بواعث الخلاص من الذنوب 9

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل معية الله وجزاء الصابرين

يشرح المقطع معية الله الخاصة للمتقين والمحسنين والصابرين، وكيف تقتضي الحفظ والنصرة لهم. هذه المعية تنال بالصبر عن المعصية وجهاد النفس.

قصة أصحاب الغار وتوسلهم بالأعمال الصالحة

ثلاثة توسلوا إلى الله بأعمال صالحة لينجيهم من صخرة أغلقت غارًا عليهم، أحد الثلاثة توسل بعفته عن الفاحشة. توسلهم بأعمالهم الصالحة أدى إلى نجاتهم.

أثر ترك الذنوب في نيل رضا الله ومعيته

ترك الذنوب والمعاصي ابتغاء وجه الله ينال به العبد حفظ الله ومعيته. الحديث عن أصحاب الغار يوضح كيف أن ترك الفاحشة ابتغاء وجه الله أدى إلى انفراج الصخرة.

التحذير من عواقب الذنوب والمعاصي

المقطع يحذر من الوقوع في الذنوب والمعاصي ويبين عواقبها السيئة، ويدعو إلى الابتعاد عنها. الوقوع في الذنوب له عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة.

  • 29 جمادى الآخرة 1443هـ - 01/02/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الثامن، مشهد المعية، وهي نوعان: معية عامة، ومعية خاصة. فالعامة، اطلاع الرب تعالى عليه، وكونه بعينه، لا تخفى عليه حاله، وقد تقدم -يعني معية الله العامة- وأن الله جل وعلا مع العباد، كما في قوله سبحانه: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ أي: بإحاطته وعلمه ورؤيته واطلاعه، هذه المعية العامة، وهي شاملة لجميع العباد. قال: وقد تقدم المقصود هنا المعية الخاصة، كقوله: ﴿إن الله مع الصابرين﴾، وقوله: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، وقوله: ﴿وإن الله لمع المحسنين﴾، فهذه المعية الخاصة خير له، وأنفع في دنياه وآخرته، من قضاء وطره ونيل شهوته على التمام، من أول العمر إلى آخره. فكيف يؤثر عليها لذة منغصة منكدة في مدة يسيرة من العمر؟ إنما هي كأحلام نائم، أو كظل زائل. أي: كيف يحرم العبد نفسه من هذه المعية -المعية الخاصة- أن الله جل وعلا معه، يؤيده ويحفظه وينصره؟ فإذا ارتكب المعاصي والذنوب، وتخلى عن معية علام الغيوب جل وعلا، حرم هذه المعية، حرم هذه المعية -معية الحفظ والنصر والتأييد-، ولا شك أن ذلك خسران عظيم. قال المصنف -فقه الله- في التعليق على الأمر الثامن من بواعث ترك الذنوب: معية الله عز وجل الخاصة، والمقصود بمعية الله عز وجل الخاصة تلك المعية التي اختصها الله بعباده المتقين المحسنين الصابرين، والتي تقتضي الحفظ والنصرة والرعاية والتأييد، هذا معنى «أن الله مع المتقين، ومع الصابرين، ومع المحسنين، ومع المؤمنين»... إلى آخر ذلك من معاني الحفظ والرعاية. قال: فالعبد إذا دعته نفسه إلى المعصية، فصبر عنها، وجاهد هواه -يعني في تركها وعدم الوقوع فيها- سيفوز بهذه المعية الخاصة، كما قال الله تعالى: ﴿إن الله مع الصابرين﴾، وقال تعالى: ﴿وإن الله لمع المحسنين﴾، بمعنى أن الله يحفظهم وينصرهم ويكلأهم، وكذلك يجتبيهم من بين الخلق، فلهم منزلة عند الله جل وعلا ليست لغيرهم. قالوا: من شواهد هذه المعية الخاصة قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانحدرت عليهم صخرة من الجبل وأغلقت عليهم الغار، فما استطاعوا أن يخرجوا منه. فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم -يعني كل واحد يتوسل إلى الله جل وعلا بعمل صالح عمله يتقرب به إلى الله جل وعلا-، وهذا من أنواع الوسيلة الجائزة: التوسل إلى الله جل وعلا بالعمل الصالح. فكل من هؤلاء الثلاثة توسل إلى الله جل وعلا بعمل صالح: أحدهم توسل إلى الله ببره بوالديه، والآخر توسل إلى الله بأمانته، والثالث توسل إلى الله بعفته عن الحرام، وهذا هو المقصود. قال: وكان من كلام أحدهم: «اللهم كانت لي بنت عم، كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها -يعني أراد