الدرس في شرح الشمائل المحمدية 36، تابع : باب ما جاء في صفة إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أحاديث نبوية صحيحة تدل على أكل النبي صلى الله عليه وسلم للحم وتفضيله للذراع لسرعة نضجها وخفتها على المعدة، ويشرح معنى النهش لغة وشرعاً مبيناً أنه أهنأ وأمرأ، مع تضعيف الأحاديث الناهية عن القطع بالسكين وتأكيد العلماء على مراعاة الهدي النبوي في اختيار الأغذية النافعة.
يبيّن المقطع حرص النبي صلى الله عليه وسلم على اختيار الطعام السريع النضج السهل على المعدة، مع ذكر قصة السم في الذراع ومعجزة طلبه المتكرر لها، ويناقش حديث عائشة النافي لمحبته لها معللاً أكله لها بسرعة نضجها، ويرجّح ضعف هذا الحديث مقابل ثبوت محبته لها في الصحيحين.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم على أكل اللحم، وينقل عن ابن القيم وعمر بن الخطاب النهي عن الإكثار منه لضرره الصحي، مع بيان أفضل أجزاء الشاة، كما يروي أحاديث في فضل الخل وأنه خير الإدام وأن البيت الذي فيه الخل لا يفتقر إلى إدام.
يذكر المقطع دعاء الاستفتاح المعروف بـ "سبحانك اللهم وبحمدك" متضمناً التسبيح والشهادة بالتوحيد والاستغفار والتوبة إلى الله، ويختتم المتحدث بالشكر على ما تيسر من الحديث عن الهدي النبوي في الأطعمة والأدعية.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبعد، نكمل ما تبقى من باب ما جاء في إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخذنا في الدرس السابق حديث عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل. وحديث مسلمة: أنها قربت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبًا مشويًا فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة وما توضأ. وحديث عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شواء في المسجد. كذلك حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: ضفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فأتي بجنب مشوي، ثم أخذ الشفرة فجعل يحز، فحز لي بها منه. قال: فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة، فقال: ما له تربت يداه. قال: وكان شاربه قد وفأ، فقال له: قصه، لك على سواك. ففي هذه الأحاديث الثلاثة أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل اللحم. وذكرنا كلام ابن القيم رحمه الله في فوائد اللحم. قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، وهو ثقة، قال: حدثنا محمد بن فضيل، وهو ابن غزوان، صدوق عارف، قال: عن أبي حيان التيمي، واسمه يحيى بن سعيد، وهو ثقة أيضًا، قال: عن أبي زرعة، وهو ابن عمر بن جرير، ثقة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهش منها. هذا الحديث قد رواه الإمامان البخاري ومسلم. وقوله في هذا الحديث: "نهش منها"، ورد أيضًا "نهس". يقال: نهش ونهس، بالشين المعجمة وكذلك بالسين المهملة. قال الحافظ: بفتح النون يعني "نهش"، وسكون الهاء، بعدها شين معجمة أو مهملة. "نهش" و"نهس"، كلاهما صحيح. قال: وهما بمعنى عند الأصمعي، وبه جزم الجوهري. وهما بمعنى، يعني معناهما واحد، سواء قلت: نهش اللحم، أو قلت: نهس اللحم. قال: وهو القبض على اللحم بالفم وإزالته عن العظم وغيره. هذا معنى النهش أو النهس إذا كانا بمعنى واحد. وقيل: بالمعجمة، أي بالشين، هذا يعني هو القبض على اللحم بالفم وإزالته عن العظم يسمى نهش. وبالمهملة، أي