الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 25، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع أقوال السلف في تفسير اسم الله المقيت الوارد في سورة النساء، حيث فُسر بالحفيظ، والحسيب، والقدير، والرزاق، ويرى المصنف أن الاسم يتناول جميع هذه المعاني مجتمعةً دون حرج، كما يوضح أن الاسم يحمل معاني الإحاطة بالعلم والقدرة والرزق، ويدل على سعة اللغة العربية في وصف الله بالمحيط علماً بأحوال العباد، والقادر على كل شيء، والمتولى حفظهم ورزقهم.
يشرح المقطع أن الله المقيت هو الذي يسر الأرزاق للأبدان والعلم والإيمان للقلوب، وموت القلب بفقد العلم والإيمان أعظم من موت البدن؛ لأن الأول يحول بين العبد وربه وآخرته، ويذكر أن اسم المقيت يتضمن معاني الحفيظ والحسيب والقدير والشهيد والرزاق.
يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويقر بعلم الله تعالى.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: اسم الله المقيت. قال: جاء اسم المقيت في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾. قال ابن كثير -رحمه الله-: وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾. قال ابن عباس، وعطاء، وعطية، وقتادة، ومطر الوراق: مقيتا أي حفيظا. وقال مجاهد: شهيدا، وفي رواية عنه: حسيبا. وقال سعيد بن جبير، والسدي، وابن زيد: قديرا. وقال عبد الله بن كثير: المقيت الواصب. وقال الضحاك: المقيت الرزاق. إذن هذه أقوال متعددة عن السلف في تفسير اسم الله المقيت. فقيل: المقيت الحفيظ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ أي حفيظا، فيكون اسم المقيت مثل اسم الله الحفيظ -كما سيأتي-. وفسر المقيت بالحسيب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ أي حسيبا، أن يحاسب الإنسان على كل شيء أو كل ما يصدر منه. وفسر أيضا المقيت بالقدير: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ أي قديرا، فلا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. وهذا أيضا فسر بالرزاق: الرزاق مقيتا أي رزاقا، يرزق العباد. قال المصنف -فقه الله-: ولا يمنع أن يكون هذا الاسم متناولا لجميع هذه المعاني، واللفظ إذا احتمل أكثر من معنى فلا حرج أن يحمل على جميع هذه المعاني. إذا أمكن أن يحمل على أكثر من معنى فإنه يحمل على جميع هذه المعاني، وهذه من سعة اللغة العربية؛ أنها لغة واسعة، اللفظ الواحد ربما يحمل أكثر من معنى، بخلاف اللغات الأخرى، اللغات الأجنبية كالأנגלית مثلا أو نحوها، تجد كل كلمة لها معنى واحد فقط، كل كلمة لها معنى واحد، بخلاف اللغة العربية؛ ربما كلمة ولها عشرات المعاني لسعة هذه اللغة. قال: ولا يمنع أن يكون هذا الاسم متناولا لجميع هذه المعاني، بأن يكون معناه: الذي أحاط علما بالعباد وأحوالهم. يعني المقيت بمعنى المحيط الذي أحاط علما بالعباد وأحوالهم، هو شهيد على أعمالهم وعلى أحوالهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك سبحانه وتعالى. قال: وما يحتاجون إليه، وأحاط بهم قدرة، وهو أيضا بمعنى القدير الذي أحاط بهم قدرة، فلا يخرج شيء عما يفعلونه عن قدرة الله سبحانه وتعالى. قال: فهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء عز وجل، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. قال: وتولى حفظهم ورزقهم وإمدادهم. هذا أيضا من معاني المقيت، الذي حفظ العباد، حفظهم في أرزاقهم واستمرارها وإمدادها، فهو الممد لهم بالأرزاق سبحانه وتعالى، يرزق العبد منذ أن يخلقه في بطن أمه، ورزقه يأتيه إلى أن يرحل من هذه الدنيا، ورزقه على الله سبحانه وتعالى. قال: الذي بقيت الأبدان بالأطعمة والأرزاق، ولولا رزق الله عز وجل لهذا الإنسان لهلك ومات. إذا قطع الله عز وجل رزقه عن العبد، فمن الذي يرزقه؟ من الذي يسر له ما يحتاج في بدنه من طعام وشراب وما يقوم به هذا البدن إلا الله سبحانه وتعالى؟ لو قطع الله عز وجل رزقه عن العبد لهلك، ما استطاع أحد أن يرزقه وأن يسر له الرزق، فالله عز وجل هو الرزاق سبحانه وتعالى. قال: وبقيت ويقيت قلوب من شاء من عباده بالعلم والإيمان. قال: الذي يقيت الأبدان بالأطعمة والأرزاق، يعني يسر لها أرزاقها وما تقوم به الأبدان، وأيضا يقيت قلوب من شاء من عباده بالعلم والإيمان. فكما أن هذه الأبدان لا تقوم إلا بالطعام والشراب، كذلك هذه القلوب لا تحيا إلا بالعلم والإيمان، فقوتها وغذاؤها العلم والهدى والإيمان والتقى، كما أن قوت الأبدان بالأطعمة والأشربة. فإذا قطع أو منع الإنسان من الطعام والشراب هلك الجسد وهلك البدن، وهكذا إذا قطع العلم والإيمان عن القلوب فإنها تهلك وتموت. وموت القلوب أعظم من موت الأبدان، موت القلوب أعظم من موت الأبدان؛ لأن موت البدن قد يحول بينك وبين الدنيا، أما موت القلوب فيحول بينك وبين الخالق، وبينك وبين ربك سبحانه وتعالى، ويحول بينك وبين آخرتك، فموته لا شك أنه أعظم يعني تأثيرا وأعظم ضررا على الإنسان من موت البدن. فهذه من المعاني التي ذكرها أهل العلم في اسم الله جل وعلا المقيت، بمعنى الحفيظ والحسيب والقدير والشهيد، وكذلك أيضا الرزاق. فكل هذه المعاني من معاني اسم الله جل وعلا المقيت، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا﴾ أي حفيظا وشهيدا وحسيبا ورازقا وقديرا سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.