شرح كتاب التوحيد 56

شرح كتاب التوحيد 56

الدرس في شرح كتاب التوحيد 56، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم البركة وأسبابها في الإسلام

يشرح المفهوم الحقيقي للبركة في الإسلام ويبين أسبابها، مشيرًا إلى أمثلة من الأطعمة والأفعال المباركة. البركة تأتي من طاعة الله واتباع سنن النبي.

التبرك المشروع وأمثلته وكيفيته

يُناقش التبرك المشروع والأماكن والأزمنة والأشياء التي يُشرع التبرك بها، ويوضح كيفية الانتفاع بها بشكل صحيح وفق الدليل الشرعي. التبرك يكون بالانتفاع والاستفادة في طاعة الله.

تأكيد على أهمية الدليل الشرعي والختام بالصلاة على النبي

يُشدد على أهمية وجود دليل شرعي للتبرك بالأماكن والأشياء، ويختم بالتأكيد على الصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مشيرًا إلى أهمية هذه العبادة في الإسلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان العروج مع المؤلف رحمه الله تعالى في تبويبه لباب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما، وأشرنا إلى محامل هذا الباب وأنه يحمل على أحد طريقين هذا أو ذاك. ثم أشرنا إلى ما يتعلق بمعاني البركة وما معنى التبرك، ثم أشرنا إلى مسألة مهمة ألا وهي أن البركة من الله جل في علا. ومن هنا، إخواني في الله، نخلص إلى ثلاث مسائل: المسألة الأولى أن لا يعتقد أحد أنه يتبارك بنفسه، فما هناك شيء يتبارك بنفسه إلا الله جل في علا. ثانيًا، لا يعتقد أحد قط أن بإمكانه أن يبارك في الشيء الفلاني، أنا باركت في هذا وباركت في هذا، أي أنزلت بركتي على هذه الأماكن، هذا لا يكون إلا لله. ثالثًا، لا تطلب البركة إلا من الله سبحانه وتعالى، لا تطلب من أحد، وإنما إن كان من طلب فإنك تطلب الدعاء، أدعو الله يا فلان أن يبارك الله لي في عمري، أن يبارك الله لي في أهلي، فيدعو لك. أما أنك تقول فلان بارك لي، فالبركة من الله سبحانه وتعالى. وهنا تأتي مسألة، إخواني في الله، كذلك من المسائل المهمة المتعلقة بقضية البركة والتبرك، مسألة ألا وهي أن البركة أو التبرك يقسم إلى قسمين اثنين: إلى تبرك مشروع، وإلى تبرك ممنوع. فليس هذا الباب متاحًا لكل أحد، وإنما هناك ضوابط وقيود ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يتقيد بها. ومن أعظم سائل التبرك أنك تفرق بين هذين البابين: بين باب هو من التبرك الشرعي المسموح المرغوب فيه، وهناك من التبرك ما هو تبركًا ممنوعًا، ما يجوز أن تتبرك به أو من خلاله. نتحدث أولًا، إخواني في الله، عن التبرك المشروع. التبرك المشروع، إخواني في الله، أساسه وأساسه ما جاءت في حقه الأدلة، ما جاءت الأدلة فيه على أن هذا الشيء مبارك فيه الخير الكثير. إذن نقول هذا أمر مبارك فيه بركة. وهذه الأماكن أو الأشياء التي نحكم عليها بالبركة من خلال نصوص الشريعة أحيانًا تكون في أماكن في البقاع والأراضي، أحيانًا تكون في أوقات وأزمان، أحيانًا تكون في أطعمة ومطعومات، أحيانًا تكون في أقوال وأفعال وهيئات. مثال هذه الأشياء التي جعل الله جل وعلا فيها البركة ما يكون من جنس الأماكن، هناك أماكن جعلها الله جل وعلا محلا للبركة، أنزل الله جل وعلا فيها الخير الكثير. من هذه الأماكن، إخواني في الله، مثلًا مكة والمدينة، فهي أماكن مباركة كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة»، أي جعلت حرما، فمكة والمدينة من الأماكن المقدسة المباركة الذي جعل الله فيها خيرًا. كذلك من الأماكن المباركة الشام، بلاد الشام، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾، فذكر ربنا جل وعلا أن بلاد الشام قد بارك الله جل وعلا فيها. كذلك من هذه الأماكن، إخواني في الله، ما يكون المساجد، المساجد من الأماكن المباركة كما قال عليه الصلاة والسلام: «أحب البقاع إلى الله مساجدها»، فالمساجد أماكن محبوبة محمودة عند الله، جعل الله فيها خيرًا كثيرًا. كذلك من تلك الأشياء الأزمنة والأوقات، هناك أوقات خصها الله جل وعلا بالفضائل والتكرمات. من هذه الأزمان مثلًا شهر رمضان، شهر مبارك، وقد صح ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه وصف رمضان قال: «شهر مبارك». كذلكم ليلة القدر، ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾، وصف ربنا هذه الليلة العظيمة أن فيها بركة. كذلكم العشر من ذي الحجة، بدليل أن الأجر فيه يضاعف لصاحبه. كذلك من هذه الأوقات يوم الجمعة، قال عليه الصلاة والسلام: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة»، أفضل يوم من أيام الأسبوع على الإطلاق هو يوم الجمعة، يوم مبارك جعل الله جل وعلا فيه البركة. وهكذا لا تقتصر البركة، إخواني في الله، على الأماكن أو الأزمان، بل حتى لربما طعامًا من الأطعمة، قوت من طعام وشرب يجعل الله جل وعلا فيه بركة. من ذلكم كما جاءت به الأدلة الزيت الزيتون أو الزيت بشكل عام، كما قال: «زيت الزيتون»، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يوقد من شجرة مباركة زيتونة﴾، فوصف ربنا جل وعلا أن شجرة الزيتون شجرة مباركة فيها خير ومن خيرها المنافع التي يجنيها الإنسان منها. وهكذا صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة». فدل هذا على أنه طعام قوت إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل فيه مزية البركة. وهكذا اللبن، اللبن من المطعومات التي جعل الله فيها الخير الكثير، ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا شرب لبنًا دعا فقال: «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه». كذلك الحبة السوداء، وهكذا العسل كما جاءت في ذلك الأدلة. كذلك ماء زمزم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنه مبارك، إنه طعام طعم»، فماء الزمزم، إخواني في الله، من المطعومات ومن الأشربة المباركة. كما قال عليه الصلاة والسلام: «إنه مبارك». فدل ذلك على أن أطعمة ومأكولات، بل وأزمان وأوقات، حتى الهيئات هناك هيئات من أقوال وأفعال فيها بركة، بركة على صاحبها. من ذلك حضور مجالس الذكر والعلم، هذه مجالس مباركة فيها الخير العظيم. «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسون فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». هذه فضائل ما تجدها في أي مجلس. فدل على أن المجالس المعدة في طلب العلم وفي قراءة القرآن مجالس مباركة. كذلكم صلة الأرحام وطاعة الوالدين، هذه المعاملة فيها بركة، بركة وتجدها يا عبد الله في نفسك، في مالك، في عمرك. قال عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يمد له في عمره، وأن يزاد له في رزقه، فليبر والديه وليصل رحمه». من سره