بالسين، تناوله بمقدم الفم، بمقدم الفم. وقيل قول ثالث: النهس للقبض على اللحم ونتره عند الأكل. قال شيخنا في شرح الترمذي، يعني قال شيخنا المراد به الحافظ، يقول: قال شيخنا في شرح الترمذي، المراد به ابن سيد الناس: قال الأمر فيه محمول على الإرشاد. الأمر في هذا الحديث محمول على الإرشاد، فإنه علّله بكونه أهنأ وأمرأ، أي أشد هناءة ومراءة. إذن نهش اللحم بالفم يكون أهنأ وأمرأ للآكل من أن يأخذه مثلًا بغير أسنانه. ثم قال الحافظ يعقب على كلام شيخه: يشير العراقي إلى حديث أخرجه الترمذي من حديث صفوان بن أمية بلفظ: "انهشوا اللحمة نهشًا، فإنه أهنأ وأمرأ". يعني لماذا قال صاحب شرح الترمذي أنه أهنأ وأمرأ؟ من أين أخذه؟ أخذه من حديث صفوان بن أمية بلفظ: "انهشوا اللحمة نهشًا، فإنه أهنأ وأمرأ". وهو ضعيف، هذا الحديث ضعيف، فيه عبد الكريم ابن أبي المخارق، والحديث ضعفه كذلك العلامة الألباني برقم ألف وثمانمائة وخمسة وثلاثين في الضعيفة. وحسنه الحافظ، حافظ حسن هذا الحديث، حيث قال: لكن أخرج ابن أبي عاصم من وجه آخر عن صفوان بن أمية فهو حسن. يقول: أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن صفوان بن أمية، يعني أن الحديث حسن بالطريقين. وفي الباب حديث عائشة: في هذا الباب أيضًا حديث عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقطعوا اللحمة بالسكين، فإنه من صنع الأعاجم، وانهسوه، فإنه أهنأ وأمرأ». وهذا الحديث أخرجه أبو داود والبيهقي، لكن قال أبو داود: ليس هو بالقوي. فالحديث لا يصح. "لا تقطعوا اللحمة بالسكين" هذا لا يصح عن نبينا صلى الله عليه وسلم. وقال المنذر في حديث عائشة هذا: في إسناده أبو معشر السندي المدني، واسمه نجيح، وكان يحيى القطان لا يحدث عنه ويستضعفه جدًا. إذن عرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهش من اللحم كما في حديث أبي هريرة هذا المتفق عليه. وقوله في هذا الحديث: "فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه"، أنه لا بأس برفع الجزء الذي يعجب الإنسان. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان تعجبه الذراع، فرفعت إليه، فنهش منها عليه الصلاة والسلام. قال النووي رحمه الله تعالى: قال عياض: محبته صلى الله عليه وسلم للذراع لنضجها وسرعة استمرائها. لماذا يحب عليه الصلاة والسلام الذراع؟ يعني ذراع الشاة. قال: لأنه أو لأنها تنضج بسرعة، يعني أخف اللحم في هذا المكان، وأيضًا أطيب اللحم في هذا المكان، وسهولة أيضًا مضغه. قال: مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها، وبعدها عن مواضع الأذى. الذراع المراد به مقدم فوق الكراع، معروف. كراع الشاة، كراع الشاة معروف، يعني الأرجل الأمامية، ما يكون فوق الكراع يسمى ماذا؟ الذراع. وهذا ترى أنه بعيد من مواضع الأذى، بعيد من البطن ومن المؤخرة، فكلما كان اللحم بعيدًا عن مواضع الأذى كان أطيب، وكان ألذ، وكان أحلى. فلهذا يتخير الإنسان هذه المواضع إذا أراد أن يشتري لحمًا مثلًا، فإنه يحاول أن يشتري الأماكن التي كان يحبها النبي صلى الله عليه وسلم، مثل الذراع. وأيضًا سيأتي أيضًا لحم الظهر طيب، وأيضًا الرقبة، رقبة الشاة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وكان يحب اللحم، أي النبي صلى الله عليه وسلم، وأحبه إليه الذراع، ومقدم الشاة، ومقدم الشاة. ولذلك سم فيه، يعني اليهود، كما سيأتي في الحديث الذي بعد هذا، حديث ابن مسعود، أن اليهود