأخلصه في الدعاء، فإن الله عز وجل يوفقه، وينور له الطريق، ويهديه للصراط المستقيم. قال: «ودعك دين العادات والاقتداء بأهل الغضب والضلال»، يعني لا تقول: أنا متبع لمن كان عليه الآباء والأجداد. فإن هذا من سبل الضلال. قالوا: أكثر من التدبر لكتاب الله، وسنة نبيه، ثم ما بان لك من الحق، اتبعه، غير مبال بخلاف المخالفين. واجعل كتاب الله، وسنة نبيه، نصب عينيك. وزن بهما أحوالك، وأحوال غيرك. كل ما يعرض لك من أقوال أو أفعال تريد معرفة الصواب منها من الخطأ، فاعرضها على الكتاب والسنة. قال: «فإنهم الميزان العادل غير العائل»، يعني غير المائل، أو غير الباطل البعيد عن الحق والهدى. قال: «فإنك إذا فعلت ذلك، حصلت لك بتباشير الخير، وأمارات السعادة». وقوله: «غير العائل»، يعني غير المائل. قال: «واتبع منة إبراهيم حنيفة مائلا عن جميع الأديان والبدع إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم». فإن الله لا يقبل من أحد دينا سوى الدين الذي ارتضاه لرسله وأتباعهم، وهو دين الإسلام، وتوحيد الله عز وجل، ونبذ الشرك بجميع صوره وأحواله. قال: «حتى ختمهم بإمامهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم، الذي جمع الله به وله من المحاسن والكمالات ما لم تجتمع في غيره». وقد أخبر عن ربه: أن من اتباعه فهو المهتدى السعيد، ومن تولى عنه فهو الضال الطريد. ثم قال: «وهذا الذي بينته في هذه الأبيات فيه الدلالة للحيران، والتفاصيل التي يحصل بها الفرقان والهداية بيد الله». لكنه من أقبل على ربه صادقا، وعمل بأسباب الهداية، فلا بد أن يقبله الله، ويسلك به الصراط المستقيم؛ لأن الله وعد بذلك. فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، يفتح قلبه للإسلام، للهداية والقبول الحق. والله سبحانه وتعالى يوفقه. ومن يريد أن يضله، ويجعل صدره ضيقا حرجا، الذي يريد الظلال، ما يقبل الهدى، وما يقبل الحجج والبينات، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَنْفَعُ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون. قال رحمه الله: «وحجة محتج بتقدير ربه يزيد عذابا كاحتجاج مريضة». وذلك لأنه عمل في الحقيقة جرمين، بل ثلاثة. أحدهما: فعله للذنب. ثانيا: احتجاجه عليه بالقدر، وهو كذب؛ فإن مضمون الاحتجاج بالقدر: يعني أن الله اضطره، وألجأه إليه، وأكرهه عليه، وهو لا يريد الذنب. وهو كذب صريح؛ فإن الله أمكنه من الترك، بل فتح له كل باب يصده عن الذنب. وقد أبت نفسه الأمارة بالسوء إلا أن توقعه في الذنب. فالملام عليه لعلى ربه. فكونه يحتج بالقدر، وأنه أكره على ذلك، فهو كذب محظ. وفي الحقيقة ما أقدم على فعل المعصية إلا باختياره وإرادته. كما مر معنا: أن الإنسان يفرق، يعني في نفسه، من فعله للشيء على جهة الاختيار، ومن فعله للشيء على جهة الجبر، وعدم الاختيار. وإقدام العبد على فعل المعصية، فلا شك ولا ريب، بل في قرارة نفس هذا العاصي، يعلم أنه ما أقدم عليها إلا باختياره ورغبته وإرادته. فكيف بعد ذلك يحتج بالقدر، ويقول: قدر الله سبحانه وتعالى عليه ذلك؛ حتى لا يلام على فعل هذا الذنب؟ قال: «ثالثا: أنه بهذا الاعتذار يمهد لنفسه الإصرار على الذنوب، والإقامة على ما يسقط علام الغيوب؛ لأن كل من فعل الذنب سيقول: أنا مجبور، ما عندي اختيار، ما عندي قدرة، الله قدر علي ذلك». وهكذا ينتقل من ذنب إلى ذنب، ومن معصية إلى معصية، ويحتج بالقدر. قال: «فإن هذا الاعتذار يهون عليه كل ذنب، كما هو مشاهد». قال رحمه الله: «وأما رضانا بالقضاء، فإنما أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة كسقم وفقر، ثم ذل وغربة، وما كان من مؤذن بدون جريمتي». فأما الأفاعيل التي كرهت لنا، فلا نص يأتي في