شرح أعلام السنة المنشورة  140

شرح أعلام السنة المنشورة 140

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 140، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الإحسان ودواته من الكتاب والسنة

الإحسان له أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ويشمل مع الله ومع خلقه، وينقسم إلى واجب ومستحب. الإحسان يجعل الله مع العبد ويمنحه محبته.

الإحسان مع خلق الله وتطبيقاته

الإحسان مع خلق الله يشمل بذل الخير وكف الأذى وطلاقة الوجه، وهو جزء من الإحسان الذي يجازي الله عليه بالجنة ورؤية وجهه الكريم. الإحسان مع الله يكون بإتقان العبادة.

ثواب الإحسان وجزاؤه في الدنيا والآخرة

الإحسان له جزاء عظيم في الدنيا والآخرة، حيث يحصل المحسن على الثواب في الدنيا والآخرة، بينما الكافر يحصل على جزاء إحسانه في الدنيا فقط. الإحسان يشمل معاملة الله ومعاملة خلقه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الإحسان من الكتاب والسنة؟ ما دليل الإحسان من الكتاب والسنة؟ بقي التوضيح لهذا السؤال، من أين أتى؟ أسلفنا إخواني في الله في أول رسالة أن من شأن العلماء المصنفين في كتب الاعتقاد أنهم يسيرون على نمط، وسيرهم هو أنهم يتكلمون في مسائل الاعتقاد كما جاء ذكره في حديث جبريل الطويل، عندما سأل جبريل نبينا صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان. من خلال هذا الطرح سار العلماء في تصنيف كتب الاعتقاد، فيبدأون أولا بالإسلام، بذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج وما يتعلق بها من مباحث ومسائل، فإذا انتهوا من ذلك انتقلوا إلى الكلام عن الإيمان، تعريفا وتوضيحا، أركانه، الإيمان بالله، وبالكتب، وبالرسل، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وما تتبع به من مسائل، فإذا انتهوا من هذا ومن ذاك وصلوا أخيرا إلى مرتبة الإحسان. فهذا الذي وصلنا إليه مع المؤلف رحمه الله تعالى، إذ أننا سرنا على ما سار عليه العلماء القدماء، بدأ بمسائل الإسلام، انتهى، انتقل إلى مسائل في الإيمان، انتهى، انتقل الآن إلى مرتبة الإحسان، فقال رحمه الله تعالى: ما دليل الإحسان؟ هذا الذي أوصلنا إلى هذا السؤال. ومراتب الدين إخواني في الله جاءت مرتبة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حواره مع جبريل، أولا بدأ بالإسلام، فالإسلام يعتبر هو الطبقة العامة، الطبقة العامة، والذي يكتفى بها بكل أحد أتى بعمل ظاهر يدخل في الإسلام، ثم بعد هذه الطبقة العامة هناك الأخص، وهم أهل الإيمان، وهو الذي عقد الإيمان في قلبه، وهذا أخص من الإسلام، فأهل الإيمان أرفع رتبة من الإسلام. ثم بعد ذلك خاصة الخاصة، وهم الخلص من عباد الله، وهم المحسنون، فهم خواص المؤمنين، وهو الذي أتقن الظاهر والباطن، أتقن الظاهر والباطن، فالإسلام ظاهر، والإيمان باطن، والإحسان هو الذي جمع بين الباطن والظاهر وأتقنه، فالعمل الظاهر مع إتقانه للعمل الباطن بلغ القمة، هذا المحسن، هذا المحسن. لهذا نعلم أن من أعظم مقامات الدين مقام الإحسان، ولهذا جاء في حقه الفضائل الكثيرة، كما سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل، إذن الإحسان معنى في اللغة هو مصدر أحسن يحسن إحسانا، ضد الإساءة، وتدور كلمة الإحسان على الإتقان، فلان أحسن العمل بمعنى أتقنه، أحسن بمعنى أتقن، هذا معنى الإحسان، وهو يدور على معنى الإتقان، وله معاني كثيرة سيأتي ذكرها. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل الإحسان من الكتاب والسنة؟ قال: أدلته كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، هذا إرشاد للاتصاف بصفة الإحسان، فعبر ربنا بذلك بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾، وهل هذا الأسلوب يدل على الوجوب؟ لا، ما يدل على الوجوب، صيغة افعلوا ما تدل على الوجوب، فتارة افعلوا تغطي الوجوب، وأحيانا تغطي الاستحباب والندبية، كما في قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، وافعلوا هل كل الخير أنت ملزم به؟ لا، هناك من الخير ما هو واجب، وهناك من الخير ما هو مستحب. فافعلوا الخير كذلك، وأحسنوا، فالإحسان منه ما يكون واجبا، وهو الذي يكون به تمام العمل، ومن الإحسان ما يكون مستحبا، وهو الذي به يكمل العمل، فالذي العمل يحتاج إليه فهذا الإحسان فيه واجب، والأمر الذي يكون الإحسان فيه كماليا إذا فالإحسان فيه مستحب، فالإحسان منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، فأنت مأمور مرغب بأنك تتصف بالإحسان. فقال ربنا: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، إن فعلت ذلك بما لا ستظفر تظفر بأعظم نعمة، إن الله يحب المحسنين، أن الله يلقي عليك محبة سبحانه وتعالى، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، إن الله مع الذين اتقوا، مع أهل التقوى، والذين هم محسنون كذلك مع المحسن، فإن الله جل وعلا يكون معه. والمعية هي معيتان، معية عامة، وهي تكون لجميع البشر، وهي التي تقضي الإحاطة والعلم بخلقه، فما من أحد إلا والله معه محيط به عالم به قادر عليه، هذه المعية العامة، وهناك معية خاصة، وهي المتقيدة والمقيدة بوصف أو شخص، فالله جل وعلا له معيته الخاصة، بأنها هي المعية التي تقتضي التأييد والنصر والظفر، فهؤلاء ربنا يكون معهم، فربنا مع المحسن ما يضيع، ربنا جل وعلا عباده المحسنين ما ضيعهم. والإحسان إخواني فينا لابد من أمر مهم ننبه عليه، سيأتي في كل المؤلف درسي بإذن الله ما يتعلق بمعنى الإحسان، الإحسان عند العلماء ينقسم إلى قسمين، الإحسان مقام الإحسان يقوم على مرتبتين اثنتين، إحسان مع الله، وإحسان مع خلق الله، الإحسان مع الله سيأتي في درسي غد بإذن الله، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا سيأتي معنا. وإحسان مع خلق الله، عليك أن تحسن مع عباد الله، وكيف يكون الإحسان مع عباد الله؟ هو ما جاء ذكر عند علمائنا، كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في المدارج، الإحسان مع عباد الله مع خلق الله هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، هذا الإحسان مع خلق الله، كف الأذى، تكف أذاك عن المسلم، من سلم المسلمون من لسانه ويده، تكف أذاك، كف أذاك عن أذية خلق الله، لا تكن مؤذيا لا بلسانك، لا بفعالك، ولا بأقوالك، كف، فإن سلم الناس من شرك فهذا من الإحسان. وبذل الندى، الندى عرف بأنه هو المعروف، أنك تبذل المعروف لخلق الله، هذا من الإحسان، تبذل معروف قد يكون ديني، قد يكون دنيوي، قد يكون مالي، قد يكون بدني، أي معروف تبذله، بمعنى بذل الخير، فكونك تبذل الخير للآخرين هذا نوع من أنواع الإحسان، ودلائل كثيرة تدل على ذلك، أرشد إليها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما في حديث الذي جاء عن بعض الصحابة: «أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تطرد عنه جوعا، أو تغرم عنه دينا، أو تكشف عنه كربة»، هذا كله أعمال بذل خير تعمل ويحبها الله جل وعلا، فهذا إحسان أنك تبذل الخير، هذا إحسان مع خلق الله. وطلاقة الوجه، أنك تكون مبتسم مع إخوانك، لا تكون عبوسا ممن يكون فيه دغل ودخيلة الكبر والعجب والأنفة، فتراه دائما معبوس الوجه مقطب الجبين، هذا ليس من أخلاق المحسنين، المحسن يكون طليق الوجه، منبسط، بل جعله نبينا صدقة، «تبسمك في وجه أخيك صدقة»، تكون مبتسم، دعا كايا عبد الله، ما يكون فيه من قلة عدم الإحسان مع عباد الله، بما يكون من إظهار العبوسة على الوجه. فالإحسان مع خلق الله تكون بهذه الأمور كما ذكر العلماء، بذل الندى، بذل معروف، كف الأذى، كف شرك، وطلاقة الوجه، إن فعلت ذلك فأنت محسن مع عباد الله، إذا لابد في مقام الإحسان أنك تتحلى بهاتين الرتبتين، تحسن مع الله في عبادته، وتحسن مع خلق الله في معاملتك، إذا ضفرت بذلك حينها يا عبد الله كنت محسنا، فحينها أنعم يا عبد الله بهذه الفضائل التي ذكرها ربنا جل وعلا في حق المحسنين. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، شهد ربنا عز وجل للمحسنين بأنهم الذين قد استمسكوا بالدين، لأن العروة الوثقى بمعنى الدين، فسرت عند بعض الصحابة بمعنى لا إله إلا الله، فسرت بمعنى الإسلام، وكلها معاني متقاربة متداخلة، هي بمعنى الدين، فالذين يستمسكون بالعروة الوثقى يستمسكون بالدين الحق، هم الذين اتصفوا بصفة الإحسان. فقال ربنا جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، فسرت هذه الكلمات بتفاسير، منهم من قال: ومن يسلم وجهه إلى الله دلالة على إخلاص العمل، وهو محسن على إتقان العبادة، إخلاص وإتقان العبادة بمعنى الاتباع، فمن أتى بالإخلاص وأتى بالاتباع فهذا الذي استمسك بالعروة الوثقى، قيل: ومن يسلم وجهه إلى الله أي بالأعمال التي تكون بين العبد وبين ربه، فهو مستسلم لها، وهو محسن أي في اتصافه بأعماله التي بينه وبين خلق الله، هذا الإحسان. قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، أي أتى بحق الله وأدى حقوق العباد، فهذا الذي استمسك بالعروة الوثقى، شهد الله له بهذا، وهذا كذلك فضيلة لمقام الإحسان، قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، للذين أحسنوا أحسنوا مع من؟ هنا كما يقول علماء لم يذكر المعمول، وعدم ذكر المعمول بمعنى أحسنوا، أحسنوا مع من؟ ما ذكر ربنا أحسنوا مع من؟ فأطلق، والإطلاق هنا أي عدم ذكر المعمول يدل على العموم، عدم ذكر المعمول يدل على العموم، للذين أحسنوا أحسنوا مع الله أو أحسنوا مع عباد الله، أحسنوا مع الكل، ما جزاء هؤلاء؟ للذين أحسنوا الحسنى، والجزاء من جنس العمل، فربنا جل وعلا يجازي المحسنين بالحسنة، وما معنى الحسنة؟ أكثر المفسرين على أن الحسنة هي الجنة، أن الحسنة هي الجنة، قال ربنا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ، وأكثر المفسرين عند تفسير هذه الكلمة يفسرونها برؤية الله جل في علاه، لبعض الأحاديث المروية في هذا الباب، في أنها النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى، وفيه حديث مروي في مسلم، وإن كان هو عرض للانتقاد، انتقده الحفاظ، لكن أكثر المفسرين على صحته، وعلى العمل به، وأنه به تفسر رواية، أو تفسر الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. فالمحسن له الحسنى، أي له الجنة، وزيادة على الجنة تكرما، لماذا تكرما؟ لعلو منزلتهم، لأن الذي اتصفوا به من صفة الإحسان صفة عظيمة جدا، حقها أن صاحبه يكرم بهذه الزيادة، وهو رؤية الله جل في علاه، قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وهذا كذلك منقبة وترغيب من ربنا جل وعلا إلى أن الخلق يتمثل بصفة الإحسان، هل جزاء الإحسان؟ من كان محسناً مع الله في إتقان عمله، وكان محسناً مع عباد الله في حسن أخلاقه ومعاملاته، فهل جزاء الإحسان؟ إلا الإحسان، هذا هو الجزاء. فربنا يحسن للمحسنين بالإحسان، وما هو الإحسان الذي سيجازيهم به ربنا؟ قال علماء: أن الله يجازيهم بإحسان الثواب، يحسن لهم الثواب، بالجنات والأنهار، بالمطاعم والمشارب والمساكن، والحور العين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يجازي ربنا جل وعلا أعظم الإحسان، لا تظن أنك قد بلغت كل شيء في الإحسان، فربنا سبحانه يعطيك من الإحسان ما لا يخطر على بال، يحسن إليك ربنا سبحانه وتعالى. وهل هذا إحسان الرب للمحسنين فقط في الآخرة؟ قال علماء: وكذلك يحسن إليك في الدنيا، من كان محسناً فلا يخاف، من كان مع الله كان الله معه، فمن كان محسناً مع الله فإن الله سيحسن إليه في الدنيا قبل الآخرة، يحسن إليك بطول الأعمار، ببركة الأموال، بسعة الأرزاق، بعموم الصحة والعافية، وأن الله يجعلك هادي البال، مرتاح النفس والصدر، سليما من الآفات والعاهات، يشتبيك ربك، يصطفيك إلى المقامات العليا، كل ذلك بتوفيق من الله، هذا إذا أحسنت مع الله، وأحسنت مع خلق الله، فإن الله سيحسن إليك. وهل هذا كذلك يشمل الكافر؟ نعم يشمل الكافر، الكافر إذا أحسن في الدنيا فإن الله سيكافئه، يكافئ على قدر عمله الذي عمله، لكن مكافأة الكافر تكون في الدنيا فقط، فقد جاء في الصحيح: «إن الله جل وعلا لا يظلم مؤمنا حسنا»، إن الله لا يظلم مؤمنا حسنا، يجازى، يعطى بها في الدنيا، ويجازى بها في الآخرة، والكافر يطعم ربنا طعما في الدنيا. فالكافر إخواني في الله، بعض الكفار تجد له أياد مبذولة في باب الخير، يوجد نحن ما ننكر، ولو كان كافر محب للخير، لكن بعضهم عندهم نوايا طيبة، تجد كافرا مثلا يقوم بفتح ملاجئ للأيتام، يوجد كافر يتبرع لأصحاب الأمراض والأسقام، يوجد كفار فيهم من الخير من بل كافر يصر حما، كافر يبر والديه، كافر طيب مع جيرانه، كافر يوجد كفار فلهم أياد بيضاء، لهم أعمال خيرة، هؤلاء ربنا جل وعلا يكافئهم، لأنهم أحسنوا، لكن مكافأة الله لهم إنما تقتصر على الدنيا، تقتصر على الدنيا. وبهذا ترى بعض الناس يتعجب من المسلمين كيف هذا كافر، انظر كيف الله أعطاهم كذا وأعطاهم كذا، لا تنظر إلى أمثال هؤلاء، قد يكون هؤلاء لهم أياد بيضاء، فربنا جل وعلا كافأهم بها في الدنيا، لكن إذا وصلوا الآخرة فلا تبقى لهم حسنة، لا تبقى لهم حسنة، تذهب، تذهب، طبعا، وإحسان الله، أو قل: إعطاء الله للكافر طعما في الدنيا، هذا يتعلق بما شئته، إن شاء من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، لمن أراد الله سبحانه وتعالى أعطاه مقابل أعمال عملها في هذه الدار، فهذا إحسان أحسن مع أصحابهم وأهلهم، فأحسن الله لهم في الدنيا، لكن المسلم لا، فإن الله يحسن إليه في الدنيا وفي الآخرة. فقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، إن الله كتب بمعنى فرض، وقال: أنه منه ما يكون واجب، واجب أن تحسن العمل فيه، واجب، ومن الإحسان ما يكون مرغب به، مندوب، وتأمل في قول نبينا: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، بل تمام هذا الحديث كان يتكلم نبينا عن ماذا؟ عن الإحسان مع البهيمة، يتكلم نبينا عن الإحسان مع البهيمة، أنك حين تذبح تحسن إليها في ذبحها، تحسن إليها في ذبح، «إن الله كتب الإحسان على كل شيء»، «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح»، هذا مع البهيمة. إذا كان هذا مرغب به مع البهائم، فما ظنك بعباد الله؟ ما ظنك بعامة المسلمين؟ من صلة الأرحام والآقارب، فهم أولى وأحوج بالإحسان إليهم، وهذا فيه الترغيب ما بعد الترغيب على ضرورة أنك تتقن العمل والمعاملة مع خلق الله، قال: وقال عليه الصلاة والسلام: «نعم للعبد أن يتوفى يحسن عبادة الله، ويحسن صحابة سيده»، نعمى له، هذا الحديث البخاري ومسلم متفقون عليه، من حديث أبي هريرة، فيه يقول نبينا: «نعمى للعبد أن يتوفى»، نعمى مدح، يمتدح ربنا جل وعلا هذا الشخص، ما الذي فعل؟ هذا الشخص. نعمى للعبد أن يتوفى، أن تقبض روحه، وأن يتوفاه الله، وأن يخرج من هذه الدار وهو على أمرين اثنين، على عملين اثنين، عملهما في الدنيا، ما هما؟ قال: «نعمى للعبد أن يتوفى يحسن عبادة الله»، هذا فيه إشارة لمرتبة الإحسان في باب العبادة، وأن هذه نعمة يوفق إليها الخلص من عباد الله، أن تكون محسن العمل مع ربك جل وعلا، قال: «يحسن عبادة الله، ويحسن صحابة سيده»، ومعنى صحابه: الصحابة بمعنى الصحبة، صحبة، ومعنى صحابة السيد: السيد، لأن هذا الحديث جاء في رواية أخرى موضحا بأن المقصود بالعبد المملوك هنا، جاء في الصحيح قال: «نعمى للمملوك»، هذا الرقيق، العبد اللي يكون تحت سيده. نعمة إن قام بأداء حق الله بالإحسان، وقام بحق سيده، وذلك بحسن صحبته، ما كان مشاكسا، ما كان مشاغبا، ما كان كذابا، ما كان متخلفا عن أوامره، وإنما أحسن في صحبة سيده، ثم توفاه الله وهو على هذا الحال، محسن العمل، ومطيع لسيده، فإنه نعم العبد، وقد جاء كذلك في الصحيحين بلفظ آخر، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة ربه، كان له أجره مرتين»، العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة ربه، كان له أجره مرتين. الشاهد من ذلك فيه بيان لمقام الإحسان مع الله جل وعلا، وسيأتي إن شاء الله في درسي غد بإذن الله ما يتعلق بالإحسان مع الله، وهو الأهم في هذا الباب، وختاما أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.