شرح أعلام السنة المنشورة  44

شرح أعلام السنة المنشورة 44

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 44، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في توحيد الأسماء والصفات

توحيد الأسماء والصفات هو الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه ووصفه به رسوله، وهو جزء أساسي من العقيدة الإسلامية. هذا التوحيد يزيد العبد علما ويقينا بالله.

تعريف الإيمان بالأسماء والصفات وسبب التركيز على الصفات

الإيمان بالأسماء والصفات يعني الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة، والمؤلف ركز على الصفات إما لأنها تشملها الأسماء أو بسبب الخلافات الكبيرة حولها. هذا الباب توقيفي يعتمد على الدليل الشرعي.

ضوابط الإيمان بأسماء الله وصفاته

يجب الإيمان بأسماء الله وصفاته كما جاءت في النصوص الشرعية دون محاولة تفسير أو تكييف لها. يجب إمرارها كما جاءت مع التصديق والذعن.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما هو توحيد الأسماء والصفات؟ هذا إشارة إلى القسم الأخير، وهو القسم الثالث من أقسام التوحيد الذي ينبغي على كل مؤمن ومؤمنة، وعلى كل مسلم ومسلمة أن يعتقدوه ويعتنقوه حتى يكون لله موحدا. ذكرنا أن أقسام التوحيد تقوم على ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، وتوحيد الربوبية، وهو إفراد الله بأفعاله، وها نحن الآن في القسم الثالث من أقسام التوحيد، والذي سأل عنه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: ما هو توحيد الأسماء والصفات؟ وهذا من أنواع التوحيد، إخواني في الله، من الأمور المهمة التي ينبغي أن يهتم بها المسلمون جميعا. كيف لا، وهو قسم من أقسام التوحيد؟ فهو ليس من فضول الأعمال؛ ليس هو من فضول الأعمال التي يكون العبد فيها بالخيار، إن شاء استفاد وتفقه، وإن شاء أدبر وأعرض. لا، ليس لك يا عبد الله أن تعرض عن هذا العلم. فإن هذا العلم الذي نحن بصدده، علم الأسماء والصفات، يعتبر من نوع من أنواع التوحيد الذي لا إسلام للعبد إلا به، ومن خلاله. وللأسف، كم نرى من كثير من المسلمين من عزفوا عن هذا النوع، ليس فقط في عدم فقهه، بل حتى لعدم ظنهم أن هذا شيء من أنواع التوحيد. يرى أن التوحيد هو أن تعتقد بأن الله واحد، وأنك تفرد له بالعبادة، وما يتعلق بالأسماء والصفات فهو لا يبالي بهذا الباب. وهذا، يا إخواني في الله، حرمان عظيم، حرمان عظيم. فإن باب الأسماء والصفات من أعظم أبواب الدين. يكفيك يا عبد الله في هذا الباب أنك تزداد علما ويقينا بالله. فإن العبد كلما كان لله أعرف، كلما كان منه أخوف. العبد كلما كان لله أعرف، كلما كان منه أخوف. وهذا من الآثار التربوية العظيمة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى، مبينا هذه الثمرة العظيمة التي يجنيها كل من تفقه وتعلم باب الأسماء والصفات: "فكلما كان العبد بها أعلم، كان بالله أعرف، وله أطلب، وإليه أقرب". هذه من الثمار العظيمة. ازدد معرفة بأسماء الله وصفاته، يظهر ذلك يا عبد الله في خلقك، وفي تعاملك مع ربك. تجد أنك لله أقرب، وله أعرف، وله أطلب. لكن انظر من حرم هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: "وكلما كان لها أنكر، كان بالله أجهل، وإليه أكره، ومنه أبعد". متى يتأتى هذا؟ يتأتى هذا يا عبد الله في حق من أنكر هذا الباب وابتعد عنه. فإن هذا يظهر جليا في خلقه، وفي تعامله مع ربه. يظهر ذلك في جهله بالله. وسنأتي، إخواني في الله، بنماذج عظيمة جدا عندما تقارن حال السلف بحال أهل البدع. لا أتكلم عن ملاحدة، ولا أتكلم عن زنادقة، بل سيأتينا من بعض أناس من ربما ينتمي للأمة الإسلامية، عندما أنكروا باب الأسماء والصفات، كيف أنهم في تعاملهم مع ربه فعلوا أفعالا شنعاء لا يظن أبدا أن يأتي بها رجل رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. عبارات فجة ستسمع، يا عبد الله، منهم من يتبجح ويقول: بأن الله ليس بعليم، بأن الله ليس بقدير، بأن الله ليس بحي. يوجد هذا، يوجد فرق ضالة تتبجح بهذا. فبالله عليك، إذا كان هناك رجل يعتقد هذا، أنكر أسماء الله، كيف سيتعامل مع ربه؟ وآخر، لو ربما يقول: بأن الله ما يمتلك أي صفة، فليس له رحمة، وليست له قدرة، وليست له إرادة، وليست... وليست... ولا يعطي لله أي صفة. فبالله عليك، كيف سيتعامل هذا مع ربه؟ ومن، إخواني في الله، ستجد أن في مسلك المبتدعة خللا عظيما، إما في اتباع الشهوات، أو في اتباع الملذات، أو في استحلال المحرمات. ما كان هذا إلا للخلل في باب الأسماء والصفات. فكلما أنكر العبد هذا الباب، كلما ظهر فيه الخلل في تعامله مع ربه، أو تعامله مع نفسه، أو تعامله مع خلق الله. وكلما كان العبد لهذا الباب أعرف، كان لله أخوف، وله أرغب، وله أقرب، وكلما كان ملتزما بشرع الله. فإن هذا الباب، إخواني في الله، من الأبواب العظيمة. العبد كلما، كلما ازداد معرفة بالله، كلما ازداد محبة لربه. جاء في الحديث الصحيح في قصة ذاك الرجل الذي بعثوا نبينا على سرية، وجعلوا أميرا عليهم. كان له طريقة غريبة في صلاته يصلي بأصحابه، فإذا انتهى من سورة ما ختم بقول: "هو الله أحد"، ثم يركع. إذا قام في الركعة الثانية قرأ لهم بسورة، فإذا انتهى منها ختمها بقول: "هو الله أحد"، ثم يركع. ولا زال هكذا حاله في كل ركعة يختتم بقول: "هو الله أحد" بسورة الإخلاص. الذين معه ألزموه: إما أنك تقرأ بالأولى، أو تكفينا الثانية. فقال: "هذا شأنكم، هذا الذي أفعله". فتركوا حتى رجعوا إلى المدينة، فأخبروا رسول الله بخبر الأمير: أن من أمره يفعل كذا وكذا. قال: "سلوه لما يفعل هذا؟" فلما سألوه: لما تفعل أنت هذا؟ لما تكتفي بالواحدة؟ لما تختم بقول: "هو الله أحد" في كل ركعة؟ قال: "فيها صفة الرحمن، فيها صفة الرحمن، وأنا أحبها". ما هي صفة الرحمن؟ الوحدانية: "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد". فيها ثبات صفات الله العظيمة. فقال: "فيها صفة الرحمن، وأنا أحبها". فأخبر النبي بذلك، قال: "أخبروه أن الله قد أحبه، أن الله قد أحبه". فهذا تعظيم من ماذا؟ لما عظم هذا الباب، باب الأسماء والصفات، عظم صفة الرحمن جل في علاه. لهذا، من عظم هذا الباب، فهو المعظم عند ربه. ومن أنكر وجحد هذا الباب، فهو المحروم. وسأتي، إن شاء الله، من كلام بحث المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بهذا الباب العظيم من أعظم أبواب الدين، بل هو قسم من أقسام التوحيد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما هو توحيد الأسماء والصفات؟ قال: "هو الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى وصفات العلا، وإمرارها كما جاءت بلا كيف". كما جمع الله تعالى بين إثباتها ونفي التكييف عنها في كتابه، في غير موضع. ثم ذكر مؤلف رحمه الله تعالى بعض الأدلة على هذه المسألة. نبدأ أولا فيما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى: فيما معنى توحيد الأسماء والصفات؟ قال: "هو الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم". هنا قد كان ينبغي للمؤلف رحمه الله تعالى أن يذكر كذلك أن من حد وتعريف الأسماء والصفات أن يدخل مسألة الإسمية. فكان ينبغي للمؤلف أن يقول: "الإيمان بالأسماء والصفات هو الإيمان بأن الله سمى الله به نفسه، ووصف الله به نفسه". إذ أن الله عز وجل له أسماء، سمى الله بها نفسه، فينبغي أن تثبت. وربنا جل في علاه كذلك أثبت لنفسه صفات، أثبت لنفسه صفات، وجب أيضا أن تثبت. فعندنا أسماء هي لله، وعندنا أوصاف هي لله. وهذه الأسماء الثابتة لله، والأوصاف الثابتة لله، جاء ذكرها في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. هذا الذي ينبغي أن يذكر، أن يذكر المؤلف رحمه الله تعالى يذكر هذين البابين: الأسماء والصفات. فلله أسماء، ولله صفات. لكن لو تلاحظ هنا أن المؤلف رحمه الله تعالى ما ذكر الأسماء، وإنما ذكر باب الصفات. فانظر في التعريف، قال رحمه الله تعالى: "هو الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله من الأسماء الحسنى والصفات العلا". فلماذا ما ذكر المؤلف الأسماء؟ وكان ينبغي أن تذكر. قال علماء: يحمل هذا على أمرين اثنين. إما لأن ما من اسم إلا وتضمن صفة أصلا. ما من اسم من أسماء الله إلا وله صفة. فربنا من أسمائه الحي، فمن صفة الحي الحياة. ربنا من أسمائه العليم، من صفة العليم العلم. ربنا سبحانه وتعالى الرحمن، من اسم الرحمن تأتي صفة الرحمة. الله عز وجل اسمه القدير، من اسم القدير تأتي صفة القدرة. وهكذا قس. فما من اسم من أسماء الله إلا ويتضمن صفة، إلا ويتضمن صفة. فباب الصفات أوسع من باب الأسماء. فلهذا لعل المؤلف رحمه الله تعالى اقتصر على ذكر الصفات؛ لأنها تستلزم أسماء، أو أنها تتفرع من أسماء تفرعت من أسماء. فالذي يقر بالصفات سيقر أصلا بالأسماء. فمن أقر مثلا بصفة الرحمة، إذن سيؤول أمره إلى إثبات اسم الرحيم. ومن أقر بصفة علم الله، يلتزم من هذا أنه أثبت لله اسم العليم. ومن أثبت صفة الحياة، استلزم بذلك أنه اعترف بأن من أسماء الله الحي. وهكذا. فمن أقر بالصفات، سيقر بالأسماء. هذا محمل. والمحمل الثاني: وهو لماذا أن المؤلف ما ذكر الأسماء هنا، وكان ينبغي أن تذكر؟ قالوا: لعل المؤلف رحمه الله تعالى لعلمه أن الخلاف في باب الأسماء ضعيف، وأن أعظم الخلاف بين الأمة إنما كان في باب الصفات. وهذا صحيح. قلنا، يا إخواني في الله: أن لله أسماء، سمى الله بها نفسه. فرد من أسماء الله: سمى الله بها نفسه. سمى، إخواني في الله، في باب الأسماء: العليم، القدير، كلها أسماء الله عز وجل، أسماء الله عز وجل. لو جمعنا أهل الفرق والملل الذين نختلف إحنا وإياهم، إذا جئنا في باب الأسماء، ما تقول في أسماء إلا وغالب هؤلاء يقرون بها. غالب هؤلاء نقر. هل في شك في هذا الباب؟ الله الحليم، في شك أبدا. عندكم، يا أشاعر، الله القدير، في شك؟ لا، لا، ما عندنا شك في هذا. تعال، يا معتزلة، الله جل في علاه الرحمن، عندكم شك؟ ما عندنا شك. فتجد أن غالب الفرق الضالة في باب الأسماء قد أقرت بها، إلا القلة من أمثال الجهمية الغلاة. الجهمية والأسف بلغ من كفرهم أنهم أنكروا باب الصفات، وأنكروا باب الأسماء. يقولون: بأن الله ليس عنده علم، وليس بعليم، ليس عنده قدرة، وليس بقدير، ليس عنده أي صفة، ولا أي اسم. ما أثبتوا لله جل وعلا إلا اسما واحدا فقط من جميع أسماء الله. ألغوها، ما أبقوا إلا اسما واحدا. ما هو؟ الموجود فقط. قالوا: هذا الذي نعطيه لله، الموجود. أما باقي الأسماء، باقي الصفات، ما نعطيها لله. وهذا قول الجهمية. ومن كان قبلهم من الفلاسفة، ومن المناطق على هذا: أن ما لله عز وجل إلا اسم الوجود، وصفة الوجود فقط. هذا لله. وأما باقي الأسماء، فإنها تلغى. فالمؤلف رحمه الله تعالى لعله على دراية بهذا: أن باب الأسماء ما وقع فيه خلاف كبير بين الفرق الضالة، وإنما الخلاف الذي وقع بين أهل السنة وبين الأشاعر، وبين الماتوردية، وبين الكلابية، وبين المعتزلة، وبين... وبين... هذا غالب ما كان في باب الصفات. ولهذا لعل المؤلف ذكر الصفات، وما ذكر الأسماء؛ لأن جل الخلل، وجل النزاع بين أهل السنة وبين غيرهم في باب الصفات. فهذا المحمل الثاني. إذا نقول: الأصل في تعريف الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات هو الإيمان بأن الله سمى الله به نفسه، ووصف الله به نفسه في كتابه، أو في سنة نبيه. الإيمان بأمرين: أسماء لله، صفات لله. هذا هو الأصل. لكن لماذا المؤلف ما ذكر الأسماء، وإنما اكتفى بالصفات؟ يحمل هذا على أمرين اثنين: إما لأن ما من صفة إلا وتفرعت من اسم، أو أن ما من اسم وله صفة. وهذا الصحيح والصواب: أن ما من اسم إلا وله صفة. فمن آمن بالصفات، سيؤمن بالأسماء. أو أن المؤلف رحمه الله تعالى يدري أن الخلاف في هذا الباب إنما كان الخلاف في الصفات أكثر. فأشار إلى هذا المبحث دون غيره. لماذا؟ لتأكيد الأمر. قال رحمه الله تعالى: "الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم". إذن باب الأسماء والصفات، يا عبد الله، إنما مرده إلى شرع الله، إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله. ومن هنا تأتي القاعدة العظيمة: أن نعلم، إخواني في الله، أن هذا الباب ليس لأحد أن يبتكر لله اسما أو يبتكر لله صفة. ليس هذا لي، وليس لك، وليس لأحد من خلق الله. وإنما هذا الباب يعبر عنه العلماء بأنه باب توقيفي. ما معنى توقيفي؟ تتوقف فيه حتى يأتيك الإذن من الكتاب، أو من السنة. فإن جاءك اسم، فقيل لك: هذا اسم من أسماء الله. قل: أين الدليل؟ إيتوني بدليل من كتاب الله، ومن السنة. إذا قيل لك: هذه صفة من صفات الله. قل: أين الدليل؟ ولا يضرك الجدال لأي أحد. ابتلينا ببعض الفرق المتكلمة ممن فتح الباب على مصراعيه، فأخذ يسمي الله بأسماء ظنا منه أن هذه أسماء جلال وإجلال. لا، ليس بجلال، ولا إجلال. مثل من يسمي الله باسم القديم، أو ممكن، أو أن الله واجب الوجود، أو أن الله هو العقل الفياض، أو أنه الجوهر... أشياء جوهر. وهذه الكلمات ما ينبغي لأحد أن يصف الله، أو أن يسمي الله بأسماء من عنده: جوهر، أو العقل الفياض، أو واجب الوجود، أو القديم. هذا ليس من أسماء الله، بدليل أن الله ما تسمى بها. فلا يشرع لأحد أبدا أن يأتي باسم ويقول: هذا من اسم الله. أو يأتي بصفة ويقول: هذه من صفات الله. لا. يقال: الأسماء والصفات مقيدة بما جاء عن كتاب ربنا، وبما جاء عن رسول الله. إن جاء من الكتاب، فحياه. وإن جاء من السنة، فحياه. نعم. ففي السنة جاءت أسماء ما هي موجودة في القرآن، مثل اسم الشافي. قال نبينا: "واشفي أنت الشافي". من الشافي؟ الله. من سمى ربنا بالشافي؟ نبينا. نأخذ به. فمن أسماء الله الشافي سبحانه وتعالى. من أين جاءنا به؟ من السنة. فلا نتعدى: إما من القرآن، إما من السنة: اسم أو صفة. لا يخرج عن هذا الحيز. قال رحمه الله تعالى: "هو الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى وصفات العلا". فعندنا أسماء، وعندنا صفات. لكن أسماء الله ليست أي أسماء، بل أسماؤه حسنى. وصفات الله ليست أي صفة، بل صفاته عليا. ومن أين استفاد العلماء هذان الوصفان، أو هذين الوصفين؟ أما ما يتعلق بأن أسماء الله حسنى، جاء ذلك ذكره في محكم التنزيل. قال سبحانه: "ولله الأسماء الحسنى". فربنا من الذي له له أسماء؟ وما هي أسماء الله؟ حسنى. ليست فقط حسنى، بل حسنى: أي بالغة في الحسن. فأسماء الله بالغة في الحسن. ومن هنا يعبر عن أسماء الله بالحسنى لنص القرآن: "ولله الأسماء الحسنى". "ولله الأسماء الحسنى". معنى حسنى: أي بالغة في الحسن. ليس فيها نقص بوجه من الوجود. فمن أسماء الله مثلا: الحي. الحي هذا اسم من أسماء الله. واسم الحي الذي يعقله لله جل وعلا هو الاسم الذي قد بلغ في الحسنى، في الحسن، منتهى الكمال. فحياة الله عز وجل حياة كاملة، كما يعبر عنها العلماء: هي الحياة التي لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال. ما سبقت بعدم، ولا يلحقها زوال. هذه حياة الله. فربنا هو الحي، الحياة الكاملة. هذا اسم من أسماء الله الحسنى. من أسماء الله جل وعلا: العليم. العليم اسم من أسماء الله. فنثبت هذا الاسم بكامل حسنه. فربنا جل وعلا هو العلم الكامل. وعلم الله الكامل، كما يعبر عنه العلماء: هو العلم الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان. هذا هو علم الله الكامل الذي ليس إلا لله. فهو العليم جل وعلا. وهكذا قس. كل ما تأتي إلى اسم من أسماء الله، فتعطي هذا الاسم الغاية المطلقة. ولا يكون ذلك إلا لله. الحي له الحياة الكاملة، العليم له العلم الكامل، القيوم الذي