وضعوا السم في الذراع، لأنهم كانوا يعلمون محبة النبي صلى الله عليه وسلم للذراع، فسموه فيها. قال: ولذلك سم فيه. وفي الصحيحين: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه. ثم قال: ولا ريب أن أخف لحم الشاة لحم الرغبة، ولحم الذراع والعضد، وهو أخف على المعدة وأسرع هضامًا. وفي هذا مراعاة الأغذية، كما قلنا أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو أكمل وأحسن الهدي في باب الأطعمة والأغذية وحفظ الصحة. فلهذا كان عليه الصلاة والسلام يتخير من اللحم الأماكن التي تكون أسهل على المعدة، من باب حفظ الصحة. قالوا: في هذا مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاث أوصاف. ما هي الأغذية التي تجمع ثلاث أوصاف؟ قال: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى. الثاني: خفتها على المعدة وعدم ثقلها عليها. والثالث: سرعة هضمها. وهذا أفضل ما يكون من الغذاء، والتغذي باليسير من هذا أنفع بالكثير من غيره. يعني أنك أنت أيضًا إذا اخترت لحمًا أو غير، تحاول أن تختار الذي يكون سريعًا نضج، الذي ينضج بسرعة، ويكون أيضًا ماذا؟ سهل على المعدة. وأنت أيضًا تحاول أن توصي أهلك بأن ينضج اللحم، أي أنواع اللحم ينضجها، حتى تكون سهلة على المعدة. لأنه إذا كانت سهلة وهضمتها المعدة بسرعة، لم تتعب أنت، ولم تتأذى. وربما تكون بعض يعني بعض الناس معدته ضعيفة، لا يستطيع أن يهضم اللحم ونحو ذلك، فيحتاج بعد ذلك إلى أشياء أخرى مهضمة. وبعضهم يأكل بعده زبادي، وبعضهم يأكل بعده بيبسي ونحو ذلك. يعني هذه أشياء ربما تساعده، ربما تساعده. لكن الأصل في هذا أن المسلم يختار من الأغذية السهلة على معدته حتى لا تتأذى ويمرض بعد ذلك. فنبينا عليه الصلاة والسلام كان أكمل الناس في هذا، فيختار من اللحم ما يكون أنفع أولًا للبدن، أنفع للبدن، يعني أنه يغذي ذلك البدن. والأمر الثاني: لا يتعبه، ويظل بعد ذلك كلفان، يعني حتى ربما الصلاة تكون فيها متعب، متخم بسبب ماذا؟ أن الغذاء الذي أكله لم ينهضم في معدته، فترى الصلاة ثقيلة، والعبادة ثقيلة، والله المستعان. قال الإمام الترمذي: وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، معروف. محمد بن بشار الملقب ببندار، وهو إمام ثقة. قال: حدثنا أبو داود، وهو الطيالسي، ثقة حافظ. قال: عن زهير، يعني ابن محمد، عن أبي إسحاق. وأبو إسحاق هو السبيعي، عمر بن عبد الله السبيعي، من همدان، ووثقة، مكثر، عابد. ويقول شعبة: كفيتكم تدليس ثلاثة، وكان مدلسًا، هذا أبو إسحاق. وإذا روى عنه شعبة فخذ به، لأنه قد أخبره بما دلس وما لم يدلس فيه من الحديث. قال: عن سعيد بن عياض، وصوابه لمن عنده سعيد، ما أدري، بعض النسخ ربما يوجد سعد. صوابه: سعد بن عياض، فليس أحد في التقريب باسم سعيد بن عياض، وإنما هو سعد بن عياض، وهو الثمالي، صدوق، وله رواية مرسلة، كما قال الحافظ في التقريب. قال: عن ابن مسعود، وهو عبد الله، أبو عبد الرحمن. