الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع حياة عبد الله بن عبد المطلب ووفاته، وناقش صحة وصفه بالذبيح بناءً على روايات مختلفة. وخلص إلى ضعف هذه الروايات وعدم ثبوتها علميًا.
ناقش المقصود بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ابن الذبيحين، وهو إسماعيل عليه السلام ووالده عبد الله بن عبد المطلب. وأوضح أن إسماعيل هو الذبيح الأول باتفاق أهل الملل.
روى قصة المرأة التي نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة، واختلاف فتاوى الصحابة عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس في ذلك. كما ذكر قصة عبد المطلب ونذره.
تضمن المقطع الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد، والإعلان عن محاضرة ليلية. واختتم بالدعاء للجميع بالتوفيق والصلاة على النبي مرة أخرى.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فأولًا إخواني في الله، هذا إعلان عن محاضرة ستقام هذه الليلة في هذا المسجد المبارك، وذلك للشيخ الفاضل أبي إسحاق مشعل الضالعي، وهكذا يشاركه الأخ محمد الضالعي، فالحاضر إخواني في الله يبلغ الغائب عن هذه المحاضرة، والتي ستقام في هذه الليلة بين مغرب وعشاء. ومواصل إخواني في الله في درسنا وما يتعلق بهذه الأرجوزة المئية في ذكر حال أشرف البرية، عليه الصلاة والسلام، ما كان من وقوفنا مع قول الناظم رحمه الله: «ووافق العشرين من نيسانا وقبله حين أبيه حانا». وذكرنا أن ما يتعلق بقوله «ووافق العشرين من نيسانا» إنما هي لفتة وفائدة من المؤلف رحمه الله تعالى، أحب أن يذكر لنا تاريخ مولده عليه الصلاة والسلام على حسب الشهور الشمسية، إذ أنه وافق شهر نيسان أو ما يقال عنه شهر إبريل. وأما قوله رحمه الله تعالى «وقبله حين أبيه حانا» في هذه الفقرة سيتكلم المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بموت أبي رسول الله عليه الصلاة والسلام، إذ أن معنى «حين» بمعنى الهلاك، الحين بمعنى الهلاك، يقال حان الرجل إذا هلك، حان الرجل إذا هلك، فقوله «وقبله حين أبيه حانا» حين أي موت أبيه. وقبل الشروع إخواني في الله في ذكر ما يتعلق بموت أبيه عليه الصلاة والسلام، ناسب أن نذكر شيئًا من حياة أبيه قبل الشروع في ذكر وفاته، فهو عبد الله بن عبد المطلب، عبد الله بن عبد المطلب، وكان من أحسن أولاد عبد المطلب ومن أحبهم إليه، من أحسنهم ومن أحبهم إليه، وهو الذي يسمى بالذبيح، يسمى بالذبيح على المشهور عند أهل السير والتواريخ. وهذا مأخوذ من بعض الروايات التي وصفته بهذا الوصف، وخلاصة هذه الروايات التي وصفت أبا الرسول بأنه الذبيح تعود إلى روايتين اثنتين، ننظر فيهما مع حكم العلماء عليهما. أما الرواية الأولى وهي المشهورة في كتب السير من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن نفسه «أنا ابن الذبيحين»، إلا أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يصح، بل ولا يثبت، بل ليس له وجود. ولهذا قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، وهكذا الإمام الزيلعي قال «لم نجده بهذا اللفظ»، لم نجده غير موجود، النبي قال هذا عن نفسه «أنا ابن الذبيحين» لم نجد له أصلًا أو ليس موجود بهذا اللفظ. وهكذا حكم شيخ الألباني رحمه الله تعالى بنفس هذا الحكم، كما في السلسلة الضعيفة قال «لا أصل له». الرواية الثانية فيها هذا الوصف ما جاء في قصة الأعرابي عندما أتى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكأنه يطلب منه الإعانة أو الاستسقاء، فكان من مدح هذا الرجل لرسول الله أن قال له «يا بن الذبيحين»، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي إقرارًا لهذا الرجل على إطلاقه لهذا الوصف. هذا الأثر وهذه الرواية رواها الإمام الحاكم رحمه الله تعالى في مستدركه، إلا أن الذهبي كما في التلخيص علق على هذه الرواية قال «سنده واهن»، سنده واهن، أي شديد الضعف. ومثله ما علق به ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند إيراده لهذه الرواية قال «هذا حديث غريب جدًا»، أي إشارة إلى ضعفه وإلى نكارته. ومثله القرطبي رحمه الله تعالى أورد هذه الرواية أي وصف الأعرابي لرسول الله «يا بن الذبيحين»، فقال القرطبي رحمه الله تعالى «لا حجة فيه»، لا حجة فيه لأن سنده لا يثبت. وبهذا تعلم إخواني في الله أن الروايات التي يتناقلها أهل الرواية في وصف رسول الله بأنه ابن الذبيحين لم يثبت منها شيء في الميزان العلمي، فسقط هذا الوصف وسقطت هذه الروايات التي خرجت مخرج المدح لرسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن تأتي مسألة هنا، والشيء بشيء يذكر، الذي يتداول هذه الأوصاف أو الذي يصحح هذه الروايات على ماذا يخرج هذا المعنى؟ ما المقصود بأن نبينا عليه الصلاة والسلام هو ابن الذبيحين؟ معناه، مفاده، مغزاه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو ابن لمن كان من آبائه ومن أجداده من تعرض للذبح، هذا المغزى «بأبن الذبيحين»، أي أنه عليه الصلاة والسلام كان من آبائه وأجداده من تعرض للذبح. فوصف ونسب إليهما «يا ابن الذبيحين»، فيأتي سؤال من هما؟ نحن خرجنا الآن ما صح شيء، ما صح الرواية في هذا الباب لا تصح كسند ورواية لم تصح، لكن من حيث المعنى لمن ينسب له عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف؟ قال العلماء أما الذبيح الأول فهو إسماعيل عليه السلام، وهذا هو القول الشهير والمشهور عند الأئمة وعند العلماء. لأنه نعم قد دب الخلاف والنزاع بين أهل العلم في من تعرض للذبح، هل هو إسماعيل أم إسحاق؟ ربنا سبحانه وتعالى في كتابه ذكر لنا قصة الذبح ذكر لنا قصة الذبح لكن من غير ذكر المسمى، فقال سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ إلى آخر الآيات. في هذا الصدد تجد لم يذكر لنا اسم «يا بني» من هذا الذي خاطبه إبراهيم عليه السلام، إسماعيل أم إسحاق؟ نعم الخلاف قد وقع في هذا الباب، لكن أكثر العلماء وهو المشهور ولله الحمد أنه إسماعيل، بأدلة كثيرة منها سياق هذه الآيات، إذ أن هذا الابتلاء الذي وقع لإبراهيم كان في أول أولاده، في أول أولاده، ومن كان أول أولاد إبراهيم عليه السلام لا شك أنه إسماعيل. ولهذا ابن كثير رحمه الله تعالى ذكر الاتفاق، فقال «وهذا وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل الملل من أن إسماعيل هو أكبر أولاد إبراهيم عليه السلام»، هذا ليس بإجماع الأمة الإسلامية بل في جميع أهل الملل، الكل متفق على أن إسماعيل هو الأكبر، إذن هو الذي قد وقعت به الابتلاء أن ابتلي إبراهيم عليه السلام بماذا؟ بقتل ابنه الأوحد. زد على ذلك في تمام هذه الآيات في سياقها أن ربنا سبحانه وتعالى قال بعد ذلك ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال العلماء إذن كيف هذا؟ بداية القصة أن الله عز وجل أمر بذبح ابنه، لو قلنا على القول الثاني بأنه أمر بذبح إسحاق، فكيف بعد ذلك يبشر بإسحاق مرة أخرى؟ كيف يبشر به وهو قد كاد أن يذبحه؟ بل بلغ معه السعي. إذن علم أن المذبوح الأول ليس لإسحاق، لمن لإسماعيل عليه السلام، ثم بعد ذلك بشر إبراهيم عليه السلام بإسحاق، فإسماعيل هو المقدم وهو الأكبر وهو الذي وقعت عليه قضية الذبح ابتلاء، ثم فداه الله جل وعلا بذبح عظيم. ولهذا يقول علامة ابن القيم رحمه الله تعالى «قال وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم». وأما القول بأنه إسحاق فمردود بأكثر من عشرين وجهًا، مردود بأكثر من عشرين وجهًا. وهكذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعدما ذكر الخلاف الحاصل بين العلماء في قصة الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى «وفي الجملة فالنزاع فيه مشهور، لكن الذي يجب القطع به أنه إسماعيل». وهذا الذي عليه الكتاب والسنة والدلائل المشهورة، وهو الذي تدل عليه التوراة التي بأيدي أهل الكتاب، حتى التوراة تدل على ما نحن نقوله الآن ونعتقده بأن إسماعيل عليه السلام هو الذبيح، إذن قوله عليه الصلاة والسلام على من يصحح الرواية «أنا ابن الذبيحين»، فالذبيح الأول من كان من أجداده وهو إسماعيل عليه السلام، إذ تعرض للذبح فنجاه الله. ومن الذبيح الثاني الذي يعنيه طبعًا على صحة الرواية أنه يعني صلوات ربي وسلام عليه أباه وهو عبد الله، إذ أنه تعرض للذبح. بقي هل القصة صحيحة؟ القصة المروية في أن والد الرسول تعرض للذبح هل هي صحيحة أم لا؟ روى الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تاريخه من طريقين قال أخبرني يونس بن عبد الأعلى قال أخبرني ابن وهب قال أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أنه أخبر «أن امرأة نذرت أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلت»، قال «ففعلت ذلك الأمر فقادمت المدينة لتستفتي عن نذرها». ما الحل؟ ما المخلص تذبح تنحر ابنها عند الكعبة أم لا؟ فجاءت عبد الله بن عمر، فقال لها «قد نهاكم الله أن تقتلوا أنفسكم»، فلم يزدها عبد الله بن عمر على ذلك، فتوى مختصرة لا يجوز لا تفعل ذلك، لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيم والابن نفس. قال فجاءت عبد الله بن عباس فاستفتته، فقال «أمر الله بالوفاء بالنذر والنذر دين»، ونهاكم أن تقتلوا أنفسكم، وقد كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافق له عشرة أبناء أن ينحر أحدهم. هذا يرجعنا إلى قصة طويلة وليس هذا المقام مقام ذكرها، أن عبد المطلب نذر إن رزق بعشرة أبناء أن ينحر ويذبح أحدهم، وذلك في قصة أنهم منعوا من حفر بئر زمزم لما قامت قريش عليه، فخرج منه هذا النذر. قال «فلما توافى له عشرة أقرع بينهم»، مصمم على أن يوفي بنذره وهو الذبح، قال «أقرع بينهم» قال «فأقرع بينهم أيهم ينحر»، فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، هنا الإشكال، القرعة جاءت على ابنه عبد الله، وقد مر معنا أن عبد الله يعتبر من أحب أولاد عبد المطلب إلى نفسه، من أحبهم إليه، هنا وقع في إشكال عظيم ينحر هذا الابن المحبوب فماذا فعل؟ قال «فقال عبد المطلب اللهم هذا أو مئة من الإبل»، أفديه بمئة من الإبل، قال «ثم أقرع بينه وبين الإبل فطارت القرعة على المئة من الإبل». قال ابن عباس يخاطب المرأة بعدما ذكر هذه القصة، فقال للمرأة «أرى أن تنحري مئة من الإبل»، ما كان ابنك. فبلغ الحديث مروان وهو أمير المدينة حينها، فقال «ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس أصاب الفتوى في هذه القضية»، لأن ابن عمر أصاب ولا ابن عباس أصاب، قال «ما أرى ابن عمر ولا ابن عباس أصاب الفتوى»، قال «أصاب الفتوى به»، قال «لا نذر في معصية الله واستغفر الله وقولي وتوبي إلى الله من ذلك وتصدقي واعملي ما استطعت من خير»، أي أن مروان مركب حكم من ابن عمر لأن ابن عمر ماذا أمره؟ أمره أن تكف لا تفعلي، ولم يأمرها بالتوبة ولا الاستغفار. وأما ابن عباس أمرها أن النذر في ذمتك، فقال مروان «لا النذر ليس في الذمة لأنه لا نذر في معصية الله»، وبالمقابل كيف ما تؤمرين بالتوبة؟ بل توبي إلى الله واستغفري. أشاهد من هذه القصة، ولسنا في مقام الترجيح بين الفتاوى التي وقعت بين الصحابة في قصة هذه المرأة، يهمنا من هذا كله أن ابن عباس أورد لنا قصة الذبيح عبد الله وكيف أنه قد تعرض للذبح إلا أن أباه وهو عبد المطلب فداه بمئة من الإبل. هذه القصة حكم عليها جماعة من العلماء بالصحة لأن مدارها الصحة، فالرجال فيها ثقات، الرجال فيها ثقات. فشهد إخواني في الله أن بعد ذلك بعدما نجى أو نجى عبد الله من هذه المذبحة قام عبد المطلب وزوجه بأشرف نساء قريش وهي آمنة بنت وهب، وحدث ذلك بفترة مات أبوه عبد الله. وهنا سيأتي لنا الخلاف في هذه القضية كيف أن رسول الله أصبح يتيما بعد موت أبيه وكم كان عمره؟ لأنه لا خلاف بالإجماع وبنص القرآن أن النبي عاش يتيما، ألم يجدك يتيما فآوى؟ واليتيم هو الذي فقد أباه، لكن وقع الخلاف في أي سن وفي أي عمر وفي أي مرحلة كان نبينا يتيما؟ هل هو في بطن أمه أم بعد أن خرج؟ ولعل هذا المقام يترك إن شاء الله في درس غد. فالحاصل إخواني في الله في هذا المقام علمنا ما يتعلق بقضية الذبيحين وأنها تعود لإسماعيل عليه السلام وتعود لأبيه عبد الله، لما سمعنا من تلك المناقشة مع ضعف الحديث المروي في هذا الباب. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم، ونكرر إخواني في الله عن الإعلان لمحاضرة الليلة والمقام في هذا المسجد الجامع بين مغرب وعشاء، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.