له القيمومية المطلقة، والسيادة، والهيمنة لله جل وعلا. وهكذا قس. وهكذا الذي يأمر به ربنا عز وجل في كل اسم هو له أن يكون بالغًا في الحسن. قال: "من أسماء الحسنى والصفات العلا". وكذلك في باب الصفات. إذا أثبتنا صفة لله جل وعلا، فعلينا أن نعتقد أن هذه الصفة التي أثبتناها لله هي صفة عليا. ما هناك من أحد من خلق الله يقارب أو يداني هذه الصفة من صفات الله جل وعلا. المحبة، فإن الله يحب، ويحب. ربنا يحب، والله يحب المتقين، والله يحب الصابرين. صفة من صفات الباري جل وعلا: أن الله يحب. لكن محبة الله لعباده هل هي كمحبة المخلوق لخلقه؟ لا. فإن صفة الله عليا لا يماثلها شيء أبدا. والدليل على ذلك قال سبحانه وتعالى: "ولله المثل الأعلى". "ولله المثل الأعلى". ما معنى المثل هنا؟ المثل هنا بمعنى الوصف. المثل هنا بمعنى الوصف. "ولله المثل الأعلى": أي ولله الوصف الأعلى. وهل تأتي كلمة "مثل" بمعنى الصفة؟ نعم، كما في قوله تعالى: "مثل الجنة التي وعد المتقون". "مثل الجنة": أي صفة الجنة التي وعد بها المتقون. فالمثل يأتي بمعنى الصفة. وهذا المراد من قوله تعالى: "ولله المثل الأعلى": أي ولله الصفة الأعلى. ومن هنا يعبر علماؤنا عن الصفات بالعلا. فلله الأسماء الحسنى لقوله: "ولله الأسماء الحسنى". والصفات العلا لقوله: "ولله المثل الأعلى". قال رحمه الله تعالى: "وإمرارها كما جاءت بلا كيف". وهذا من أعظم الضوابط. ولن نضل فيه تحته مباحث. وهو أننا في هذا الباب، إخواني في الله، إياك ثم إياك ثم إياك أن تدخل عقلك في هذا الباب. هذا الباب غيبي، باب الأسماء والصفات غيبي. ولهذا يقال: هذا من التوحيد الخبري. خبري: تسمع الأخبار، ثم تصدق وتذعن. فعندما يتكلم عن حياة الله، الحياة الكاملة، ما بعد هذا؟ إياك أن تدخل عقلك. علم الله الكامل، ما يتعلق بالمحبة، والرضا، وغير ذلك من صفات الله، إياك يا عبد الله أن تدخل عقلك. وذلك في معرفة الكيفية. كيف؟ لا تقول: كيف. قال ربنا جل في علاه: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". فربنا سبحانه وتعالى أخبر أنه السميع، اسمه السميع، الذي من فروع هذا الاسم أنه يسمع. ومن أسماء الله البصير، الذي من فروع هذا الاسم أنه يبصر. فربنا سميع يسمع، ربنا بصير يبصر. لكن سمع الله، وبصر الله، كيف هو؟ في أول الآية: "ليس كمثله شيء". "ليس كمثله شيء". ما هنالك شيء يداني، ولا يوازي الرب سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته. فمهما يا عبد الله حاول عقلك أن يدخل في ذات الله، لن يصل إلى شيء أبدا. لقوله: "ولا يحيطون به علما". ما يمكنك يا عبد الله، ولو كنت أذكى الأذكياء، وحاولت أن تعرف كيفية صفة الله جل وعلا، ما أمكنك ذلك. لأن هذا أمر غيبي، أمر غيبي ما يمكن العقول أبدا أن تصل إليه. وهذا، إخواني في الله، قد مضى ذلك معنا. لو أن واحدا منا سألنا: يا عبد الله، ما تقول في الروح؟ ما صفة الروح؟ كيف شكل الروح؟ وأنا أسألك عن شيء هو بين جنبيك. ما أسألك عن شيء في الشرق، ولا في الغرب. شيء يعيش بين جنبيك: تصبح وتمسي، وهو بين أضلاعك: الروح. والدليل على أن الروح موجود فيك: إذ أن إذا رفعت، ذهبت، ميت كنت، جثة هامدة. لكن الروح فيك، بدل أنك حي. فأخبرني عن الروح: ما هي الروح؟ ما شكلها؟ هواء؟ بخار؟ أين هو؟ أين يقيم؟ أين ينام؟ أين يذهب؟ أين تسرح؟ ما تدري. كيف تعيش؟ كيف تأكل؟ تموت؟ ما تموت؟ تكبر؟ هل لها جثة؟ ما تدري. بشيء ما ستعرف. شيء عن الروح، وهي بين جنبيك. فكيف يا عبد الله تريد أن تتعرف على الباري جل في علاه؟ فإذا أنت مخلوق، وما تعرفت على مخلوق مثلك: الروح مخلوقة، وما استطعت لها سبيلا. فكيف يا عبد الله تريد أن تتعرف على الباري؟ ولهذا ما يمكن لأحد أبدا أن يدخل عقله في هذا الباب، باب الأسماء والصفات، باب غيبي. فلا يمكن لأحد أن يتعرف على الكيفية. وإنما قل: سمعنا، وأطعنا. "أفرانك ربنا وإليك المصير". قال رحمه الله تعالى تقول تعالى: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما". وقوله: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". وقوله: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير". انظر يا عبد الله بين الجمع: يجمع ربنا بين إثبات الأسماء والصفات، وبين أن خلقه لا يستطيعون أن يتعرفوا على أصلها، ولا على حقيقتها. فحقيقتها ما يعلم بها إلا الله جل في علاه. وأما خلقه، فما لهم في هذا الباب إلا الاستماع، والتصديق، والإذعان، والإمرار لهذه الصفة من غير تكييف، ومن غير تمثيل. قال: "وفي الترمذي عن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني لما ذكر آلهتهم- انسب لنا ربك". فأنزل الله تعالى: "قل هو الله أحد، الله الصمد". قال: "والصمد الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث، ولم يكن له كفوا أحد". قال: "لم يكن له شبيه، ولا عديل، وليس كمثله شيء". هذا الحديث بتمامه، إخواني في الله، ضعيف. أن هذا الحديث من أوله من حديث وهي بن كعب إلى منتهى جاء في مسند لإمام أحمد، ورواه الترمذي في سننه، لكنهم معلل بعدة علل. العلة الأولى: أنه من طريق أبي جعفر عيسى بن مهان، ومن طريق أبي جعفر عيسى بن مهان، وهو ضعيف. والعلة الثانية: أنه من طريق أبي سعد محمد الصاغاني، وكذلك ضعيف. وفي علة ثالثة أشار إليها الترمذي: إلى أن الحديث مرسل. إلى أن الحديث مرسل. فعندي ضعف، وعندي ضعف، وعندي إرسال. وقد أعل هذا الحديث الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الضعيفة. فالشاهد، إخواني في الله، وخلاصة هذا المبحث -وسيتأتي لنا مباحث متعلقة بهذا الباب- بشيء من التوسعة حول تصليح الأضواء إلى هذا الباب العظيم من أبواب الدين، وهو التوحيد، من توحيد الله: توحيد الأسماء والصفات. وهو الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، وبما سمى كذلك به ربه نفسه في كتابه، والإيمان بكل اسم أو صفة وصف بها نبينا ربه سبحانه وتعالى. نؤمن بهذا من غير تكييف، ولا تمثيل. ونعلم أن هذا الباب باب غيبي، لا يمكن العقول أن تدخل فيه، وأن هذا باب توقيفي، لا يمكن لأي أحد من البشر أن يضيف اسما، أو يطلق صفة إلا بما جاء في كتاب الله، وبما جاء في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.