شرح كتاب التوحيد 278

شرح كتاب التوحيد 278

الدرس في شرح كتاب التوحيد 278، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تحريم التصوير وسبب ورودها في كتاب التوحيد

يشرح سبب إدراج باب تحريم التصوير في كتاب التوحيد بسبب مضاهاة المصورين لخلق الله. يُفصّل معنى التصوير ومضاهاته لفعل الله عز وجل.

منازعة الله في خلقه وعلاقة التصوير بالشرك

يُناقش كيف أن التصوير منازعة لخلق الله ويمكن أن يكون وسيلة للشرك، مستشهدًا بتاريخ قوم نوح وبني إسرائيل ومشركي العرب. يُظهر خطورة التصوير على الإيمان.

التحذير من التصوير وتأثيم فاعله

يشرح أن التصوير يؤدي إلى الشرك ويحذر منه، مستندًا إلى أحاديث تحرمه وتأثم فاعله. يبين أهمية الإيمان بالغيب كقمة للإيمان.

خاتمة في خطورة التصوير والتحذير منه

يختم بالتحذير من التصوير وتأثيمه، ويطلب النفع من الله بما قيل ويصلي على النبي، مؤكدًا على خطورة التصوير ومضاهاته لخلق الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في المصورين، هذا تبويب جديد من الإيمان، محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لكتاب التوحيد، فقال: باب ما جاء في المصورين، أي ما جاء من الوعيد، ما جاء من التهديد، وما جاء في إثم المصورين. ومسائل هذا الباب، أولا إخواني في الله، كالربط بين الأبواب، ما علاقة هذا الباب بالباب الذي قد سبق ومضى؟ الباب السابق كان حديثنا عن قول المؤلف رحمه الله: باب ما جاء في منكري القدر، وأشرنا خلالها إلى مراتب القدر الأربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق، فمن مراتب القدر الإيمان بالخلق والإيجاد، فناسب أن يذكر رحمه الله تعالى باب ما جاء في المصورين؛ لأن المصور مأخوذ من معاني التصوير: التخليق، والتشكيل، والتحسين، والتكوين، هذه كلها معاني التصوير. التصوير في لغة العرب تأتي بمعنى التخليق والتكوين والتحسين والتشكيل، فالتخليق هو من معاني الصورة، ومر معنى أن من مراتب القدر الخلق والإيجاد والتكوين، فهذا مما جعل المؤلف رحمه الله تعالى يرد هذا الباب بعد ما قد سمعنا ذكره. وأما أن المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الباب في كتاب التوحيد، ما سببه؟ سيأتي المؤلف رحمه الله تعالى بالأدلة الدالة على تحريم التصوير، سيأتي معنى المسائل والفروع والمشكلات المتعلقة بهذا الباب، لكن يبقى السؤال: ما السبب الذي أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد؟ قال العلماء: أن السببية تعود إلى أمرين اثنين، الأمر الأول: لما في التصوير من المضاهاة لله سبحانه وتعالى في أفعاله، الصورة -إخواني في الله- هو أن تجعل لشيء ما شيئا يميزه عن غيره، هذه معنى الصورة، هذا له صورة، وهذا له صورة، كل إنسان له صورته، كل آدمي بل كل مخلوق، جعل الله عز وجل له صورة. فكون الإنسان أو كون المصور بحقيقة هو أن يجعل للشيء هيئة ما تميزه عن غيره، وهذا الفعل هو من خصائص فعل الله عز وجل، فالله عز وجل هو الذي يقوم بالتصوير، بتصوير العباد بأن يشكلهم كيف شاء، قال سبحانه: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾، سبحانه يجعل لكل واحد صورة. وانظر وتمعّن -يا عبد الله- لفتة سريعة إلى وجوه الخلائق، شيء يحير، شيء يحير البشر بالآلاف، بل قل: ولا أقول بالمئات، ولا بالملايين، ولا بعشرات الملايين، بالمليارات، وكل واحد له صورة تميزه عن الآخر، هذا له صورة، من أين هذا؟ من الله، هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، بهيئة العيون، بهيئة الحواجب، بهيئة الأنف، بهيئة الفم، بالوجنتين، بكل شيء. ولهذا كان من أعظم أسماء الله جل وعلا أنه المصور، هو الخالق البارئ المصور سبحانه، أعطى لكل إنسان صورته، أعطى لكل إنسان هيئته وشكله الذي يتميز به عن غيره، فإذا وجدنا أن إنسانا ما يدعي أنه مصور يصور الأشكال، ويعطي ويميز الناس بصور هو يراها، يقال: أنت نازعت الله عز وجل في هذا المقام؛ لأن حقيقة التوحيد هو صرف ما لله لله، هذا حقيقة التوحيد، كل ما كان لله فيصرف إليه، لا ينازع أحد كائنا من كان. فإذا علمنا أن الله عز وجل هو الذي يميز بين الخلائق بصورهم وهيئاتهم، إذن من نازع الله في هذه الصورة في هذه المسألة، فقد دخل في التنديد، وهذا قد نجده في هذه الأزمان -إخواني في الله- من لربما ينازع الله، من ينازع الله في أسمائه، في صفاته، في ربوبيته، في ألوهيته، كحال من يقول: أنا ربكم الأعلى، من يقول: أن العبادات لي، من يقول: أنا أحيي وأميت، هذا يوجد كما وقع في زمن إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿أنا أحيي وأميت﴾، نازع الله في الخلق والإيجاد. وهكذا ما فعله جماعة من الزنادقة عندما ذكر لهم أن الرب عز وجل يخلق، قال: وأنا أخلق، قال: كيف هذا؟ فجاء بطعام ثم أغلق عليه لأيام وليالي، ثم فتح الإناء، فإذا بالطعام ماذا قد جاءه الدود؟ قال: انظروا هذا الدود أنا خلقته، أنا خلقته، فانظر إلى الغباء، وانظر إلى السذاجة والحماقة، لكن يريد أنه يتذرع بأن هذا الخلق كان بفعله عندما جعل هذا الطعام يتعفن فجاءه الدود، قال: أنا الذي أتيت بهذا الدود، ليس الله. وهكذا قل في حق من نازع الله جل وعلا في أمر الصورة، ويرى أنه يشكل الذوات ويشكل الأجسام، ولهذا سيأتي معنا ما يدخل في التحريم، ما يفعله أهل النحت عندما ينحتون أشكالا لآدم ولغير آدم، كما سيأتي معنا، ويريدون بذلك أن هذا مما ينازع خلق الله، بل هو أفضل من خلق الله. لهذا أورد المؤلف وغيره من العلماء باب المصورين في كتاب التوحيد؛ لأن التصوير من الخصائص الذي اختص به رب العالمين. الأمر الثاني الذي لأجله أورد العلماء هذا الباب، باب التصوير في كتب التوحيد والعقيدة؛ لأن هذا الباب في الحقيقة أصبح من أعظم أبواب الشرك، أعظم وسيلة من وسائل الشرك، التصوير أن يكون صور لأشخاص وأناس من المعظمين، وهذه فلسفة معروفة، الإنسان إذا أراد أن يعتقد في شيء ما لابد أن يتصور له صورة، لابد وإلا ما يستطيع أن يستحضر معبوده، إن لم يكن شيء ماثلا أمامه. ولهذا يأتي الكفار ويأتي أهل الشرك على كل صورهم، يأتون بصور لابد يأتون بصور تمثل لهم الآلهة والأرباب والعظماء الذين يتوجهون إليهم، وانظر مثلاً لأول حادثة الشرك وقعت في الأرض، وهي في قوم نوح، حينما غلوا في الصالحين: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا، حينما عظموا هؤلاء، فأرادوا أن يستذكرونهم في مجالسهم، ماذا جاء في الرواية كما في البخاري؟ فنصبوا لهم التماثيل، هذه الذريعة جعلتهم التماثيل حينها التصوير، هذا كان ذريعة لماذا؟ ذريعة للشرك. وهكذا من جاء بعدهم من الأمم، كبني إسرائيل، ويدخل فيهم اليهود والنصارى، سيأتي معنا كيف أنهم في كنائسهم وفي معابدهم ماذا؟ صور، صور، صور لمريم العذراء، صور لعيسى المصلوب على حد زعمهم، ما من كنيسة، ما من معبد إلا وتجد صورا، كما سيأتي معنا في الصحيحين. وهكذا قس حتى فيما كان من أمر مشركي العرب، فإنما إذا أرادوا أن يعبدوا معبودا ماذا فعلوا؟ نحته أصناما، وسموها بأسماء: هذا اللات، هذا العزى، هذا مناة، هذا هبل، هذا إساف، هذا نائلة، وإن النبي لما دخل الكعبة في فتح مكة ماذا وجد في داخلها؟ وجد صورا، صورة ماذا؟ صورة إبراهيم، وصورة إسماعيل، وهم يستقسمان بالأسهم، حتى أمر نبينا بمحي صور، بمحيها. فكان الناس ولا زالوا، فما من أحد يتخذ معبودا كائنا من كان، أراد أن يعبده من دون الله إلا وجعله صورة، أما الأمة المسلمة، فإن الله عز وجل وكل تعظيمه سبحانه وتعالى لما في قلوب العباد، ليس كمثله شيء، ولهذا كان المسلم من أعظم الناس إيمانا؛ لأنه يعبد الله وما رآه، وما رآه سبحانه وتعالى، وهذا قمة في الإيمان بالغيب، قمة الغيب. حتى أن الملاحدة يستشكلون في أمر المسلم، يقولون: إيش تعبد؟ تعبد من؟ تعبد رب؟ أرأيت ربك؟ فيقول: ما رأيته، تريد ماذا؟ جنة؟ أرأيت الجنة؟ لا، تخاف من النار؟ رأيتها؟ لا، ما رأيتها؟ لا، رأيت الجنة ولا رأيت النار؟ لا، لماذا تفعل؟ أطاعات وعبادات؟ قل: هذا هو علم الغيب الذي ارتقى به المسلم عما سواه من الأديان والملل. ونحن كما جاء في الحديث الصحيح، عندما سأل ربنا سبحانه وتعالى الملائكة الذين حضروا مجالس الذكر: من أين جئتم؟ قالوا: جئنا من عند عباد يذكرونك ويسبحونك ويحمدونك، قال: هل رأوني؟ قالوا: لا يا رب ما رأوك، قال: ماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة، قالوا: هل رأوها؟ قالوا: لا يا رب ما رأوها، قالوا: بم يستعيذون مني؟ قال: يستعيذون منك من النار، قال: هل رأوا النار؟ قالوا: لا يا رب، قال: هم القوم قد غفرت لهم، قمة المغفرة على ما يكون من إيمانك بالغيب. وهكذا قس كل مسألة -يا عبد الله- تؤمن بها، ما عندك إلا فقط الإيمان بالغيب، فإن أجره أعظم، كالإيمان بعذاب القبر مثلا، الإيمان بالملائكة، ما رأيناهم؟ لكن نؤمن بأن هناك عذابا عظيما خلقه الله، عذاب القبر، فتنة القبر، يوجد ما أعده الله للمجرمين من العذاب، ومن الجنة والنعيم للأبرار، ما رأينا ذلك ولا سمعنا، لكن نؤمن. فعلى قدر إيمانك بالغيب فإن أجرك يعظم عند ربك، فالشاهد -إخواني في الله- نعيد إلى ما ذكرناه سلفا، السبب الثاني من الأسباب الذي لأجلها يذكر العلماء هذا الباب، باب التصوير في باب الكتب العقيدة والتوحيد؛ لأن التصوير أصبح بابا من أبواب الشرك، ووسيلة إليه. ولهذا المؤلف ومن كان على هذا المنوال يوردون هذا الحديث، ولهاتين العلتين، ولهاتين العلتين: علة المضاهاة، وعلة السببية للشرك، فإنك تجد -يا عبد الله- الآثام وتجد التهديد الذي جاءت في النصوص الشرعية تعود لهذا السبب، لذاك السبب، سيأتي معنى الأحاديث، مثاله: ما سيأتي معنى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، أي لا أحد أظلم هذا من أظلم الناس، ماذا فعل؟ يخلق كخلق الله، أراد المضاهاة، هذا السبب الأول. وجاء كذلك أن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون خلق الله، فتجد أن هؤلاء عذبوا لسببية المضاهاة، والسبب الثاني: أنه ذريعة للشرك، جاءت العقوبة، ما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى ذلك الصحابي: «أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته»، جمع نبينا بين الصورة وبين القبر، صورة والقبر: «لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته»؛ لأنها هنا علت ماذا؟ علت التنديد. إذن لما كان الأمر متعلقا بالتوحيد، من باب المضاهاة، أن التصوير فيه منازعة في خلق الله، وفيه السببية من أسباب الوقوع في الشرك، فإن الأحاديث التي جاءت في التأثيم وفي التحريم جاءت لمن يفعل لهذا ويفعل هذا، وسيأتي معنا في الباب الأحاديث المروية في هذا الباب، وما سيأتي معنا من التقاسيم المتعلقة بأمر التصاوير. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.