شرح الأصول الستة 19

شرح الأصول الستة 19

الدرس في شرح الأصول الستة 19، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صفات علماء السوء وخطورة التقول على الله

يتحدث عن صفات علماء السوء وخطورة التقول على الله بغير علم. يحذر من أولئك الذين يفتون بغير علم ويسببون فسادًا للأمة.

أهمية التحقق من صحة الفتاوى ومراقبة المفتين

يشدد على أهمية التحقق من صحة الفتاوى ومراقبة المفتين لضمان توافقها مع الشريعة. يُوصى بضرورة رقابة ولاة الأمور على المفتين.

صفات العلماء الصادقين وأهمية العمل بالعلم

يصف العلماء الصادقين بأنهم يوفقون بين علمهم وعملهم ويتميزون بالخشية من الله. ينبغي تمييزهم عن غيرهم لتخفيف الكربات والمصائب عن الأمة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمواصل إخواني في الله في هذه الرسالة الأصول الستة، والنظر فيما سطره المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الرسالة. ولازمنا إخواني في الله في الأصل الرابع، والذي أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين فيه ما يتعلق بصفة العلماء، وما يتعلق بالعلم والفقه. وكان الكلام في درس أمس يتعلق بتسليط الأضواء حول صفات علماء السوء، وذلك لأن المؤلف رحمه الله تعالى في رسالته أشار إلى آيات في سورة البقرة فيها ذكر منهم ليسوا بعلماء، وإنما أشباه العلماء. فكان من صفاتهم أنهم يردون الحق، وأنهم يكتمون الحق، وأنهم يلبسون الحق بالباطل. وأيضًا من صفاتهم أنهم يأمرون الناس ولا يأتمرون بما أمروا غيرهم به. من هنا إخواني في الله، فبعد أن تعرفنا على شيء من هذه الصفات، ينبغي هنا إخواني في الله أن يعلم المرء المسلم فداحة هذا الأمر، وفداحة هذا الصنيع. وأن التقول على الله جل وعلا من أعظم الذنوب، كما قال جل في علاه: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فهي جريمة، وليس فقط أنك تستشعر بفداحة هذا الفعل، بل عليك كذلك أن تعلم فداحة من يتصف به. وهذا الذي يتصف به بعض من يدعي العلم، وهم ليسوا من أهل العلم، تعلم أنهم على خطر عظيم. وكم هي الأحاديث النبوية التي أخبر فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، وأشار إليها إلى وجود مثل هذا الصنف ممن يترأس العلم وهو ليس من أهل العلم، وممن يترأس الفقه وهو ليس من أهل الفقه. كما جاء عند الطبراني في الأوسط من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر ظهور الإسلام، قال: «ويظهر قوم يقرؤون القرآن، يقولون من أقرأ منا؟ من أفقه منا؟ من أعلم منا؟»، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «هل في أولئك خير؟»، قال نبينا: «هل في أولئك خير؟»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «أولئك منكم، أولئك هم وقود النار». فتجد أناسًا من هذه المثابة، لربما أخذ شيئًا يسيرًا من العلم، شيئًا يسيرًا من القرآن، لا بأس به في حياة الناس العلمية. لكن هذا ما يخوله أن يتقفز إلى ما هو أعلم من مقامه. مثل أمثال هؤلاء يفتخرون على الناس فيقولون: من أفقه منا؟ من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ مزاحمة لأهل العلم، ولمقام العلم، هم ليسوا من أهله. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أولئك هم وقود النار». فيحذر المسلم إخواني في الله من هذه الصفة الذميمة، وكذلك ما يحذر من هذه الصفة، يحذر ممن اتصف به. وكم عانى العلماء من أهل العلم الربانيون من الابتلاء بهذه الصفة الذميمة. ذكر إمام مالك رحمه الله تعالى أن رجلًا دخل على ربيعة، فوجده يبكي بكاءً مريرًا. فقال هذا الرجل بعدما رأى هذا البكاء من هذا الإمام: «ما هذا؟ أمصيبة حلت عليك؟»، قال: «لا، ولكن استفتي في الإسلام من لا علم له». هذا بلاء، تعتصر القلوب أسفًا وكمدًا وحزنًا عندما ترى أن مدار الفتوى يدور على أناس لا خلاق لهم، لا علم لهم. وإنما وجدوا مرتعًا خصبًا، وجدوا جهالة قد فشت في قرية من القرى أو مدينة من المدن، فوجدوا هذا الفراغ فسدوه بجهلهم. فأصبحوا يفتون ويستفتون، وهم ليسوا من أهل الفتوى. ونقولات العلماء كثيرة وكثيرة جدًا، حتى قال من قال: «كم من صاحب فتوى أحق بالحبس من السرق!». هنا تأتي عمليات القبض على السارق الفلاني، وعلى تلكم العصابة ممن تعدوا على أموال الناس، فيحبسون. فيقول بعض العلماء: أن هناك من أجدر بالحبس من هؤلاء السرق، من أمثال من يفتي بغير علم. هذا حق أن يحبس، أن يزجن، أن يحجز عليه حتى لا تبتل الأمة بفتوى، فيوقع الفساد والهلاك على هذه الأمة المحمدية. بل إن من العلماء من جعل أن من أعمال ولي الأمر، وجعل من أعمال الدولة أنها تتفحص أهل الفتوى هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم مفتين في الديار، وعلى رقاب العباد، وعلى أعراضهم هنا وهنالك. هؤلاء لا بد لهم من رقابة، أنهم يراقبون من قبل ولاة الأمور، تجعل لهم لجان، لجنة خاصة تنظر إلى فتاويهم، تنظر إلى ما يأمرون وينهون عنه، هل هذا مما على وفق الشريعة، على وفق الكتاب والسنة؟ أم من يترك الأمر هكذا سبهللا، كل من نصب نفسه وكور عمامته أصبح يفتي بما شاء وكيف شاء؟ ولهذا يقول إمام الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى، مبينًا هذه الوظيفة التي ينبغي على ولاة الأمور أن يقوموا بها، قال رحمه الله تعالى: «ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمن صلح للفتوى أقره، ومن لا يصلح منعه، ومنعه ونهاه أن يعود، وتوعده بالعقوبة إذا عاد». انظر، يتفحص المفتين، هذا مفتٍ وذاك مفتٍ، كيف هم في فتاويهم؟ إن كان على علم، إن كان على رسوخ في العلم، فتاويهم قورنت بالكتاب والسنة، فوجد جيدة موافقة للكتاب والسنة، ليس فيها مخالفات، ليس فيها مجازفات، ليس فيها بدع ومحدثات، رآها أنها توفي، يقره، هذا هو أهل الفتوى، يبقى في محله. أما إذا رآها أنه غير صالح للفتوى، ما عنده علم، ما عنده أهلية، وصل إلى هذا المقام برشوة، باختلاس، عن وراثة كابر عن كابر، لا يصلح للفتوى، فهذا لا يحابى، وإنما يمنع، يطرد، يقدم استقالته بكرامته، وليطرد طردًا، يخرج من هذا المنصب، وما كان بمعنى يخرج من هذا المقام، بل يهدده ويتوعده بالعقوبة إن عاد. ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى كذلك في إعلام الموقعين، لما تطرق إلى هذه المسألة، قال رحمه الله تعالى: «فمن أقرهم من الولاة أثم»، هو آثم، فليس الأمر إخواني في الله محاباة، أو الأمر سهل مثل بعض الناس قد يتساهل في بعض الأعمال الحكومية أو الوظائف النظامية. العلماء إخواني في الله الذي يرجع إليهم علم، صفات عظيمة، صفات جليلة لا تخفى على أحد. العلماء الذين أمر ربنا جل وعلا بالرجوع إليهم، صفات محمودة معروفة. من نظر فيهم من أول وهلة وجدها فيهم. ومن أعظم صفات خشية الله، والخوف من الله جل وعلا، هذا صفة لا تنفك عن العلماء. يقول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فمن أشد الناس خشية لله جل وعلا العلماء. فالرجل كما قال العلماء: كل من كان لله أعرف كان منه أخوف. فأهل العلم أهل خشية، العلماء هم أهل خشية، أهل خوف. أما إذا رأيت رجلًا ما عنده خشية من الله، يأتي بالذنوب، يأتي بالمعاصي، يفعلها نهارًا جهارًا، تأتيه أي شبهة يأتي بها، يقترفها، ما يتورع، ما عنده ورع عن المال الحرام، ولا عنده ورع عن شيء حرام، وإنما يأتيه. فهل هذا عالم؟ ما ليس بعالم. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ليس العالم عن كثرة الرواية والحديث، وإنما العالم من خشي الله». هذا العالم من خشي الله، عنده خوف من الله جل وعلا، تجعله التورع ونزاهة في سلوكه، وفي أقواله، وفي أفعاله. فهذا العالم. كذلك من صفة العالم أنه يعمل بما علم، أنه يعمل بعلمه. العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. هذا من التطابق، من التزام أن العلم يستوجب العمل. أما إذا رأيت رجلًا ينتسب للعلم ولا يعمل بعلمه، فهذا ليس أهل الفتوى، ولا أهل لأن يشار إليه، ولا أن يتكأ عليه، ولا أن يرجع إليه، فضلًا أن تحال المسائل العظام له. فالعالم الحق هو الذي يوافق علمه عمله، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى عندما سئل عن العالم، قال: «هو الذي يوافق عمله علمه». إذا رأيت علمه وعمله في خندق واحد، فهذا العالم. أما إذا رأيت علمه في واد وعمله في واد، فهذا ليس بعالم. وهكذا يتعرف على العالم على العالم بجده واجتهاده ونشاطه، وبإخلاصه وصدقه مع الله جل وعلا، وبحرصه على الأمة وعلى انشغاله بالعلم. فهذا صفات معروفة إخواني في الله، ينبغي أن لا تضيع في الحسبان عندما نقوم العلماء من غير العلماء. فبهذا نميز وتذهب عنا الكربة وتذهب عنا المصيبة التي ابتلت به هذه الأمة المحمدية. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.