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع. قال: وسم في الذراع، وكان يرى أن اليهود سموه. اليهود عليهم لعنة الله، أرادوا أن يتخلصوا من النبي صلى الله عليه وسلم. وفي بعض الروايات، كما في الصحيح، أن المَرأة، مرأة يهودية، هي التي سمته. ولما رفع الذراع ونهش منه، أخبره الله عز وجل وأطلعه أن هذا الذراع مسموم. فأتي بتلك المراة التي سمت ذلك الذراع، فقال: «ما حملك على هذا؟» قالت: أردنا أن نعرف، إن كنت كاذبًا استرحنا منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك. قال: فعفى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وحدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، وهو ثقة مأمون مكثر، عن أبان بن زيد، من عنده أبان بن زيد يصوبه إلى أبان بن يزيد، وهو العطار. أبان بن يزيد وهو ثقة، له أفراد. قال: عن قتادة، وهو ابن دعامة السدوسي، قال: عن شهر بن حوشب، وشهر ضعيف، عن أبي عبيد، وهو مولى لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: تبخت للنبي صلى الله عليه وسلم قدرًا، وقد كان يعجبه الذراع، فناولته الذراع. ثم قال: ناولني الذراع، فناولته. ثم قال: ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله، وكم للشاة من ذراع؟ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَكَتَّ لَأَوْلتَنِي بِذِرَاعٍ مَا دَعَوْتُوا». وهذا الحديث، وإن كان في إسناده شهر بن حوشب، لكن صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في مختصر الشمائل برقم 143. وفي هذا معجزة لنبينا صلى الله عليه وسلم، حيث أنه قال لذلك الرجل: ناولني الذراع، فناوله. ثم قال: ناولني الذراع، فناوله. يعني كم مرة؟ مرتين. ثم قال له: ناولني الذراع. وكان الرجل في أول مرة يناول، ثم لما تكلم قال: وكم للشاة من ذراع يا رسول الله؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لو سكتّ، أي ما تكلمت بهذا، لناولتني الذراع ما دعوت، أي ما قلت لك: ناولني الذراع». حتى لو قال له خمس مرات أو ستًا أو عشر مرات، ليكون في ذلك من معجزاته صلى الله عليه وسلم، حيث أنه كذا عليه الصلاة والسلام. قد أوتي مثلها وأعظم منها، فقد كان يدعو في الطعام القليل ويضع يده عليه، فيبارك الله في الطعام القليل فيصير كثيرًا. وقصة جابر حيث مات والده وترك دينًا، وكان معه تمر قليل، فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن أبي مات وترك دينًا، وليس معي إلا هذا التمر، والغرماء يطلبون الدين. فالنبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى ذلك المكان الذي فيه التمر، ووضع يده، ودعا بالبركة، وقال: يا جابر، قل لهم يأتون ويكيلون. فجاءوا جميعًا، وفي نظر الناظر أن هذا لا يفي بالغرض، يعني لا يفي بالدين، التمر قليل والدين كثير. قال: فكل واحد منهم أخذ يغرف، يعني من ذلك التمر، وقضى دينه رضي الله عنه، والتمر كما هو، وفضلت فضلة، كما قال جابر رضي الله تعالى عنه. وقصة كذلك أم سليم لما صنعت الطعام، وقصة جابر الأخرى أيضًا في صنع الطعام في غزوة الخندق، يعني في حفر الخندق، وكيف بارك الله في الطعام. وأيضًا بركة النبي صلى الله عليه وسلم في الماء القليل، يبارك الله فيه فيكون ماء كثيرًا، ويسقي مئات، يسقي جيشًا كاملًا، ويحملون في أزودتهم. فهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم التي يجب الإيمان بها. قال: وحدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، وهو وثيق، قال: حدثنا يحيى بن عباد، وهو صدوق، قال: عن فليح بن سليمان، صدوق كثير الخطأ، قال: حدثني رجل من بني عباد، يقال له عبد الوهاب بن يحيى بن عباد، وعبد الوهاب مقبول، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان لا يجد اللحم إلا غبًا، وكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجًا. وكان يعجل إليها، يعني الضمير عائد إلى الذراع، يعني إذا قربت إليه مباشرة يأخذها