الدرس في شرح مسائل الجاهلية 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ناقش المقطع مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجاهلية في معتقدهم أن الحق يعرف بالكثرة. جاء القرآن بضد ذلك وأوضحه في غير موضع.
يتناول المقطع مفهوم الكثرة والقلة في القرآن والسنة، حيث يبين أن القرآن ينتقد الكثرة التي تكون على الباطل، بينما يمدح القلة التي تكون على الحق. كما يشرح أهمية عدم الاغترار بالكثرة والاعتماد على الدليل في دين الله.
الدعاء بالعصمة والقوة من الله في مواجهة الأعداء، وعدم الركون إلى قوة البشر. التأكيد على الاعتماد على قوة الله تعالى وحده.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ما يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة أن من أكبر قواعدهم الاغترار بالأكثر، ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله، فأتاهم بضد ذلك وأوضحه في غير موضع من القرآن. هذه المسألة الخامسة من المسائل التي خالف نبينا صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية فيها، وهي قولهم أو ما كان في معتقدهم أن الحق إنما يعرف بالجمهرة، يعرف بالأكثرية. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: أن من أكبر قواعدهم أي في باب معرفة الحق من الباطل، ما هي القاعدة في هذا الباب؟ قال: الاغترار بالأكثر، الاغترار من غر فلان فلانا أي خدع به، فهو الاغترار بمعنى الانخداع بالكثرة. فكان مما يمشي عليه أهل الجاهلية في اتباعهم لما يرونه الحق، يرون إلى التبعية، فمن وجدوه أكثر تابعا قالوا: هذا الحق معه، المقياس في معرفة الصواب في معرفة الحق هو بالأعداد والغفرة والجمهرة والكثرة. فقال رحمه الله تعالى: ويحتجون به على صحة الشيء من غير تأمل، من غير تفكر، لكن عندهم الكثرة بحد ذاتها دلالة على الصواب، الكثرة في حد ذاتها دلالة على الصواب. قال: ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله، وهذه المسألة الثانية، لو تلاحظون أن هذه المسألة وهي مسألة خامسة متركبة من أمرين اثنين، وهي من القواعد التي سار عليها أهل الجاهلية، القاعدة الأولى أن الحق يعرف بالكثرة، ويقابله مقابل هذا المعتقد ما كان على خلافه، بأن الباطل عندهم يعرف بقلته، فما كان كثيرا وفيرا فهذا الصواب معه، ومن كان قليلا حقيرا ضعيفا فهذا الباطل معه. فقال رحمه الله تعالى: ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله، على غربته وقلة أهله. وقد أبان القرآن وبين ربنا جل وعلا في القرآن ما يتعلق بهذه المعتقدات التي كان عليها أهل الجاهلية، فقد أخبر ربنا سبحانه وتعالى أن أهل الجاهلية كان هذا معيارهم وهذا مقياسهم في معرفة الحق. قال جل في علاء: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، إذن بماذا استدلوا على أنهم ليسوا من أهل الشقاء وليسوا ممن يعذب عند الله؟ استدلوا بالعزة وأنهم الأكثرية في المال وفي الأولاد وفي التبع، فكان هذا مما سار عليه الأهل الجاهلية أنهم يرون أنفسهم على الحق لأنهم الأكثر. وقالوا: نحن أكثر أموالا وأولادا، وهكذا في قصة صاحب الجنتين، قال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، لما رأى أنه لن يخيبه الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، كان استدلالا على هذه المسألة وعلى صحة مسلكه أنه ماذا؟ أكثر مالا وأعز نفرا. فكان هذا من طبائع ومن اعتقادات أهل الجاهلية، الواحد منهم لو يرى أنه في خضم جماعة وهي قد اشتغرت بالكثرة والعزة والجمهرة والغفرة، دل ذلك على أنه على صواب، ومن كان قليلا فهو على باطل، كما قال المؤلف رحمه الله: ويحتجون على بطلان الشيء بغربته، على بطلان الشيء بغربته. كما قالوا: أبشرا واحدا منا نتبعه إن إذا لفي ضلال وسعر، لماذا ردوا دعوة الأنبياء؟ لما رأوه واحدا، أبشرا منا واحدا نتبعه، هذا ما يمكن أن يكون هذا الواحد هذا الفرد يأتي بالصواب والحق والدين المعظم عند الله، ونحن على خلاف ذلك، فكان هذا معيار أهل الجاهلية والكفار، إذا رأوا من أتاهم بالجموع والكثرة كان الحق معه، ومن كان على حدة على قلة على ضعف على انفراد حكموا عليه بالبطلان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أن من أكبر قواعدهم الاغترار بالأكثر، ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلة أهله. طيب هذا الذي كان عليه أهل الجاهلية، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فآتاهم بضد ذلك، من الذي أتاهم؟ نبينا صلى الله عليه وسلم بما أتاهم، آتاهم بما يخالف هذه القواعد التي ساروا عليها، أبطلها ألغاها عطلها، أتى بما يخالفها عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: فآتاهم بضد ذلك وأوضحه في غير موضع من القرآن، القرآن أيضا تبنى أن ينسف هذه القواعد التي سار عليها أهل الجاهلية، سوى ما كان من الشطر الأول من القاعدة أو الشطر الثاني من القاعدة، فنبينا خالف أهل الجاهلية بذلك، وأخبر عليه الصلاة والسلام على أن الكثرة والقلة ليست لها اعتبار في اتباع الحق، ليس لها اعتبار أبدا. الشرع لا يتعلق بالعدد، لا يتعلق بالوفرة، لا يتعلق بالكثرة، ويتعلق ذلك بالقلة، وإنما الشرع يتعلق باتباع الحق، الشرع يراعي في هذا الباب اتباع الحق، فلو كانت الكثرة على حق فيها محمودة لا للعدد وإنما لاتباع الحق، وإن كانت القلة على الحق فالقول قولها لا لعددها وإنما للحق. فآت الشرع إخواني في الله اعتباره في هذا الباب باتباع الحق، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: فآتاهم بضد ذلك وأوضحه في غير موضع من القرآن. كما قلنا: جاء القرآن بإبطال ذلك، بل أخبر ربنا جل وعلا في مواضع كثيرة من القرآن أن الكثرة مذمومة، غالبا ما تأتي الكثرة في القرآن على صورة الذنب. بل إن الله جل وعلا جعل الضلال والهلاك في الدنيا والآخرة في أكثر الناس، في أكثر الناس. ولهذا تجد في القرآن قول ربنا جل وعلا: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾، دائما تجد أن لفظ الأكثرية في القرآن تأتي على صفة الذنب. بل حق القول على أكثرهم القول من الله جل وعلا في الحكم على الضلال، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، فالقرآن قد بين أن الكثرة غير محمودة، وبالمقابل أخبر القرآن أن القلة تكون كذلك على الحق، قال ربنا جل وعلا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾، الذي يأتي العمل الصالح وهم الطبقة التي يحبها الله ويرضاها في هذه المجتمعات في مجتمعات الدنيا هم القلة من كان على هذا الصنف. وقال جل في