شرح أعلام السنة المنشورة  34

شرح أعلام السنة المنشورة 34

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 34، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفاضل أهل الإيمان ودليل ذلك من القرآن

يتناول المقطع تفاضل أهل الإيمان في الإيمان واستدلال المؤلف على ذلك من القرآن الكريم. ذكر الله تعالى في سورة الواقعة منزلتين لأهل الإيمان: السابقون المقربون وأصحاب اليمين، وبيّن جزاء كل منهم في الآخرة.

تفاوت أهل الإيمان في الأجر والدرجات

يتفاوت أهل الإيمان في الأجر على قدر أعمالهم، فمن قام بالواجبات وأتبعها بالنوافل والمستحبات كان أجره أعظم. استدل بقول الله تعالى ﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ على تفاوت أهل الإيمان في الإيمان.

تتمة الكلام عن تفاوت الإيمان بين أهل النجاة

يتناول المقطع شرح تفاوت الإيمان بين أهل النجاة، حيث قسم أهل العلم الناس إلى أصناف مختلفة بناءً على إيمانهم وأعمالهم. استدل على ذلك بآيات وأحاديث نبوية، مشيرًا إلى أن الإيمان يتفاوت بين أهله.

ختام الدرس وطلب الداعي للنفع

يتحدث المقطع عن تفاضل أهل الإيمان في إيمانهم، ويطلب الداعي من الله أن ينفعهم بما قاله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما الدليل على تفاضل أهل الإيمان؟ فيه ما الدليل على تفاضل أهل الإيمان؟ فيه أي تفاضل أهل الإيمان في الإيمان، مر معنى أن هذا مما يذكره أهل السنة والجماعة من صميم اعتقادهم في مسألة الإيمان، بأنه قول وعمل واعتقاد، وبأنه يزيد وينقص، كذلك أهله فيه يتفاضلون، فليس أهل الإيمان كلهم على مرتبة واحدة، وإنما يتفاضل، هذا من لوازم الزيادة والنقصان، من لوازم الزيادة والنقصان أن الناس فيه يتفاوتون تفاوتا عظيما. ولو كان الكل من أهل الإيمان، لكنهم مراتب، وسيُدلل المؤلف رحمه الله تعالى على هذا التفاضل، قال: قال تعالى ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ إلى قوله ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾، وقال تعالى ﴿فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين﴾. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من أولى استدلالات وأولاها ما ذكره الله عز وجل في سورة الواقعة، عندما ذكر ربنا جل وعلا أهل الإيمان، فذكر سبحانه أنهم على منزلتين اثنتين: منزلة السابق، ومنزلة أصحاب اليمين، فقال ربنا عز وجل في السابق: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾، فهؤلاء هم أهل السباق، والسابقون السابقون، قال علماء: معناها أنهم أناس سابقوا إلى الأعمال الصالحة في الدنيا، سابقوا إلى الأعمال الصالحة في الدنيا، فهم لهم الأسبقية في الآخرة بنيل الثواب الجزاء، من جنس العمل، سابقوا في الدنيا فكان جزاءهم المسابقة في الآخرة، أن تكون لهم الأولوية في الثواب، ولهم الأولوية في الأجر، فهؤلاء هم أهل السباق، السابقون السابقون. وما ضابط هؤلاء؟ قال علماء: ضابط المسابق هو الذي يفعل الواجبات والنوافل والمستحبات، ويدع ويترك المحرمات والمكروهات، بل ربما يترفع عن المباحات، ربما ترفع عن المباحات، فهذا هو الذي يبلغ القمة في المسابقة إلى طاعة الله، فسماهم ربنا بأهل السبق، قال: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾، جزاؤهم عند الله جل وعلا أنهم من المقربين إلى الله. قال العلماء: وفي ذلك إشارة إلى أنهم في أعلى جنان الخلد، هذه الإشارة بكون من أقرب الناس إلى