الدرس في شرح مسائل الجاهلية 38، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يحذر من تصنيف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله كما فعل أهل الكتاب، ويشرح كيفية تحريفهم للكتب المنزلة. هذا التحذير يستند إلى قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
المقطع يشرح كيف قام أهل الكتاب بتحريف كتبهم السماوية ودسوا فيها ما ليس منها، وألفوا كتبا أخرى ونسبوها إلى الله. كما سلك بعض أفراد الأمة الإسلامية نفس المسلك، مثل الروافض والدروز والنصيرية.
المقطع يتحدث عن ظاهرة تأليف الكتب ونسبة أقوال وأحكام إلى الله ورسوله دون وجه حق، ويحذر من خطورتها ويبين أنها من خصال أهل الجاهلية واليهود والنصارى. يستشهد بالآية القرآنية ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن شاء الله تنبيه لإخواننا وإعلان كذلك عن كلمة لبعض إخواننا من طالبة العلم، هو الأخ ياسر حفظه الله تعالى، في هذا المسجد بعد صلاة المغرب، كلمة إن شاء الله في هذا المسجد بعد صلاة المغرب. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: السابعة والعشرون تصنيف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله، كقوله ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. هذه الفقرة، إخواني في الله، فيها بيان لخصلة اتصف بها أهل الكتاب خاصة، وهو ما يكون من تصنيفهم للكتب، والتصنيف بمعنى التأليف، صنف أي ألف. تصنيف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله، النسبة هنا بمعنى الإضافة، أي تضاف هذه الكتب إلى الله سبحانه وتعالى. قال: تصنيف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله، واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بوجود هذه الخصلة والتحذير منها، ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾، هذه كلمة مشهورة، وهي تدل على الدعاء بالهلاك والدمار، كلمة زجر فيها الدعاء بالهلاك والدمار. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾، أي يكتبون الكتب بأيديهم، ثم يقولون: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، تمام الآية: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. ذكر العلماء أن أهل الكتاب كانوا يكتبون مثل هذه الكتب وينسبونها إلى الله سبحانه وتعالى كذبًا وزورًا وبغيًا وافتراءً، لكي ينالوا به حظ الدنيا من أموال. وهذا إنما يمرر على السذج من الناس، لا شك أن الكتاب ترتفع قيمته إلى من نُسبت إليه. فإن قيل: هذا الكتاب من تأليف ذلك العالم النحرير، هرع الناس إلى شراء الكتاب. فما ظنك إذا قيل: إن هذا الكتاب هو من عند الله؟ فالناس يعظمون ما جاء من الله سبحانه وتعالى. وكان هذا كثيرًا ما يمرر على العرب، العرب كانوا يعظمون أهل الكتاب بحجة أنهم أصحاب دين، فكانوا يعظمونهم ويعظمون ما يأتي من عندهم. فكان الكتابيون من علماء اليهود وغيرهم من النصارى يأتون مثل هذه الكتب التي تُنسب إلى الله، ثم يبيعونها للناس، وخاصة من العرب، فكان العرب يشترونها ويقتنونها على أنها من عند الله سبحانه وتعالى. فكان أهل الكتاب يزدادون مالًا وتجارة وثراءً لهذا البيع الذي باعوا به كلام الله جل وعلا افتراءً، بثمن بخس. وقول المؤلف رحمه الله تعالى: التصنيف الكتب الباطلة، التصنيف الذي وقع من أهل الكتاب كان على صورتين اثنتين. الصورة الأولى: أنهم لربما جاءوا إلى الكتب المنزلة، جاءوا إلى كتب منزلة كالتوراة والإنجيل، وأضافوا إليها زيادات، أضافوا فيها أحكامًا وأخبارًا وروايات وقصصًا، أضافوها من عندهم، ثم أوهموا الناس أن هذه الزيادة هي من التوراة، أن هذه الزيادة هي من الإنجيل، ليس من صنع أيدينا. فهذا من تحريفهم لكتاب الله ولكلام الله، وهذا يدخل في التحريف اللفظي. وقد مر ذلك معنا، التحريف اللفظي، تارة يكون بتغيير، وتارة يكون بزيادة، وتارة يكون بنقصان. فهم يزيدون أقوالًا من عند أنفسهم ويقحمونها داخل التوراة وداخل الإنجيل عند النسخ. ثم يخرجون للنسخ: لهذا هو الإنجيل الذي جاء من عند الله، وهو كله كذب. هذا يعتبر، كما قال المؤلف، من النسبة التي