الدرس في شرح كتاب التوحيد 84، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع الآية الثانية من كتاب التوحيد ويبين عجز المعبودات من دون الله وعدم ملكها لأي شيء. الملك الحقيقي هو لله وحده ولا أحد يشاركه فيه.
يشرح المقطع معنى الآية الكريمة ويبين ضعف المعبودات وعدم استجابتها للدعاء، وأنها ستتبرأ من الذين عبدوها يوم القيامة. هذا يدل على عدم جدوى عبادتها.
الآية تدل على عجز الآلهة المعبودة وكمال توحيد الله، وتؤكد قدرة الله على كل شيء. هذا يبرز أهمية توحيد الله وعدم عبادة غيره.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية الثانية في هذا الباب الجديد من أبواب كتاب التوحيد، وهو بصدد ذكر ما يدل على عجز المعبودات والآلهة التي اتخذت من دون الله. وقد أشرنا إلى أن هذا الفصل الذي ذكره العلماء أنه من الأبواب الدال على براهين التوحيد، وعلى أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق أن يعبد لا سواه، وأن هذا يكون ببيان ضعف المعبودات وعجزها. وقد مر معنا ما يتعلق بالآية الأولى في قوله تعالى: ﴿أن يشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا﴾، فكانت الآية السابقة كما أشرنا إلى نزع صفة الخلق والنصرة، فهذه الذوات التي عُبدت من دون الله لا تملك من ذلكم شيئا، فكيف تعبد؟ وهذه الآية بالمثل، قال سبحانه: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾، فيه بيان لسلب قضية الملك، فهم لا يملكون شيئا. فقول سبحانه وتعالى: ﴿والذين﴾ من الأسماء الموصولة، والأسماء الموصولة تدل على العموم، فيدخل في هذه الآية كل من دعي من دون الله من إنس أو جن أو شجر أو حجر، فيعم «والذين تدعون» أي تتوجهون لهم بالدعاء، ويدخل في هذا الباب دعاء الطلب وهو دعاء المسألة، ودعاء العبادة كما أشار إلى ذلك أهل التحقيق إلى أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: إلى دعاء مسألة وهو دعاء الطلب والإلحاح والتضرع، وهناك دعاء العبادة. فالعبادة التي تؤديها هي دعاء؛ لأنك من الذي ترجو من العبادة طلب من الله عز وجل، فيسمى هذا بدعاء عبادة. فذكر ربنا سبحانه وتعالى أن الذين أنتم تتوجهون لهم بأنواع الدعاء، بأنواع الأدعية، ومن ذلكم دعاء المسألة من الاستغفار والنداء والإلحاح والاستعانة والاستجارة إلى غير ذلكم. «والذين تدعون من دونه» أي من دون الله، ودون الله كما قال المفسرون بمعنى: أي مع الله وغير الله، هذا معنى «من دونه»، تدعون من دونه أي تدعون من غير الله أو تدعون مع الله من هذه الأنداد والأصنام والأوثان والآلهة. ما بها «والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير»، ما يملكون، نفى ربنا جل وعلا عنهم الملك، فما هناك أحد يمتلك شيئا حقيقيا، ما هناك ملك. وما الذي نحن فيه؟ قد يقول قائل: كيف ما هناك ملك؟ وهنا نحن نمتلك الأموال والبيوت وعندنا والذي معنا في حوزتنا هذه نملكها؟ نعم، هذا الملك الذي أعطيت إياه يا عبد الله ليس ملك لك، وإنما الله هو الذي ملكك. فرق، الله عز وجل هو الذي ملكك هذه الثياب التي أنت تلبسها، وهذه السيارة التي أنت تركبها، وهذه الأموال التي في أرصدتك من أين هي؟ فيها ملك لك؟ أنت الذي جئت بها تستحقها؟ أم أن الله هو الذي ملكك إياها؟ الله جل وعلا هو الذي ملك الخلق ما أراد سبحانه وتعالى جعل هذا الغني وهذا الفقير، وهذا القوي وهذا الضعيف، جعل هذا من الأثرياء وجعل هذا من الفقراء، الملك ملكه سبحانه وتعالى، قل: «اللهم مالك الملك». فالملك والله مالكه سبحانه وتعالى، لكن يعطي من يشاء بحكمة، بحكمة ولحكمة أرادها الله علمها من علمها وجهلها من جهلها. فما يملكون؟ أي ما هناك أحد يملك ملكا استقلاليا، بهذا يقول: أن هذا ملك من نفسي لا من ربي، ما أحد يستطيع. فنفى ربنا جل وعلا الملك الاستقلالي، ونفى كذلك ربنا الملك الاشتراكي أن يقول أحد: أني أنا مع الله قد اشتركنا في الملك كذلك، هذا لا يقول به إلا عباد الأوثان والأصنام والآلهة، يدعون أن الآلهة تنازع الله في ملكوته، هذا الدعاء. لكن في حقيقة الواقع ما هناك أحد ينازع الله في ملكه، فالملك ملكه، والكون كونه، والخلق عبيده. فقول سبحانه وتعالى: ﴿ما يملكون﴾، ما هناك أحد يملك شيئا، لا ملكا استقلاليا ولا ملكا مزاحما مشاركا مع الله، وإنما الملك الذي معنا ملك إضافي أضافه الله ونسبه الله إلينا، فمتى ما شاء أن ينزعه نزعه وسلبه وأخذه، ولا تملك لنفسك يا عبد الله قدر بعد ذلك. قال سبحانه: ﴿ما يملكون من قطمير﴾، ثم أشار ربنا جل وعلا إلى ضعف أو النفي العام، ثم بيّن شيء من الخصوص من هذا الملك الخاص الذي ما هناك أحد يملكه، القطمير، ما هناك أحد يمتلك القطمير. أتدري ما القطمير؟ التمر إذا نزعت منها النواة، إذا نزعت منها النواة، انظر في نواة التمر بدقة تجد أن حول النواة غشاء رقيق غلاف أبيض، هذا يسمى في اللغة العربية قطمير. هذا قال عنه ربنا جل وعلا: ﴿ما يملكون من قطمير﴾، تأتي إلى رجل لا أقول من المواطن، لا تجد تذهب إلى رجل يدعى في حقه أنه رب يعبد من دون الله، قل له: أنت تملك هذا؟ والله ما يستطيع أن يدعي، يدعي نعم كذبا، لكن حقا ما يستطيع، له ما خلقه ولا ما يملك شيئا حتى مقدار قطمير، ما يملكه، ما يملكه؛ لأن الملك ليس بيده، الملك ليس بيده. فهذا هو القطمير الذي ما هناك أحد من البشر يدعي امتلاكه، فما ظنك بما هو أعظم من ذلك؟ هذا القطمير، وهناك الفتيل والفتيل كذلك من أجزاء النواة، تأتي إلى التمر إلى نواة التمر تجد الشق، ما من تمر إلا ولها شق، في هذا الشق تجد حبل رقيق يسمى فتيل، وهناك النقير كذلك من أجزاء النواة، وهي نقرة صغيرة جدا في رأس النواة، هذا نقير، والحبل فتيل، والغشاء قطمير، هذا من أجزاء النواة. فذكر ربنا في هذه الآية أن هذه الآلهة والمعبودات التي تعبد من دون الله ما تملك هذا الجزء الضئيل الحقير، قطمير، فما ظنك بالذي يدعي بأن لهذه المعبودات ملك السماوات والأرض؟ كذبوا. الله، هذه الآية أخوانا في الله في بيان ضعف المعبودات والمخلوقات التي عبدت من دون الله. ثم في تمام الآية قال سبحانه: ﴿والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير﴾. كذلك في تمام هذه الآية بيان لضعف المخلوقات التي عبدت من دون الله، فهم أولا ما يملكون من قطمير، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله. ثم قال سبحانه: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم﴾، هذه المعبودات معنى ما تستحق ما تستحق، لكن لو دعيت لا يسمعوا الدعاء، لماذا؟ ما يسمعوا الدعاء؛ لأن هذه المعبودات في حقيقة الواقع إما أنها جمادات، والجماد ليس عنده حواس حتى يسمع أو يبصر أو يتكلم، جماد، ولهذا سمي الجماد جماد؛ منعت عنه الحركة. فهذه المعبودات منها ما هو جماد، فلا تملك شيئا من الحواس، أو منها من المعبودات ما هي أموات، أموات حبيسة في قبرها وفي برزخها على عمالها التي اقترفتها واكتسبتها، ومنها ما هي ملائكة، نعم عبدت، لكنهم مشغولون بطاعة الله، مشغولون بطاعة الله ليل نهار، لا يسأمون ولا يفترون، فما عندهم وقت أنهم ينصتوا لفلان أو لفلان، كما صرح بذلك القرآن. ولهذا قال سبحانه وتعالى: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم﴾؛ لأنهم إما جمادات وإما أموات أو ملائكة مشغولة بعبادة رب الأرض والسماوات. ثم قال سبحانه: ﴿ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾، لماذا؟ ما استجابوا لكم؛ لأن الجمادات ليس عندها قدرة، مسلوبة القدرة والإرادة، جماد، جماد، مثل تأتي إلى الخشبة، تأتي إلى السارية، تأتي إلى حديد، ما يملك لنفسه، تضربه تكسره، جماد، ما يملك القدرة. فالذي يعبد الشجر والحجر، فعلى فرض على أنه يسمع دعاءك، ما الذي يستطيع أن يفعل لك؟ ما يفعل لك شيئا. وإما أنهم لا يملكون القدرة، أو أن هذه المعبودات لو سمعت ما استجابت لكم؛ لأنها تكره تكره هذا الدعاء منكم. فالذي يتوجه إلى الصالحين مثلا يدعوهم يستغيث بهم، لو شق القبر وأعيدت الرواح لهذا الميت، لقام وقال: «اتقوا الله، ما الذي تفعلونه؟ ما أنا برب، ما أنا برب لكفر بشركك وكفر بدعائك». ولو ترك المجال لكل أحد من هذه المعبودات من الأموات أو من الأحياء التي لها روح، وفتكلمت لكفرت وتبرأت، وما استجابت لكم. ثم قال سبحانه: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾، وهذا كائن، إذا ما استطاعت هذه الكائنات البوح بهذه الحقيقة؛ لأن مردها للحياة منعه الله جل وعلا، لكن ستعاد الأرواح للأجداث يوم القيامة، حينها ستسمعون يا من تدعون غير الله تلكم البراءة، ستسمعون من الأوثان والأنداد والأسجار والنجوم والكواكب، ومن الأنبياء والأولياء، وكل واحد سيكفر بمن استغاث به وبمن دعاه. وتأمل في قوله تعالى: ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾، من الخبير؟ هو الله جل في علاه، حقيقة لابد أن تستيقنها، ربك يخبرك بهذا، فهو الله العليم الخبير، يخبرك يا محمد، لك تخبر به غيرك، أن هذا حاصل. فكل من دعا غير الله، فإن الله جل وعلا سيجعل هذه المعبودة تتبرأ من معبودها. فالله الله يا عبد الله باسترجاع أمرك وأنت في هذه الحياة، انظر إلى من تدعو، فإن كان دعاءك لله فأنعم به، فالله هو الذي يستجيب دعاء الداعين ويجيب المضطرين ويستغيث المغيثين، فهو الغوث جل في علاه. وإن كان دعاءك لغير الله، فاعلم أولا أنهم ما يملكون، ثانيا أنهم ما يسمعون، ثالثا على فرض أنهم يسمعون لن يستجيبوا، رابعا أنهم سيكفرون، يكفرون بماذا؟ بشرككم. وهذا قال العلماء فيه فائدة على أن دعاء غير الله شرك، دعاء دعاء غير الله شرك. اسمعها يا من تلبس على خلق الله، تهول من مسألة الدعاء، وأن الدعاء غير الله ليس فيه شيء، وأن دعاء الصالحين ليس فيه شيء، هذا شرك، لقول تعالى: ﴿ويوم القيامة يكفرون بدعائكم﴾، لكن هنا عبر بالحكم، قال: ﴿يكفرون بشرككم﴾. فهذه الآية فيها إضاح لما أراد المؤلف رحمه الله تعالى من بيان أن هذه الآلهة والمعبودات عاجزة، وهي دلالة على كمال توحيد الله، وأن الله هو القادر على كل شيء، فهو الذي يعبد جل في علاه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.