أن يمد له في عمره، يطال في الأعمار، وأن يزاد له في رزقه، كثرة الأرزاق، قال: «فليبر والديه ويصل رحمه». فإن قمت بهذه الأفعال من العلاقة بين والديك بالإحسان إليهما والعطف عليهما، وأن تكون بإزائهما تعينهما في أمورهما، زد على ذلك صلة الرحم للأعمام والأخوال والأجداد، إذا كنت هذا وهكذا، اعلم أن هذه المعاملة بركة، من بركتها ما يعود إليه إطالة الأعمار وكثرة الأرزاق. كذلك الاجتماع على الطعام، الاجتماع على الطعام، حينما شكى الصحابة بعض الصحابة شكوا لرسول الله أنهم لربما يأكلون ولا يشعرون بالشبع، فقال عليه الصلاة والسلام: «اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه». من أين جاءت البركة؟ من هذه الهيئة الجماعية، كونك تأكل لوحدك في بعض البيوت يجعل القدر في المطبخ، وكل من أراد يتغدى يتغدى، ذاك يأتي بصحن لوحده ويأتي إلى غرفته، وآخر يأتي بصحن ويغرف في الصالة، وذاك يغرف إلى غرفته، ولربما هؤلاء ما يشعرون به، لربما ينتهي القدر وما شبع أحد. لكن لو أن هذا القدر أعطي للجميع واجتمعوا عليه مع ذكر الله، تجد البركة قد حلت عليهم بحيث أنهم يشبعون ولا زال في الطعام بقية. ولهذا، إخواني في الله، أحيانًا تجد أن البركة تكون في الأحوال والهيئات والأقوال والأفعال. الشاهد من هذا، من خلال هذه المسائل، سيتضح لنا على أن ما دل عليه الشرع على أنه طاعة وعبادة وفيه الخير الكثير، اعلم أن هذا الأمر مبارك، وقد بارك الله جل وعلا فيه. هنا أختم المقام، إخواني في الله، إلى تنبيه هو في الحقيقة عن مسألة مهمة في حق من أراد أن يدخل إلى موضوع التبرك بهذه الأشياء التي سمعتموها، يريد أن يتبرك، التبرك قائم على أمرين اثنين، وكن يا عبد الله على فطنة لهما. التبرك يقوم على أمرين اثنين، ولابد أنك تفهم هذه مسألة على حقيقتها. الأمر الأول: الحكم على شيء ما أنه مبارك يحتاج إلى دليل، يحتاج إلى دليل. الأمر الثاني: كيفية التبرك، هنا يقع الخلط بين الناس. وما وقع الخلط للناس وعند أهل الإسلام، سواء من كان من أهل الجهل والعامة أو من تقمص قميص العلم والدعوة، ما وقع عنده الخلط إلا عندما لم يتقيد بهذين الأمرين، بهذين البابين. ما هما؟ لابد أنك تحقق صحة أن هذا الأمر مبارك، تحتاج إلى دليل. سمعتم الأدلة الدالة على أطاعات وعبادات، صرح النبي إما بصريح الكلام على أنها بركة، أو مما يفهم من الدليل العام على أن فيها الخير الكثير. فلا تأتي يا عبد الله إلى أمر ما ثم تزعم أنه بركة. هذا كثير. أذكر فيما أذكر عندما كنت في بلاد شبوة وأقيمت صلاة الاستسقاء، فطلب مني أن أصلي بالناس فوافقت، فدلوني على محل نصلي فيه. وما هذا المكان؟ قالوا: هذا المكان فيه صخرة، وما فيه هذه الصخرة؟ قالوا: بركة. من أين جاءت بركة الصخرة هذه؟ فالناس أحيانًا مثل هذه الأحياء والأرياف والقرى لربما يذهبون إلى أماكن يقول: الصخرة فيها بركة، أو التربة الفلانية فيها بركة. حتى أن من الناس من لربما إذا ذهب إلى بعض البقاع لربما أخذ من تربتها وأخذ من ترابها وانطلق به إلى قريته. لماذا هذا التراب؟ قال: بركة. من أين البركة؟ هذه القرية والتراب والطين الذي أخذ من هذه البقعة؟ أين الدليل على أنها بركة؟ ولو فتح هذا الباب يا عبد الله، رأيت الذي ما يحير يتحير له أولو الألباب. ما الذي فعله الناس؟ فتحوا لنا أبوابًا ما أغرقت. رخام مبارك، عامود مبارك، أماكن بحار، أنهار، كلها بركة، بركة. وزعوا البركات كيف ما شاءوا. وهل هذا صحيح؟ هل الصحيح يا عبد الله أنك توزع البركة؟ تدعو الناس يقول: يا أيها الناس، تعالوا هذه بركة، هذه بركة، هذا مبارك، هذا بركة الله فيه؟ أين الدليل؟ هذه دعوة، وهذا من التقول على الله سبحانه وتعالى. لا يحكم على شيء ما إلا بنص. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني وهو المهم، لو علمنا أن هذا الأمر بركة بدليل شرعي، تأتي المسألة الثانية: كيف التبرك؟ من الأمور التي ضاقت فيها الأفهام عند عامة الناس أنه إذا سمع بالبركة والتبرك ما يعلم من التبرك إلا أمر واحد، ما هو؟ اللمس، المسح. هذه بركة يمسح، هذه بركة يمسح، ما عنده إلا اللمس، ثم يضع على جسده. هل هذه التبرك فقط؟ التبرك عبارة عن مسح؟ لا. من قال بهذا؟ من قال لأن التبرك تمسح؟ التبرك يا عبد الله يكون بالانتفاع، بالانتفاع. مثاله مر معك يا عبد الله أن هناك أماكن مباركة، المسجد مكان مبارك. ما معنى بركة المسجد؟ معنى أنك تتنقل من جدار إلى جدار وتتمسح هنا وبالسواري تتمسح؟ لا. هل يستنى المقصود ببركة المسجد؟ التمسح. بركة المسجد أنك تمكث فيه، تحتكف فيه، تطيل البقاء في المساجد، تستغل هذا المسجد بقراءة القرآن، بحضور حلقات العلم. هذه بركة المسجد. وقس على ذلك باقي الأماكن. بركة مكة، بركة المدينة، تستغل وجودك في هذا البقاء بأن تستغلها في طاعة الله. عندك مثلًا بركة الأزمان، مر معنا أن رمضان شهر مبارك، ليلة القدر شهر ليلة مباركة. هل معنى ليلة القدر ليلة مباركة؟ أنك تصعد إلى السطح ثم تتلمس الهواء؟ ماذا تفعلها يا عبد الله؟ قال: أخي ألتمس بركة ليلة القدر. لا. ما هكذا تلتمس ليلة القدر. تلتمس بركة ليلة القدر بأن تصلي، تحضر فيها التراويح والقيام والتهجد مع الناس. هذه البركة. وقس على ذلك يا عبد الله سائر ما ذكر عنها أنها بركة، تنظر كيف انتفع نبينا بهذا الأمر المبارك. فليس التبرك يا عبد الله والتمسح دائمًا وأبدًا. قال عليه الصلاة والسلام مثلًا في شأن المطعومات: الزيت مبارك، ماء زمزم مبارك. تتمسح بماء زمزم دائمًا؟ قال عليه الصلاة والسلام كما جاء عند الطبراني من حديث أمهان قال عليه الصلاة والسلام: «اتخذوا الغنم فإن فيها بركة». قال عليه الصلاة والسلام: «اتخذوا الغنم فإن فيها بركة». هل يتصور واحد أنه من اليوم يذهب إلى الحراج ويأتي بغنمه ثم يجعلها في غرفته ويتمسح بها؟ يشتفع يا فلان؟ قال: والله قالوا إن الغنم بركة، وأنا آخذ من بركة الغنم بهذه الطريقة؟ هذا غباء، هذا غباء. «اتخذوا الغنم فإن فيها بركة». يجعلها في بيته، يستفاد من لبنها، من لحمها، يستفاد من كثرة الخير فيها. هذا هو البركة. ولهذا، إخواني في الله، لابد في مسألة التبرك المشروع النظر إلى هاتين المسألتين. أولًا، لا تحكم على شيء ما بأنه مبارك إلا بدليل. والثاني، إن استطعت أن تأتي بالدليل على أن هذا الأمر مبارك، تنظر كيفية التبرك فيه، وذلك من خلال النظر في كيفية انتفاع نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا. وباقي مسألة أخرى، إخواني في الله، متعلقة بهذا الباب، من أبواب المهمة من أبواب التوحيد، يرجى الكلام عنها بإذن الله في درس غد. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.