اخترعته أيديهم إلى الله سبحانه وتعالى. النسبة الثانية، أو التصنيف الثاني: وهو أنهم يؤلفون كتبًا مستقلة، ويوهمون الناس أن هذه الكتب هي من عند الله عز وجل، وتكون هذه الكتب باعتبار أنها شارحة، فيها شرح، فيها بيان للتوراة أو بيان لأقوال موسى عليه السلام، فيجعلون هذه الكتب من الكتب المقدسة المنزلة من عند الله عز وجل. ويقولون: هذه الكتب من عند الله، فيها بيان ربنا سبحانه وتعالى، أحكام التوراة، وأحكام موسى. وإن كانوا نصارى، قالوا: أحكام الإنجيل، وأحكام عيسى. فهذه صورة، وهذه صورة، وكل ذلك قد يدخل في التحريم، وهم محرمون، ووقع فيه أهل الكتاب. أهل الكتاب قد تلبسوا بهذين الأمرين، فمثلًا اليهود، اليهود دسوا في التوراة ما ليس فيها، ذكروا أقوال الحاخامات الكبراء والعظماء، وأدخلوها في التوراة، وأباحوها للناس، حتى من قرأها من اليهود ظن أن هذا الكلام كله قد نزل على موسى، وليس كذلك. وهذا يدخل في هذه الآية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وأيضًا اليهود وقعوا في هذا الصنف، وقعوا في صنف ثاني، وهو التحريف الثاني، وهو أنهم ألفوا كتبًا غير التوراة، وزعموا للناس أن هذا من عند الله. كما يسمى هذه الأيام، وهو عندهم لا زال، مثل الكتاب الزمارة، الزمارة، وهكذا الشنة أو المشنة، هذه كتب موجودة عند اليهود الآن، وهذه الآن مجعولة جعلت تبع للتلمود، وهي تعاليم الكبراء، جعل هذا قسم من قسم التلمود، ويحون لأتباعهم أن هذه كتب منزلة، أن هذه كتب منزلة، وفيها شرح للتوراة وشرح لأقوال موسى عليه السلام. ولهذا هم يعاملونها على أنها كتب منزلة، فيجعلون لها القداسة كما للتوراة، مع أنها كتب قد سطرها علماؤهم، لكن يزعمون أن هذه من عند الله عز وجل. فهذه الصورة الثانية. إذن اليهود وقعوا في الصورة الأولى: أنهم دسوا في كتاب الله، أي في التوراة، ما ليس فيه، وهذا من هذا الأمر. والأمر الثاني: أنهم ألفوا كتبًا خاصة منفصلة مستقلة، ونسبوها كذلك إلى الله سبحانه وتعالى. قال: تصنيف الكتب الباطلة ونسبتها إلى الله. وهذا الفعل، إخواني في الله، كذلك درج عليه النصارى، ومشى كذلك عليه أمم من أهل الكفر. كما يحكى عن جنكيز خان أنه عندما ألف الياسق، كان أتباعه يتعاملون مع الياسق على أنه كتاب مقدس، على أنه كتاب مقدس، كتاب معصوم. وللأسف، إخواني في الله، أن نجد أن من أمثال هذه الظاهرة أنها تسربت حتى وصلت إلى هذه الأمة. وجد من هذه الأمة من يأتي ويؤلف الكتب والمصنفات، وينسبها إلى الله سبحانه وتعالى. مثال الأمر الأول: كون واحد من الناس يأتي ويدس في القرآن، في نفس القرآن، ويقول: هذا من عند الله. ما أحد استطاع لذلك، لأن الله جل وعلا قد تكفل بحفظه. نعم، هناك محاولات إلى طبع القرآن وفيه بعض الدسائس، حتى يوحى أن هذا من عند الله، فما استطاع أحد. لكن بعضهم حاول أن يضاهئ كلام الله، أن يضاهي القرآن، يضاهي مثل ما فعلت الروافض -أخزاهم الله- عندما يسمى بقرآن فاطمة. فذكروا أن قرآن فاطمة هذا القرآن هو منزّل عند الله جل وعلا، وأن فيه سورًا، وفيه آيات كثيرة لم توجد في هذا القرآن الذي بين أيدينا. ومن هذه الآيات الشهيرة ما تسمى بسورة الولاية، وهناك سورة النورين. ومن قرأ في هذه السور يرى الأعجب، يرى اللحن الفاحش، كذلك ركاكة اللفظ، لا يقوله عربي فصيح، فضلا أن ينسب إلى الله سبحانه وتعالى. وقد ألفت بعض الكتب وذكروا هذه مثل السور. وأذكر ما يذكر في سورة ما تسمى بسورة الولاية، الذي يقولون أن في مطلعها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِالنَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ وَالَّذَيْنِ بَعَثْنَاهُمَا يَهْدِيَانِكُمْ إِلَى صِرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، نَبِيٌّ وَوَلِيٌّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَنَا الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. صورة صفحة كاملة. أما سورة النورين: صفحتين أو ثلاث بهذا الركاكة العظيمة. فهذا كفر بالله سبحانه وتعالى، افتراء على الله عز وجل. وهكذا على دربهم الدروز والنصيرية، هم كذلك حاولوا أن يضاهئوا القرآن، فأتوا