علاه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، القليل ممن تميز بدرجة الشكر لله جل وعلا. فانظر يا عبد الله كيف كانت اعتقادات الكافرين وكيف بعقيدة أهل الإسلام التي أراد الله جل وعلا من المسلمين أن يعتنقوها، أهل الجاهلية يعتقدون أن الكثرة هم دائما على صواب، فأبطل ربنا ذلك في القرآن وأخبر أن غالب الناس وأكثر الناس ممن حقت عليهم الضلالة. وأن أهل الجاهلية كانوا يرون أن القلة دليل على بطلان الشيء، فجاء القرآن وأخبر أن القلة بل دلالة على الفلاح، وأن أقل الناس من يوفق إلى الحق، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وهكذا في السنة النبوية، نبينا صلوات ربي وسلام عليه عندما جاء للكفار جاء كذلك لإبطال هذه العقيدة وهذه القاعدة التي سار عليها الكفار، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الكثرة تأتي غالبا ما تأتي للذنب. ومن ذلك ما حدث عنه عليه الصلاة والسلام في حديث الافتراق، ويقول عليه الصلاة والسلام: «ستفترق وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، فما هو الفكر الصحيح؟ ثلاث وسبعين فرقة أيما على حق؟ قال النبي: كلها في النار إلا واحدة»، وهذا نسف لتلكم القاعدة التي سار عليها أهل الجاهلية الذي قد عودوا أنفسهم واطنوها على أن الغالب والكثر هو الذي يصل إلى الحق. فأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن كلهم في النار إلا واحدة وهم القلة، وهكذا ما جاء في الصحيح من حيث ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: «بأن النبي يأتي يوم القيامة يأتي، قال: نبي عرضت علي الأمم، فيأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه الرجل والرجلان، ويأتي النبي وليس معه أحد، ليس معه أحد»، هذا نبي من أنبياء الله، نبي من أنبياء الله وليس معه أحد ومع ذلك يبعث عند رب العالمين، فليس في ذلك عار وليس في ذلك شنار وليس في ذلك منقصة في حق نبي من أنبياء الله إذا جاء خال الوفاض ما عنده أحد من الأتباع. لماذا؟ كل ذلك دلالة على أن الذي يريده الله جل وعلا من العباد أن يصلوا إلى الحق سواء كانوا على قلة أو كانوا على كثرة، فالقلة والكثرة ليست لها معيار في دين الله جل وعلا. فهذا قوله رحمه الله تعالى: فأتاهم بضد ذلك وأوضحه في غير موضع من القرآن. وهنا إخواني في الله تأتي مسائل مهمة تستفاد من هذه الفقرة، الفائدة الأولى نستفيد إخوانة في الله على أن العبرة في دين الله ليست بالقلة ولا بالكثرة، وإنما العبرة باتباع الحق، فلا يأتي أحد لأن بعض الناس قد تسرب إلى ذهنه وقبل ذلك تسلسل إلى قلبه ما اعتقده الكثرة والوفرة، فيرى أن الكثرة لا بد منها. فتجد من الناس من ينشغل باجتماع الوفود واجماع الحشود، يجمع ويجمع ويجمع، ويجعل أن باجتماع أتباعه وكثرة أنصاره دلالة على أنه الحق. ولهذا إذا نوقش مثل مبطل من المبطلين نوقش في مسألة هو عليها من الضلال والهلاكة، أعظم ما كان يلوح به في مناظرته ومجادلته وفي ردي على مناوئيه أنه يرفع شعار الكثرة، يقول: انظر من تخاطب، أن لست وحدي، انظر من معي، أمم من الناس، أمم من الناس. إذا أنت ستضللني ستضلل هؤلاء، فيحتج ويركن ويتكل على عدده وعلى كثرته. وهذا المتواجد عنده كثير من فرق الضلال، تجد بعض الناس ممن ربما لا زالت في أفكاره أفكار الجاهلية