الله، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بعلو الله سبحانه وتعالى، بأنهم من أقرب الناس إلى الله، دل على أنهم في أعلى مراتب الجنة، في أعلى مراتب الجنة. وفي هذه فائدة: أن الله عز وجل ذكر منزلتهم قبل ذكر منزلهم، في هذه الآية: ﴿السابقون السابقون أولئك المقربون﴾، ثم ذكر ربنا منزلهم الذي في الجنة، لكن قبل أن يذكر ربنا منزلهم في الجنة، ذكر منزلتهم، وهو قربهم عند الله، وكما يقال: الجار قبل الدار، الجار قبل الدار، رب بن لي عندك بيتا في الجنة، طلبت جوار الله قبل أن تطلب الدار، وهكذا هؤلاء ذكر ربنا منزلتهم، وهو القرب عند الله، ثم بعد ذلك ذكر لنا ربنا منزلهم. فهؤلاء هم أهل السبق، وهم فعلوا الطاعات، بفعل الواجبات، ثم انسحبوا حتى بلغوا النوافل والقربات والمستحبات، ثم تركوا المحرمات، وتركوا كذلك المكروهات، قال: إلى قوله ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾، أصحاب اليمين هم كذلك من أهل الجنة، وهم من أهل الإيمان، لكن منزلتهم أدنى، أقل من أهل السباق، فهؤلاء أصحاب اليمين، ضابطهم كما قال علماء: هم الذين فعلوا الواجبات فقط، وتركوا المحرمات فحسب، ما زادوا. فتجد أن أهل السبق عندهم يد طولى: واجبات مع النوافل والمستحبات، تركوا المحرمات مع المكروهات، دونهم أهل الإيمان من أهل اليمين، من أهل اليمين هم الذين فعلوا الواجبات فقط، تتبعوا الفرائض فأدوها على أكبر وجوهها، النوافل تركوها، ما عندهم نشاط لها، بالمقابل السيئات والمعاصي حازوا على ترك المنكرات مما حرمه الله، باقي المكروهات لربما ما ترفوا عنها، تقع منهم الهنات في باب المكروهات، هؤلاء هم من أهل اليمين. لكن هل هم كمنزلة أهل السبق؟ لا، شتان شتان، ولهذا فارق ربنا بينهم في الذكر المنزلة، وفي ذكر الأجر والثواب، قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى ﴿فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين﴾. هذا الترتيب أو هذا التفاوت في أعمال هؤلاء في الدنيا، هذا الذي أقبل على الطاعات من الواجبات والنوافل، وآخر أصحاب اليمين ممن اقتصر على الواجبات، هذا التفرق ليست فقط تفرق لفظية، ليس لها أثر ظاهر، لا، لها أثر ظاهر، أثرها يظهر أول ما يظهر في مبعثهم عند الله عز وجل. فانظر كيف أن الله عز وجل يعطي لأهل السبق من الأجر والفضل ما ليس عند أهل اليمين، فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿فأما إن كان من المقربين﴾، وهم أهل السبق، قال: ﴿فروح وريحان وجنة نعيم﴾، روح قيل: بمعنى الراحة، وقيل: روح بمعنى الرحمة، هذا وهذا، فروح أي راحة، أو روح رحمة، فروح وريحان، وقيل: أن ريحان هو اسم جامع لكل ما فيه لذة بدنية، الريحان قصد بها ها هنا كل، أو اسم جامع لكل راحة بدنية، أي شيء يأتي لك براحة بدنية، من مآكل، من مشارب، من مناكح، من أي شيء فيه لذة بدنية، يسمى ريحان. وقيل: أن الريحان هو إنما تلك من رائحة العطرية الطيبة، كناية على حسن مبعثه، قال: ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين﴾، إذن هذه الآية ما الذي يستفاد؟ يستفاد منها أن الجميع من أهل الإيمان، من كان من أهل السبق، ومن كان من أهل اليمين، كلهم من أهل الإيمان، لكن هل هم على منزلة واحدة؟ لا، بل هم يتفاوتون، بماذا؟ كانت تفاوت في الأجر؟ تفاوتهم في الأجر على قدر أعمالهم، هذا الشاهد: تفاوتهم في الأجر على قدر أعمالهم. فذاك الذي قام وعمل الواجبات، وأتبعه بالنوافل والمستحبات، أجره أعظم من ذاك الآخر الذي عمل الواجبات واقتصر عليها، قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى ﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾، هذه آية كذلك مما استدل به أهل السنة والجماعة على أن أهل الإيمان يتفاوتون فيما بينهم في باب الإيمان. نعم، أنا مؤمن، أنت مؤمن، ذاك مؤمن، تلك أيضا مؤمنة، لكن هل نحن في الإيمان سواء؟ لا، نتفاضل، نتفاضل في الإيمان، الأجر لعدة أسباب، منها هذه الآية، قال سبحانه: ﴿فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات﴾، طبعا هناك آية قبل هذه الآية تزيد إيضاحا لهذه القسمة، وهي قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾، ثم أورثنا الكتاب، والخطاب لهذه الأمة المحمدية، هم آخر الأمم التي ختم الله بهم الأمم والرسائل، هذه الأمة المحمدية، خاطبهم الله بهذا السياق. ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾، الكتاب هو الكتاب المهيمن، هو القرآن الكريم، أورث ربنا عز وجل لآخر الأمم هذه الرسالة، الذي ختمت بالقرآن، أفضل كتب الله سبحانه وتعالى، قال: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾، من الذي اصطفاهم الله من عباده؟ اصطفى الله عز وجل ثلاثة أصناف، وهم من أتباع هذه الأمة المحمدية، بماذا اصطفاهم الله؟ اصطفاهم الله بأن جعلهم ورثة الكتاب، من هم؟ الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات. السابق بالخيرات، فالسابق بالخيرات كما مضى ذكره، هو رجل من أهل السبق، فعل الطاعات، سابق إلى فعل الواجبات، فعل ما أمر الله به، فقط لا زاد، زاد بعد ذلك حرصه على النوافل، حرصه على السنن والمستحبات، وبهذا أخواني في الله، لا نعلم عظم التفريط الذي يقع فيه بعضنا إلا من رحم الله عز وجل، التفريط في باب السنن، تجد أن الناس يتعاملون بالسنن على خلاف ما هي عليه، السنن يا عبد الله تعتبر رصيدا لك، رصيد ينفعك عند الله عز وجل، لن يذهب هذه الأعمال سدى، النوافل القبلية، النوافل البعدية، أعمال التطوع، المستحبات، من ذكر، المستحبات، من قول، المستحبات، من فعل، هذه النوافل يا عبد الله تفعلها، لا تظن أنها مشغلة، أو أن أجرها ليس بالكبير، لا، انظر كيف أن الله فارق وفاضل بين الناس على ماذا؟ في هذه الخصلة، النوافل. ما الذي يفرق كما مضى الآن بين السابقون السابقون وأصحاب اليمين؟ ما الفارق بينهما؟ النوافل، الأول فعل الواجبات والثاني فعل الواجبات، لكن الأول ماذا زاد؟ أتى بالنوافل والطاعات من المستحبات، الثاني الذي نحن بصده، وهو السابق بالخيرات والمقتصد كما سأتذكره، الكل اشترك بفعل الواجبات، كلاهما، لكن ما الذي جعل هذا السابق؟ هذه الخصلة: نوافل، النوافل والسنن والمستحبات. فاعلم يا عبد الله لهذه الأمور قدرها، لا تجعل, لا تجعلها يا عبد الله مهمشة، لا تجعلها يا عبد الله تحمل كلمة السنة كما يحملها كثير من الخلق على أنها هكذا تمسك بطرف الأصابع، سنة إن فعلتها وإن تركتها، لا، ليس بهذه السهولة، يا عبد الله تترك السنة، اعمل يا عبد الله بالسنة، سواء كانت قولية، فعلية، في ثوبك، في بدنك، في عباراتك، في سلوكياتك، احرص يا عبد الله وفقك الله إلى الواجبات، اتبع الواجبات بالسنة، اتبع الواجبات بالنوافل والنوافل الكثيرة، ولله الحمد، وهي كذلك خفيفة، سهلة المحمل، لمن اعتاد عليها. فانظر يا عبد الله إلى ما قامت به السنة، كيف أنها الفيصل في التفريق بين العباد، فقال سبحانه وتعالى في هذه الآية: أن الله قسم الذين اصطفاهم الله على أصناف ثلاثة، أعلاهم السابق بالخيرات، وقد مضى ذكره، هو الذي أتى بالواجبات وأتبعه بالنوافل والقربات والمستحبات، وترك المحرمات، فقط لا، كذلك المكروهات، يسأل عن هذا: أيش هذا؟ قال: والله هذا مو حرام، قال: أنا عارف بأنه مو حرام، الحمد لله، أيش هذا؟ يقولنا: مكروه، ما أريده يا أخي، مو حرام، يعني المكروه كما عند الأصوليين: أنك إذا فعلته لا تؤثم، وإذا تركته تؤجر، فإذا فعلته لا تؤثم، هذا المكروه، هذا ما في إثم عليك يا عبد الله، لكن يا أخواني إذا تركته أؤجر، نعم، تؤجر، ولو كان مكروه، فهذا صاحب هذا المقام العظيم، أنه وصل إلى باب السبق بالخيرات، يدع المحرمات، المعاصي، الذنوب، الكبائر، الحرمات، المحرمات، الجرائم، الموبقات، يدعها بينه وبينها سدا منيعا، وزد على ذلك حتى المكروهات، المكروهات يتباعد عنها. قيل: أن هذا فعل مكروه، حاشا ما فعله، ما فعله، ما فعله، ما فعله، فيتربى على هذا، هذا إخواني في الله، يصل أمره إلى هذا المقام العظيم، السابق بالخيرات، الثاني: المقتصد، والمقتصد هو الذي اقتصر على الواجبات، على فعل الواجبات، وعلى ترك المعاصي والمنكرات فقط، هذا مقتصد، وهذا كذلك ممن اصطفاهم الله سبحانه وتعالى. ثم في قوله تعالى: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾، أما الظالم لنفسه، للسلف رحمهم الله تعالى قولان في حكم من هو الظالم لنفسه، من أهل العلم، من قال: الظالم لنفسه في هذه الآية هو الكافر، الظالم لنفسه هو الكافر، قالوا: والذي جعلهم يفسرون يفسرون الظالم هنا بالكافر، حتى يوفق بين هذه الآية التي في سورة فاطر، يجعلونها على نفس نمط ما مضى معنا في سورة الواقعة، الواقعة جعل ربنا أهل النجاة على قسمين: السابقون السابقون، ثم الثالث أصحاب المشأمة، هم الكفرة، أولئك المكذبون، ما نبالي بهم، فربنا في سورة الواقعة جعل أهل النجاة على قسمين: السابقون السابقون، وأصحاب اليمين، فقالوا: هذه الآية نجعلها كذلك على مرتبتين: السابق بالخيرات هو يتلاقى مع السابقون السابقون، والمقتصد هو الذي يتلاقى مع أصحاب اليمين، إذن القسمة مكتملة عندي: صنفين هنا، وعندي صنفين هنا، أما الضال من نفسه نجعله مع أصحاب المشأمة، كافر بكافر، فهؤلاء يخرجون ليسوا من أهل النجاة في شيء. فأهل النجاة هو الذين إما أن يفعل الواجبات مع المستحبات، ويترك المحرمات مع المكروهات، أو دونهم منزلة، هو الذي يفعل الواجبات فقط، ويترك المعاصي المحرمات فقط، قال: فهذه قسمة ثنائية هنا، وقسمة ثنائية هنا، هذا قول طائفة من السلف، من فسر الظالم لنفسه بالكافر، إذن ليس له شرف أن يصطفيه الله عز وجل. ومن أهل العلم من يرى أن الظالم لنفسه هم العصاة، هم العصاة من الموحدين، من الموحدين، ظالم أي ظلم نفسه بالمعاصي، ظلم نفسه بالمعاصي، فهذا ما الذي فعل؟ هذا الذي ترك بعض ما أوجب الله عليه، وفعل بعض ما حرم الله عليه، إذن سيكون القسمة ثلاثية عندي: أعلى مرتبة فعل الواجبات مع النوافل، دونها منزلة من فعل الواجبات فقط، دونه منزلة من أخلى ببعض الواجبات، فهؤلاء يستمعون بالظالم لنفسه، وهذا الذي رجحه جماعة من العلماء، ومنهم ابن القيم رحمه الله تعالى، فقد رجح هذا: أن الظالم لنفسه هم العصاة من الموحدين. فهل معنى هذا أن هذا الظالم لنفسه أورثه الله الكتاب؟ قال علماء: نعم، أورثه الله الكتاب، فإن أهل الإسلام هم على مراتب ثلاث: ممن هم من المتقين الأبرار، وممن هم من أهل الإسلام ممن اكتفى بالواجبات، ومنهم من لربما ظلم نفسه، فهذا كذلك اصطفاه الله من الأمة، فله أن يقوم بالكتاب، عملا وعلما وتدريسا، علما وعملا وتدريسا، فله الشرف أنه يتشرف بهذا الكتاب، مع ما فيه من نقص، وهذا أمر جعله الأمة المحمدية، لكن لا يستمر على هذا الباب، فإنه على خطر عظيم، هكذا حمل علماء هذه الآية على من قال: أن الظالم لنفسه هم العصاة من أهل التوحيد. الحاصل نريد من هذه الآية: أن الله عز وجل اصطفى الكتاب لهذه الأمة المحمدية، ومن أوصفهم الله هذه الأصناف: سابق بالخيرات، وهم قسم أعلى، دونهم مقتصد، دونهم ظالم نفسه، إذن تفاوتوا فيما بينهم، هل يمكن لأحد أن يقول: أن السابق بالخيرات حاله كحالي، الظالم نفسه، إذا قلنا أنه عصاة الموحدين؟ هل هذا مثل هذا؟ لا يا عبد الله، شتان شتان، هل إيمانهم واحد؟ إيمان ليس بواحد، ومن هنا تعلم خطأ من يفتي من مثل هذه الكلمات، ويقول: أن إيماني كإيمان جبريل، أين إيمانك يا عبد الله وإيمان جبريل؟ وهذه مقالة يقولها المرجئة، في ظنهم أن الإيمان شيء واحد، الذي عندي، عند هذا الملك، عند هذا النبي، إيماننا واحد، لا يا عبد الله، ما يقع عبدا إذا كان هذا الإيمان يتفاوت بين أتباع الرسل، فكيف الإيمان لا يتفاوت بين أتباع وبين الرسل؟ بل الرسل فيما بينهم يتفاضلون، تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، هم رسل، وبينهم مفاضلة، تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، فما ظنك بين الرسل، وأنبياء أتباعهم؟ فما ظنك بين الأتباع؟ فكيف بعد هذا يقول من يقول: أن إيماني كإيمان جبريل؟ يقفز إلى هذا المكان العالي، ويتجنى على هذه الكلمات العظيمة. فهذه الآية مما استدل به أهل السنة والجماعة على أن الإيمان يتفاوت ويتفاضل بين أهله، فعندي سابق بالخيرات، وعندي المقتصد، وعندي الظالم لنفسه، قال رحمه الله تعالى: وفي حديث الشفاعة، حديث الشفاعة كذلك فيه إشارة إلى تفاوت الناس في إيمانهم، قال: أن الله يخرج من النار من كان في قلبه وزن دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان، تخيل إلى مقدار الإيمان في قلوب الخلق، يتفاوت، ما يتفاوت؟ يتفاوت، يخرج من النار من كان في قلبه وزن دينار من إيمان، ثم من كان في قلبه نصف دينار من إيمان. هذا دينار، نصف دينار، الإيمان يتفاوت، وهؤلاء من من يخرجهم الله عز وجل من النار بشفاعته سبحانه وتعالى، قالوا: في رواية: يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة، الحديث متفق عليه، من حديث أنس، في حديث طويل، حديث الشفاعة. فهؤلاء يخرجون من النار، أناس من هذه الأمة، ليسوا كفرة، لأنه لو كانوا كفرة ما خرجوا من النار أبدا، لكن يخرجون من النار، لماذا؟ دل على أنهم من أهل الإسلام، هم من أهل الإيمان، لكن انظر إلى مقدار الإيمان، يخرج أولا من كان في قلبه مثقال شعيرة، أرفع درجة، شعيرة من إيمان، من أهل التوحيد، يخرج دفعة، وبعد ذلك دونهم من كان في إيمانه أقل من وزن الشعيرة، وهو من كان في وزنه وزن برة، أصغر، هؤلاء يخرجون، تأتي الدفعة الثالثة، وهو من كان في قلبه مثقال ذرة، الهباء الصغير، هذا لو ذرة في قلبه، فهؤلاء تشملهم شفاعة، فيخرجون، فليبق في النار إلا الكفار الخلص، إلا الكفار الخلص، من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فإنه يخرج، الشاهد: تفاوت الناس في الإيمان، يتفاوتون، وهم في النار كذلك، بينهم تفاوت في إيمانهم. والأدلة كثيرة جدا في هذه المسألة التي حررها المؤلف بقوله: ما الدليل على تفاضل أهل الإيمان؟ فيه، فإن أهل الإيمان يتفاضلون تفاضلا عظيما في إيمانهم، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.