ببعض الآيات فيها السجع، وفيها قافية، وفيها كذلك أوزان على إثر القرآن، على أن هذه من الآيات التي أنزلها ربنا جل وعلا. فهذه صورة من وقوع بعض أفراد الأمة بهذا النوع من الدس في كتاب الله، لكن في أصل القرآن ما استطاعها أحد، وهذا ما يفعله إلا القلة، وأمرهم قد اكتشف. الأمر الثاني، الصورة الثانية: وهو أن تجد من المسلمين من يؤلف الأشياء، ثم ينسبها إلى الله جل وعلا. فهذا كثير، هذا كثير. من تأمل إلى أهل البدع وإلى فرق الضلال، يجد هذه التصانيف. مع العلم أن العلماء في الصدر الأول كانوا من أبعد الناس عن التصانيف، حاول الرعيل الأول أن لا يصنفوا شيئًا، حرصًا منهم على بقاء العلم في الصدور، في الصدور، فلا يكون في الأيدي، فيقع فيه التلاعب. لكن جاءت الحاجة إلى التصنيف والمصنفات، فصنفوا. وكانت أوائل الكتب التي صنفت متعلقة بذكر الآثار والأخبار عن نبينا، وعن الصحابة. وهذا كان منهم حرص على بقاء الرابطة بين الناس وبين سلفهم الصالح. ثم توسع العلماء في التصانيف، ولكن لم تخرج عن هذا الهدف، هدفهم هو فهم معاني القرآن، وفهم معاني السنة. حتى جاءت الخلوف من أهل البدع الذين صنفوا المصنفات، فدسوا فيها السموم، ودسوا فيها البدع، من اعتقادات الفاسدة. وأعظم من ذلك، وأشنع: أن هذه البدع والمحدثات والضلالات أنهم نسبوها إلى الله جل وعلا. ومن أعظم هؤلاء من فسر القرآن من أهل التفسير، تجد بعض الناس يتصدر هذا التصنيف على أنه سيفسر كلام الله، ويحكي للناس مراد الله سبحانه وتعالى. فإذا بهم يدسون البدع، تجد أحدًا ملوثًا بلوثة التجسيم، فيأتي إلى باب الأسماء والصفات، فيثبت ماذا؟ التشبيه، كما فعل مقاتل في تفسيره، جعل آيات الصفات كلها تمثيل وتشبيه لله عز وجل، ويقول: هذا هو مراد الله من هذه الآيات. وآخر معتزلي، وآخر أشعري، كل يأتي ويفسر القرآن، ويفسر كلام الله على مراد، ويقول: هذا مراد الله، هذا حكم الله، هذا هو أمر الله سبحانه وتعالى. فلهم حظ من هذا الوعيد الشديد. وهكذا فخر الدين الرازي، الذي كما قيل في وصفه، وفي تفسيره: أنه فسر كل شيء إلا التفسير، فسر كل شيء، دخل في جميع العلوم، الصناعات والاختراعات، وفي الطب، وفي علم الإنسان، حتى دخل في علم النجوم وعلم الأفلاك، فلح في كل باب، إلا التفسير، فما فلح فيه. وقد كان العلماء يحذرون من كتبه، يحذرون من كتبه، لماذا؟ لأنه في هذه الاعتقادات الباطلة، وينسبها إلى الله سبحانه وتعالى. ولزال علماء حتى في هذه الأزمان والأعصار يشددون النكير على من تصدر التفسير، ثم يحمل كلام الله على غير مراده، وإنما على هواه، وعلى مشتهه، وعلى بدعة هو أرادها. وهكذا، عباد الله، يدخل في هذا الباب ما يكون من إدخال الأحاديث الموضوعة، فإنه من هذا الباب، إذا تجرأ ناس من الناس، فيأتي بكلام من عند رأسه، أو يأتي بكلام من جيبه، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، افتراءً على النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كذلك من هذا الباب، هذا تصحيف، تحريف، أنك تأتي بكلام من عندك يا عبد الله، وتنسبه لرسول الله، هذه النسبة إلى الشريعة، والنبي بريء من ذلك. وهكذا، وقد شدد العلماء على فاعل هذه الفعلة. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه قد فعل كبيرة من كبائر الذنوب، بينما الجويني رحمه الله تعالى حكم عليه بالكفر، أن الوضاع الذي يكذب في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا كافر، لأنه استحل الكذب والافتراء على الله وعلى رسوله عليه الصلاة والسلام. وأكد قسّي عبد الله: يدخل في هذه الصورة صور كثيرة، في أن من يفتري حكمًا من عند نفسه، ثم يقول: هذا حكم الله، فهذا قد أعظم الفرية على الله سبحانه وتعالى، أعظم الفرية على الله سبحانه وتعالى. فالشاهد، إخواني في الله، أن من خصال أهل الجاهلية، ومن كان قبلهم من اليهود والنصارى، أنهم كانوا يصنفون الكتب، ويدخل في ذلك الأحكام، ويدخل في ذلك الأقوال، ثم ينسبونها إلى الله. ومهما أعظم من ذلك: ينسبون إلى الشرع، إلى الله ورسوله. كل ذلك يدخل في هذا الوعيد: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.