وأعمال الجاهلية، من الذبح لغير الله والنذر لغير الله ومن التعبيد لغير الله جل وعلا من الأنداد والطواغيط، من القبور والأولياء، ويفعل مثل تلكم المزارات والزيارات الشركية الكفرية، والتصف فيها الطاعات لغير الله جل وعلا. فمن أمثال هؤلاء إذا نوقش وإذا خطئ على في مسلكه، أعظم ما يستدل به في إبراز حجته يقول: انظر من معي، انظر هذه البعثات، انظر هذه الوفود، انظر إلى هذه الحشود، انظر إلى هذه الآلاف المؤلفة التي قدمت من كل حد وصوب، ثم تنكر علينا، ما أظنك منصفا، ما أظنك منصفا. ثم بعد ذلك يأتي بالشطر الثاني، يقول: وأنت من معك حتى تنكر علي؟ أنتم من أنتم؟ انظر من رعاع من الناس، قلة في المجتمع، وما عندكم صولة ولا جولة، ثم تنكر علينا. فأصبح هذا الأمر إخواني في الله العبرة عند بعض الناس أنهم يعتبرون بالقلة والكثرة. حتى سمعنا من بعض الأشاعرة كان إذا يحتج على صحة مذهبه وعلى صحة مسلكه أنه يقول: نحن الأكثر في هذه الأزمان، نحن الأكثر في هذه الأزمان. هذا قالها الأشاعرة، يقول: إنما كان أهل السنة يناقشونهم ويجادلونهم في مسائل الدين، فكان الأشعري وما كان على فلكهم يسبح، يقول: نحن أكثر الناس في المجتمعات، انظر من في المجتمعات المعاصرة، الكل أو الأكثر يعتنق مذهب الأشاعرة، كفانا هذا حقا. لا يا عبد الله من يقول بهذا؟ هذا مسلك أهل الجاهلية، الاعتماد والركون والاتكاء على الأكثر، هذا من مسلك الجاهلية، وإن من يعرف في دين الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، عليك أن تأتي بالدليل، تأتي بالبرهان الذي يدل على صحة ما أنت عليه، أما الكثرة والوفرة والجمهرة فهذا ليس لها معيار في دين الله جل وعلا. المسألة الثانية مما يستفاد من هذا الحديث، الأولى: عدم الاعتبار بالكثرة والوفرة، الثانية: عدم الاغترار بالكثرة والوفرة، الأولى: عدم الاعتبار، الثانية: عدم الاغترار، ما الفرق بين الأولى والثانية؟ الأولى: أن بعض الناس يحاول أنه بنفسه يجمع، يجمع، يجمع، هنا وهناك من كل موقوذة ونطيحة وما أكل السبع، يجمعه في جماعة وفي فرقة حتى ماذا؟ يحتاج بالجموع والحشود. لكن الثاني: أن بعض الناس لربما الناس هي تتجمع له، هي نفسه تتجمع له، فإذا تجمعت له لربما اغتر بها، اغتر بها هو لم يجمعها، يقول: أنا ما جمعت، الحمد لله جاء لي القبول لفكرتي أو جاء لي القبول لجماعتي ومذهبي، فجمعت وما تجمعت هذا الوفود إلا لأني على الحق، فيغتر بها، يغتر بها. إذن الأولى: عدم الاعتبار بالكثرة والوفرة، والثاني: إذا تجمعت لك الوفود والأعداد الغفيرة يا عبد الله فلا تغتر بها، لا تغتر بها، لأن الاغترار بالكثرة يقطعك عن الله جل وعلا، يجعلك بمعزل عن الله، يجعلك تتكئ على كثرتك، تتكئ على عددك وعلى قوتك. ولنا عبر إخواني في الله بما وقع يوم حنين، ويوم حنين إذا عجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين. في يوم حنين إخواني في الله كان عدد الكفار من قبائل العربي أربعة آلاف، وبالمقابل كان أهل الإسلام إثنى عشر ألفا، كثرة أضعاف مضاعفة، الكفار بأربعة آلاف، وكان أهل الإسلام بإثنى عشر ألفا مقاتل من الصحابة رضي الله تعالى ومن مسلمة الفتح. فحتى قال من قال منهم: أعجب بالكثرة، قال: لن نغلب اليوم من قلة، لن نغلب اليوم من قلة، الركون إلى الكثرة، العجب