الدرس في شرح مسائل الجاهلية 102، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الكلام بذكر الخصلة السادسة والتسعون من كتاب المؤلف، وهي الافتخار بولاية البيت الحرام، حيث كانت قريش تفتخر بخدمتها للبيت الحرام. كانت هذه الخدمة سبباً لتكبرهم وذمهم من قبل الله تعالى.
يُناقش المقطع خطأ افتخار عمار البيت الحرام على غيرهم، ويُبين أن العبادات ليست محلًا للتمدح أو التطاول على الآخرين. العبادة الحقة هي وسيلة للتقرب إلى الله تعالى وليست للفخر.
ينصح الخطيب بالابتعاد عن الافتخار بالعمل الصالح ويحث على الاستمرار في فعل الأعمال الصالحة الأخرى. يحذر من الاكتفاء بعمل واحد والتوقف عن غيره، مؤكداً أهمية التنوع في الأعمال الصالحة.
يختتم المتحدث الموضوع مؤكداً أن التوفيق إلى عمل صالح لا يعني التهاون في باقي أمور الدين. ثم يدعو الله أن ينفع بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة والتسعون: الافتخار بولاية البيت، فذمهم الله بقوله: ﴿مستكبرين به سامرًا تهجرون﴾. هذه الخصلة، إخوانا في الله، لها شبه بما مضى من حيث الجملة، وتفترق عنها من حيث التفصيل. فقوله رحمه الله تعالى: الافتخار بولاية البيت، الافتخار قد مر معنا، وهو المباهاة في الشيء. ويكون ذلك لأمر خارجي عن الإنسان، بمال وجاه، افتخر بماله، أي باهى بماله وتباهى به. وقوله رحمه الله تعالى: الافتخار بولاية البيت، البيت هنا الذي يعنيه المؤلف رحمه الله تعالى هو البيت الحرام. إذن، هذه المسألة لو تلاحظ أنها لا تعم جميع أهل الجاهلية، وإنما هي خاصة بأهل قريش؛ لأن من هذا الذي يفتخر بولاية البيت هم أهل قريش؛ لأن هذه الولاية إنما آلت إليهم من بين العرب. قال رحمه الله تعالى: الافتخار بولاية البيت، الولاية يا إخوانا في الله، الولي هو كل من ولي أمرًا، فالولاية بمعنى الإمارة، أي أنهم تأمروا أمر البيت، والمقصود هنا بولاية البيت أي بخدمة البيت. فكانت قريش لها الحظ العظيم في العناية ببيت الله المحرم، من حيث التنظيم، ومن حيث التنظيف والتطهير، ومن حيث سقاية الحجاج إذا قدموا، والرفادة لمن جاء إليهم، وغير ذلك من الخدمات التي كانت قريش تهيئها للحجاج. فكان سمر أهل الجاهلية يسمرون بالكلام القبيح، على ذم القرآن، يسمرون على ذم القرآن بأنه شعر، بأنه كهانة، بأنه اختلاق الأولين، إلى آخر ذلك. هذا الافتخار، إخواني في الله، أوقعهم في أمور، ومن هنا جاء النهي عن ذلك. الأمر الأول: ما ترتب في علاقتهم مع غيرهم، والانتقاد الثاني الذي جر هذا الافتخار إليهم أنهم جنوا على أنفسهم. أما ما يتعلق بجنايتهم على غيرهم، أنهم دخلوا في الفخر، وهو الفخر لا يجوز. أنهم لما كانوا من عمار البيت ومن أهل خدمة البيت، ولا شك أن خدمة البيت عبادة، كون أن الواحد يجند نفسه ليكون من عمار البيت الحرام، حتى من عامة بيوت الله، تقوم بخدمة البيت من بيوت الله جل وعلا، تنظيمًا، ترتيبًا، تنظيفًا، تطهيرًا، هذا يؤجر عليه العبد. قال نبينا: «أن القذاة - الشيء اليسير الذي يرفع من المسجد - صدقة»، وتدخل به الجنة، فضلاً عن ما هو أعظم من ذلك، البيت الحرام، من يقوم به، عمارته، وبتنظيمه، وتنظيفه، لغيره من الناس. الحاصل أن عمارة البيت تعتبر عبادة جليلة، والعبادات إذا علمنا أنها عبادة، ما محل العبادة؟ هل يجوز لأحد من الناس أن يفتخر بعبادة على سائر الناس؟ هذا لا يجوز. العبادات ما جعلها ربنا جل وعلا محلًا للتمدح أو محلًا للتطاول على الآخرين، إنما العبادة إنما شرعت لكي يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى. فإذا وفقت عبد الله إلى عبادة من العبادات، فعليك أن تسأل الله المزيد من فضله، وأن تسأله قبل ذلك الثبات عليه حتى تلقاه أنت على هذا العمل الصالح. أما أنك تتذرع بعمل من الأعمال الصالحة، أنك تترفع على الآخرين، وأنك تحتقر الآخرين بحجة ما وفقت إليه، وليس بيدك، وإنه بتوفيق الله سبحانه وتعالى لك. قال ربنا: «من ذا الذي يتألى علي؟ ألا إني غد غفرت له وأحبطت عملك». هذا حديث قدسي في حق ذاك الرجل الذي مر على أخيه وعلى ذنوب وعلى معاصي، فلم ينزجر، فقال: «لا يغفر الله لك»، فقال ربنا: «من ذا الذي يتألى عليه؟». فلا تفتخر يا عبد الله، وإنما إن رأيت أحدًا من الناس ما عنده عمل صالح، فعليك أن تنظر إليه بنظرة حزن وأسف وأسى، وأنك تود أن الله جل وعلا يجعلهم من المناقب مثل ما جعل لك. «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وفي زيادة من الخير. وأيضًا كذلك المزلة الثانية: أن لا يجعل العمل الصالح الذي أنت وفقت إليه أن يجعلها كذلك تتساهل في العديد من الأعمال الصالحة. تجد أن بعض الناس لربما إذا وفق إلى عمل صالح يركن إليه، فإذا سئل، وإذا طلب، وإذا دعي إلى أن يعمل عملًا آخر خيرًا، يقول: «حسبي ما أنا عليه»، «حسبي ما أنا عليه»، دع هذا ما مهم الشأن يا عبد الله في باب الفلاني، في الخير الفلاني، العمل مندوب، العمل مسنون، العمل المأجور، افعل، انهض. لا يا عبد الله، هذا لا يجوز. لا تجعل أن الله وفقك على عمل صالح أنك تكتفي به عن باقي الأعمال، وإنما المسلم في هذه الدنيا كما قال ربنا جل وعلا آمرًا عباده: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. أنك تتزود بكل عمل صالح تقدر عليه وتستطيع عليه، أنك تحمل من هذا وتحمل من ذاك. هذا إذا كان عملًا صالحًا. يعني هذا يذكرني بهذه المسألة ببعض الناس، وقد مثل شيخ فوزان رحمه الله بمثال بديع: أن بعض الناس ممن يدخل في هذا المثال، ممن لربما يجعل عملًا ليس على عمل يفتخر على لا شيء. مثل ما يمثل سماحته حفظه الله تعالى بمثل الرجل الذي ينام في الحرم، ينام في الحرم، فيقول: «النائم في الحرم أفضل من القائم في غيره». النائم في الحرم رجل يملأ نومه وليله نومًا وسباتًا ينام، فيقول بعضهم من المغرورين أن هذا النوم في الحرم أفضل من القيام في غيره. وهل كون هذا الفعل يا عبد الله يكفيك بأن تترك القيام؟ لا، فكون أن العبد يوفق إلى عمل صالح، إلى مكان صالح، ليس هذا معنى ذريعة في أن يترك باقي الدين أو أن يلتزم بشرائع الدين. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.