عليه الصلاة والسلام، لأنها أعجلها نضجًا، أي هي تنضج بسرعة. هنا عائشة في هذا الحديث تنفي أن تكون الذراع أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقدم معنا في الأحاديث التي في الصحيحين وغير الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام كان يحب الذراع. لكن هذا الحديث ضعيف، لا يقاوم ما في الصحيحين. لهذا ضعفه العلامة الألباني رحمه الله، كما في مختصر الشمائل برقم مائة وأربعة وأربعين. وقوله هنا: أنه كان لا يجدوا اللحم إلا غبًا، المراد أنهم ما كانوا يستديمون اللحم، يعني أحيانًا يجدون وأحيانًا لا يجدون. قال في المجمع: لا يأكلون اللحم إلا غبًا، أي لا يديمون أكله. وهو في أوراد الإبل أن تشرب يومًا وتدع يومًا. في أوراد الإبل، المراد به إذا وردت الإبل الماء، فالإبل إذا وردت الماء ما تشرب يوميًا ولو كان الماء موجودًا، إنما تشرب يومًا وتترك يومًا آخر. قاله في غيره: أن تفعل الشيء يومًا وتدع أيامًا. وأكد الزيارة: تزر غبًا، أنت تزر أخاك أو أقرباءك غبًا، لا تكثر الزيارة يوميًا، تذهب إلى أصدقائك يوميًا أو إلى أقربائك يوميًا، حاول أن لا تكون ثقيلًا على الناس، وإنما تزر غبًا، كما قالوا: زر غبًا تزدد حبًا. زر غبًا تزدد حبًا، أي أنك لا تديم الزيارة، وإنما بين الفترة والفترة، حتى يشتاقوا إليك، ولو كنت محبوبًا إليهم. قال: وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وينبغي، يعني هذه فائدة ذكرها ابن القيم، في أن العرب، في أن العرب ربما كان بعضهم عنده الغنم الكثير، ولكنه ما كان يأكل اللحم يوميًا، وإنما كانوا بعد فترة من الفترات، فكانوا يأكلون اللحم بين الحين والآخر. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وينبغي أن لا يداوم على أكل اللحم، فإنه يورث الأمراض الدموية والامتلائية والحميات الحادة. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر. ذكره مالك في الموطأ. أي كما أن الخمر له نشوة وسكر وضراوة، كذلك الخمر، اللحم، من أكثر منه، فإن له ضراوة في البدن، وربما تورثه أمراضًا، فيحاول يعدل تارة باللحم وتارة بالسمك وتارة بغيرهما. ذكره مالك في الموطأ، أي عن عمر رضي الله عنه. وقال أبو قراط، وأبو قراط من الأطباء اليونانيين: لا تجعلوا أجوافكم مقبرة للحيوان. لا تجعلوا أجوافكم مقبرة للحيوان. ففي هذا من باب الطب أيضًا أن لا يداوم على أكل اللحم، فهو مفيد في وقته، أو إذا اشتاق إليه يكون أنفع، إذا احتاج له البدن يكون أنفع. فأخذنا من هذا أيضًا أن من إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحم. قال الترمذي: وحدثنا محمود بن غيلان، وهو ثقة، قال: حدثنا أبو أحمد، وهو الزبيري، قال: حدثنا مسعر، وهو ابن كدام، ثقة ثبت فاضل، قال: سمعت شيخًا من فهم، يقول: سمعت عبد الله بن جعفر، سمعت عبد الله بن جعفر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعبد الله هنا هو ابن جعفر بن أبي طالب. قال: «إن أطيب اللحم لحم الظهر». إن أطيب اللحم لحم الظهر. والحديث ضعفه الألباني برقم مائة وخمسة وأربعين. قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في الزاد: وأفضل اللحم عائذ بالعظم، عائذ بالعظم، يعني ما كان ملتصقًا بالعظم. والأيمن أخف وأجود من الأيسر، والمقدم أفضل من المؤخر. وكان حب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمها، وكل ما علا منه سوى الرأس، سوى الرأس. وكل ما علا من اللحم فهو أفضل. فيكون على هذا لحم الرقبة طيب، ولحم الظهر كذلك، ولحم الذراع، لأن هذا في الأعلى وفي المقدمة، سوى الرأس. لماذا الرأس؟ لأن الرأس قال: يجمع أشياء، فهو ليس بأطيب من ما ذكر. قال: سوى الرأس. قال: كان أخف وأجود مما سفل. وأعطى الفرزق، أو أعطى الفرزق رجلًا يشتري لحمًا، وقال له: خذ المقدم، وإياك والرأس والبطن، فإن الداء فيهما. فإن الداء فيهما، يعني إذا وجد داء، أين يوجد؟ أي مرض يوجد في رأسها، إما في رأسها، وإما في بطنها، ما حوته البطن، فالأمراض توجد فيه لوجود الميكروبات والبكتيريا تتجمع أصلًا في هذا المكان، وكذلك الدود تجده في رأس ماذا؟ في رأس الشاء والغنم. ولهذا يقول له: فإن الداء فيهما. وينبغي أن ينتبه المرء إذا أكل الكرش أو نحوها من حوايا الشاء أن ينتبه، لماذا؟ لما في الداخل، ويصفيهما تصفية يعني بالغة، حتى ماذا؟ وينضجهما أيضًا، ويطهيهما بالماء ونحو ذلك، حتى ماذا؟ تذهب ما بهما من أذى. قال: ولحم العنق جيد لذيذ سريع الهضم خفيف. ولحم الذراع أخف اللحم وألذه وألطفه وأبعده من الأذى وأسرعته انهضامًا. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله. أخذنا من هذه الأحاديث أن أحب اللحم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذراع. قال الترمذي: وحدثنا سفيان بن وكيع، وسفيان ضعف، ضعف بسبب وراق، ووراق كان يكتب له، ولكن الوراق هذا كان غير مأمون، فكان يضحي الأشياء في أحاديثه، فيحدث بها على أنها من أحاديثه، ولهذا ضعف بسبب وراقه. قال: حدثنا زيد بن الحباب، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، قال: عن عبد الله بن مؤمل، وهو ضعيف، عن ابن أبي مليكة، واسمه عبد الله بن عبيد الله، وهو تابعي جليل، روى عن أكثر من ثلاثين من الصحابة، ووثيق، فقيه، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الإدام الخل». وقد تقدم معنى في هذا الباب في الإدام، أن من إدام رسول الله صلى الله عليه وسلم الخل. وتقدم أيضًا منافعه. قال: حدثنا أبو كريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، وهو ثقة حافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، وهو المقر، وقيل أبو بكر اسمه شعبة، وقال شعبة المقر هذا المشهور، ثقة عابد. قال: عن ثابت بن أبي حمزة الثمالي، وهو ضعيف، رافضي، قال: عن الشعبي، واسمه عامر بن شراحيل، عن أم هاني. وأم هاني اسمها فاختة، وقيل هند، وهي ابنة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أم هاني: «قد أجرنا من أجرت يا أم هاني»، وهي أخت علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «عندك شيء؟» فقلت: لا، إلا خبز يابس وخل. فقال: «هاتي، ما أغنى بيت من أدم فيه الخل». والحديث حسنه الألباني برقم 146 في المختصر. قال الجوهري في النهاية: أي ما خلا من الإدام، ولا عدم أهله. الأدم، والقفار: الطعام بلا أدم. وأغفر الرجل إذا أكل الخبز وحده، من القفر، والقفار: وهي الأرض الخالية التي لا ماء بها. يعني إذا كان معك الخل في البيت فهو إدام. ما أغنى بيت وجد فيه ماذا؟ وجد فيه الخل. يعني لك أن تأتدم به، فإذا كان معك خبز، غمسه في الخل، فهو من الإدام. والنبي صلى الله عليه وسلم مدحه، فقال: «نعم الإدام الخل». فهذا الحديث أيضًا يشهد لما قبله من الأحاديث، في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتدم بما تيسر في بيته عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. شكرًا.