أن يفعل بها الفاحشة- يا ذنب الله»، قال: «فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين -يعني أصابتها حاجة وشدة، وكذلك فقر-»، قال: «فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومئة دينار -أي من الذهب- على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت -يعني أعطاها هذا المال على أن تمكنه من نفسها- ففعلت ذلك». وهي مخطئة في هذا، ليس كونها محتاجة أن هذا يجيز لها أن تبيع عرضها، وأن -يعني- تذهب بشرفها، فهي أخطأت في ذلك، وكذلك من رضاها بتمكين نفسها له، لكن هذا الذي حصل. قال: «ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، وفي بعض الروايات: حتى جلست بين رجليها، قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه»، وهذا كناية عن عدم وقوع الجماع، كأن تقول له: أنا لا أحل لك أن تفض الخاتم -بمعنى أن يحصل منك ما يحصل من الرجل مع أهله من الجماع- إلا بحقه -يعني بالعقد الشرعي-. لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، وفي رواية أنها قالت: «اتق الله، اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه». قالت: فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها، وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. ما الذي منعه؟ وهو قد قدر عليها، وهي قد مكنته من نفسها، واستسلمت له، وقد جلس منها مجلس الرجل من أهله؟ الذي منعه هو الخوف من الله جل وعلا، واستشعار مراقبة الله جل وعلا له، والاطلاع الله سبحانه وتعالى عليه. فلما ذكرته بالله، وقالت له: «اتق الله»، وقعت هذه الكلمة موقعا عظيما في قلبه، فأثرت على جنانه وعلى جوارحه، حتى أذهبت عنه ما كان في نفسه من لذة الشهوة ومحبة المعصية، حتى قام عنها وتركها. فقال: «اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه»، فانفرجت الصخرة. والحديث في الصحيحين، وهذا لفظ الإمام البخاري رحمه الله. فانظروا: «اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك» -أي فعلت هذا من ترك هذه المعصية، وهذا الذنب- إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك، وإرادة ما عندك من الثواب والأجر، وإرضاء لله سبحانه وتعالى، ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت عنهم الصخرة -أي استجاب الله عز وجل له، وقبل الله عز وجل منه هذا العمل من تركه لهذه المعصية، وهذا الذنب خوفا من الله، ومراقبة لله سبحانه وتعالى-. قال: فهذا ترك فعل الفاحشة التي تهيأت له أسبابها ابتغاء وجه الله، فكان الله معه بحفظه ورعايته، وأنجاه سبحانه وتعالى من الهلاك في الغار -يعني حصلت له بسبب تركه لهذه المعصية تحققت له معية الله جل وعلا الخاصة-. لما كان مع الله، وخاف من الله جل وعلا في حال الرخاء، وترك المعصية والذنب مع قدرته عليه، ورغبته فيه، وميله إليه، لكن لما تذكر مقام الله جل وعلا ترك ذلك لله، فعوضه الله عز وجل بأن نال هذه المعية: أن الله كان معه، يؤيده ويحفظه وينصره. فلما حصلت له هذه الشدة من انسداد هذه الصخرة على باب الغار، وعدم إمكانه هو ومن معه من إبعاد هذه الصخرة، كان الله جل وعلا معهم، فحفظهم جل وعلا، وأيدهم بسبب أعمالهم الصالحة، ومن هذا العمل: وهو ترك المعصية والذنب، والتقرب إلى الله جل وعلا بذلك، فنال بهذا هذه الفضيلة العظيمة. إذن: ترك الإنسان للمعصية والذنب، فإنه بذلك ينال حفظ الله عز وجل له، ومعية الله سبحانه وتعالى الخاصة من الحفظ والنصرة والتأييد والرعاية، ولا شك أن هذا أنفع للعبد، أنفع للعبد في الدنيا والآخرة، من وقوعه في ذنب ومعصية تذهب لذتها، وتنقضي شهوتها، وتعقبها ماذا؟ العواقب السيئة، وكذلك الآثام والذنوب والخطايا العظيمة. فهذا مما يدعو العبد إلى ترك الذنوب والمعاصي، والبعد عنها. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.