بالكثرة، ثم كان الأمر ما كان، قال: ثم وليتم مدبرين. وهكذا كذلك يؤيد هذا المعنى عدم الاغترار وعدم العجب بالكثرة، يا عبد الله لربما ينعكس أمره، ينعكس أمره، لأن الله جل وعلا يرى أن الذي يتكىء على الكثرة أنه ما اعتمد عليه جل في علاه، وإنما اعتمد على من حوله من أنصار من أعوان من حشود ومن حفود. فلهذا ربنا يجعل من أمثال هؤلاء من يصرف إلى ما اتكىء عليه، وحينها من صرف إلى من اتكل عليه فمن ذا الذي ينصره من دون الله جل في علاه؟ ثم في مسند الإمام أحمد من حيث إمام أحمد من طريق وكيع رحمه الله تعالى عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «أنهم كانوا يرون رسول الله يتمتم ببعض الكلمات يتمتم ببعض الكلمات، لكنهم ما يسمعوها»، في رواية: «أن هذه الكلمات التي كان يتمتم بها نبينا كانت في أيام يوم حنين». فسأله الصحابة: ما سر هذه التمتمة؟ وماذا تقول فيها؟ فقال لهم نبينا: «أفطنتم لي؟ يعني هل تنبهتم لحركة اللسان والشفاه؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فقال نبينا: ذكرت نبيا من الأنبياء ممن كانوا قبلي أعجب بأمته أعجب بأمته، عنده عدد، في رواية: أعجب بجنوده، عنده جنود كثرة عزة منعة قوة». وفي رواية قال: «هذا النبي من شدة إعجابه بأمته ولجنوده قال: من لهؤلاء من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن اختر، أن اختر لأمتك إحدى ثلاث: إما أن أصلط عليهم عدوا، وإما الجوع، وإما الموت»، أنظر البلاء من الله جل وعلا، اختر لأمتك إحدى ثلاث: إما أن أصلط عليهم عدوا، وإما الجوع، وإما الموت. فخرج هذا النبي على أمته وأخبرهم بخبر الرب جل وعلا وأنه قد خيرني فيكم بإحدى ثلاث، ما تختارون؟ فقالوا: أنت نبي الله واختر لنا، رضينا بحكمك. فقال: هذا النبي ودعا ربه جل وعلا، ثم قام إلى الصلاة ودعا الله، فقال: يا رب، أما القتل أنك تصلط عليهم عدوا من غيرهم فيقتلوا، أما القتل فلا، ما أرضى بهذا، وأما الجوع أن يصابوا بمخمصة وبجوع فيقتلوا، قالوا: أما الجوع فلا. فاختار الموت، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «فصلط الله على قومه الموت لمدة ثلاثة أيام، فمات من قومه سبعون ألفا»، فمات من قومه سبعون ألفا. والحديث ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين. فانظر يا عبد الله واعتبر بهذا، اعتبر يا عبد الله بهذا، أعجب بأمته، من لهؤلاء من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن اختر إحدى ثلاث: إما الموت، إما القتل، إما الجوع، إذا كان هذا يا عبد الله بلى أنزله الله في حق نبيه من أنبياء الله، فما ظنك يا عبد الله بمن دونه من بعض الجماعات من بعض الزعماء من بعض من لربما يركان يقول: انظر من معي، معي هذه المسيرة المليونية خرجت من كل حد وصوبها، هل نحن على ضلال؟ هل نحن على هلك؟ من أمثالنا؟ لا يا عبد الله، لا تجنح لهذا، لا تركن إلى العدد، وإنما عليك أن تعرف ماذا؟ بضعفك. ولهذا ثم قال نبي لما أورد هذه القصة قال: «اللهم بك أعصم، اللهم بك أقاتل، ولا حول ولا قوة إلا بك»، تجعل حولك تجعل قوتك يا عبد الله معتمد من قوة الله جل وعلا، لا تركن لأحد من البشر، وللأحد من خلق الله، ماذا بديه؟ فإن ذلك مما يذن عليه فاعله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.