مباحث في السنة النبوية 4

مباحث في السنة النبوية 4

الدرس في مباحث في السنة النبوية 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تحقيق السنة

يبدأ الحديث عن أهمية تحقيق السنة في حياة المسلم باعتبارها مصدرًا للتشريع والتحاكم إليها في النزاعات. يُشدد على اعتبار السنة مصدرًا أساسيًا للتشريع.

مظاهر تحقيق السنة النبوية

تتمثل مظاهر تحقيق السنة في التحاكم إليها، ومحبتها وإجلالها، والرضا والتسليم بما جاءت به، والدفاع عنها ونشرها وتعليمها. يُحذر من رد أحاديث السنة لعدم موافقتها للواقع أو العقل.

فضل تحقيق السنة والتحذير من الإهمال

يُعد تحقيق السنة بالفضائل والمناقب في الدنيا والآخرة، ويُنبه إلى بُعد المتفرطين عنها، ويختم بالدعاء للنبي وآله وصحبه. يُشجع على التمسك بالسنة لتحصيل الأجر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من المباحث المهمة، إخواني في الله، مما يتعلق بمباحث السنة، ما يتعلق بالسنة وتحقيقها. علمنا أولًا ما هي السنة من حيث المعنى اللغوي والإصطلاحي، ثم أشرنا بعد ذلك إلى فضائل السنة. يبقى السؤال المهم: كيف يتحصل المسلم على هذه الفضائل؟ السنة أمامه، وكل ما أضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام. بقي ما هي الطريقة؟ وما هو المظهر الذي إن تلبس به كان محققًا للسنة، والتي من خلالها سيتحصل على الأجور وعلى الثواب وعلى الفضائل والمناقب العالية التي مرت معنا في درس أمس. لهذا ينبغي التنويه، إخواني في الله، على هذا المبحث، لأن من الناس من لربما اكتفى بأنه يجعل هذا المقام مقام دعوى، يدعي بأنه محقق للسنة، لكن لا تجد للسنة أثرًا لا في حياته ولا في عشرته وأقواله وأفعاله. من هنا، إخواني في الله، وفي هذا المقام، سأذكر ما هي المظاهر التي إن حققها المسلم يكون حينها محققًا للسنة، وأن القصور فيها هو قصور في السنة، بل ربما يكون من أبعد الناس عن السنة، وإن كان يدعيها في اليوم ألف مرة. من مظاهر السنة، إخواني في الله، أولًا: أن تعتقدها، وأن تعتبرها مصدرًا من مصادر التشريع. أن تعتبر السنة مصدرًا من مصادر التشريع، وأن هذا الدين، وهو دين الإسلام، يقوم على هذين الركنين: على القرآن وعلى السنة، وأنه لا قوام للدين إلا بهما. بل هذا وحقيقة معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. هذا وتحقيقها: لا إله إلا الله بأن تأخذ بما جاء عن الله من خلال ما ذكره في كتابه، وأن محمدًا رسول الله بأن تأخذ ما جاء عن رسول الله في سنته. وقد مرت معنا بالأمس الآيات الكثيرة التي قرن الله جل وعلا بين طاعته وطاعة نبيه: ﴿وأطيعوا الله والرسول﴾، ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾، ما معناهما؟ قال ابن كثير رحمه الله: «أطيعوا الله أي خذوا كتابه، وأطيعوا الرسول أي اتبعوا سنته»، فلا قوام للدين إلا بالأخذ عن الله وعن رسوله عليه الصلاة والسلام. فالإخلال بهذا الركن هو إخلال بالدين، ومن أخلّ بالسنة، فما اعتبرها مصدرًا من مصادر التشريع، فما حقق السنة، بل ما أقام الدين. بل ما أقام الدين. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»، أوتيت القرآن ومثله معه، مثله السنة. فالشاهد، إخواني في الله، فمن أعظم ما يكون من تحقيقك للسنة، يا عبد الله، أن تعتبرها مصدرًا من مصادر التشريع. فمن أخرج السنة من اعتبارها من مصادر التشريع، فما حقق السنة، فما يتحصل على فضائلها أو مناقبها. ثانيًا من مظاهر السنة، يا عبد الله، الاتباع والاقتفاء بكل ما جاء به رسول الأنام عليه الصلاة والسلام. الاتباع والاقتفاء بكل ما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. أتى نبينا عليه الصلاة والسلام بالشيء الكثير: أتى لنا بأقوال وأفعال وأعمال واعتقادات وأحوال. فهذا المضمار، يا عبد الله، عليك أن تسعى جاهدًا في أن تأتسي برسول الله فيه قدر الإمكان. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، هو قدوة، قدوتنا في ماذا؟ قدوتنا في كل ما أتى به. فمن مظاهر السنة، يا عبد الله، أن تتبع نبيك في كل ما أتى به. ولهذا قال الإمام الكثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، قال رحمه الله: «وهذه الآية أصلٌ كبير في التأسي برسول الله في أقواله وأفعاله وأحواله». هذا من تحقيقك للسنة، تنظر إلى هديه، تنظر إلى سمته، تنظر إلى أقواله، تنظر إلى أفعاله، ما كان من مدخله ومخرجه، ما كان في حله وترحاله، ما كان في مطعمه ومشربه ومسكنه وملبسه، تأتسي به. يدخل في ذلك أيضًا ما كان من التأسي بأخلاقه وآدابه، بابٌ عظيم من أبواب الأخلاق والآداب تأتسي به. وهكذا الائتسابه في باب الدعوة والمنهاج: «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني»، تأتسي برسول الله في طريقته ومنهاجه ودعوته. يدخل في هذا الباب أيضًا التأسي به في عباداته: تصلي كصلاته، تصوم كصومه، تحج كحجته، «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «صلوا كما رأيتموني أصلي». قال عليه الصلاة والسلام: «من توضأ نحو وضوء هذا»، وهذا من أعظم أبواب التأسي، أن تتأسى به في باب الطاعات والعبادات. وهذا كما قلنا كذلك مضمار واسع، فباب الاتباع والاقتفاء مظهر من مظاهر تحقيق السنة. ثالثًا مما يكون به تحقيق السنة، يا عبد الله، التحاكم إليها، التحاكم إليها بأن تجعل السنة، يا عبد الله، هي الفيصل في قطع النزاع إن حصل، وأن تجعل السنة هي المعيار والميزان في معرفة الخطأ والصواب. والأدلة كثيرة تدل على ذلك، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، فإن تنازعتم في شيء -أي شيء وقع فيه التنازع- نرجع إلى من؟ نرجع إلى السنة. هذا من مظاهر تحقيق السنة أن نرجع إليها، نتحاكم إليها. وقد مر معنا بالأمس ما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: الإجماع في مسألة الرد عند التحاكم، وأن هذا التحاكم إلى رسول الله يكون في حياته، وأيضًا يكون بعد ما مات. كيف نتحاكم إلى رسول الله بعد ما مات؟ نذهب إلى قبره؟ لا، بل نعود إلى سنته عليه الصلاة والسلام، وهذا بالاتفاق. فإن من مظاهر السنة، يا عبد الله، أن نتحاكم إليه في كل ما دب فيه النزاع. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، فلا إيمان لنا، يا عبد الله، إلا إذا تحاكمنا إلى سنة عليه الصلاة والسلام. وهذا التحاكم في كل أمورنا، في كل حياتنا وشؤون أوضاعنا، في ديننا ودنيانا، في المسائل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تتحاكم إلى سنته. تنازعت أنت، يا عبد الله، وأهلك مع زوجتك، حكم السنة. مع أولادك وقرابتك، حكم السنة. مع جيرانك وأرحامك، حكم السنة. تشاجرت، تلازعت مع باقي أفراد المسلمين من قبيلتك وعشيرتك، حكم السنة. بلدان من بلاد أهل الإسلام، قبائل تناحرت، تناحرت من المسلمين، فليحكم السنة. فالسنة تحكم في كل أمورنا وشؤوننا، هذا من مظاهر السنة في تحقيقها: أن نتحاكم إليها، لا أننا، إخواني في الله، نرمي بها إذا جاءت مسائل القضايا، نتحاكم إلى غير السنة، كمن يتحاكم إلى الآراء والأهواء، أو من يتحاكم إلى العشائر والقبائل، أو من يتحاكم إلى العادات والتقاليد والأسلاف. أو من يتحاكم لربما إلى جماعته وإلى بروتوكولات أصحابه ومنهاجه، أو من يتحاكم إلى حزبية الذي هو ينتمي إليها، أو يتحاكم إلى مشائخه وساداته، كما تفعل الفرق الضالة من الرافضة وغيرهم ممن يزعمون أنهم يتحاكمون إلى أئمتهم المعصومين، على حساب أنهم يرمون بالسنة عرض الحائط. وهكذا، قسما، عبد الله، ناس شتى أعرضوا وصدوا عن تحكيم السنة في شؤون حياتهم. ولنعلم، عباد الله، أن هذا الخلق، وهو الصد والإعراض عن التحاكم لرسول الله وإلى سنته، إنما هو من فعل أهل النفاق والشقاق، من فعل أهل النفاق والشقاق. كما حكى ذلك ربنا عنهم بقوله: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا﴾، المنافق يصد، تعال إلى نبيك، تعال إلى السنة تفصل بيني وبينك، يقول: لا، لا، لا، يلجئني بغيرها. منافق، لكن أهل النفاق يتفاوتون في هذا الباب يتفاوتون في هذا الباب تفاوتا عظيما. فإذا علم أن هذا من شيم وصفة أهل النفاق: عدم التحاكم إلى سنته، علم بالمفهوم أن التحاكم إلى سنته من علامات الإيمان. كما قال ربنا: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾، هذا المؤمن يذعن للسنة، ولو علم أن الحكم سيكون عليه، لا، لا يحكم، يرضى بها. فالتحاكم، إخواني في الله، مظهر من مظاهر تحقيق السنة النبوية. وهكذا، إخواني في الله، رابعًا من مظاهر تحقيق السنة: ما يكون من المحبة لها والإجلال والإعظام والتوقير والاحترام. هذا مما ينبغي أن تكل السنة، لعل لربما نجد من الناس من لربما في الظاهر هو من يأتي بالسنة، لكن ليس محبة لها، وإنما على رغم أنفه يأتي بالسنة، على رغم أنفه. الواقع يفرض عليه ذلك فرضا، فهو يجامل الناس على السنة، لكنه في قلبه وفي مكنون صدره ليس عنده التعظيم ولا الإجلال ولا التوقير ولا الاحترام. هل هذا موقر؟ هل هذا محقق للسنة؟ لا، هذا من أبعد الناس عن السنة. فإن من مظاهر السنة، يا عبد الله، أن يكون لك في قلبك لها إزاءها عندك من المحبة والرجاء والطمع والحرص عليها قدر الإمكان. فإن ذلك من أعظم مقامات الدين: ﴿إن أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه﴾، توقروه، من مقامات الدين الإجلال والإعظام لرسولنا الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. أن تملأ القلوب محبةً وإجلالاً، «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»، فهذه المحبة ينبغي أن تصرف له في حياته، وأيضًا بعد مماته. لربما، كما قلنا، من الناس من يذعن للسنة، لكنه مبغض لها، يتمنى من قلبه أن لو لم تفرض ولم تصرح بهذا الحكم الذي بين يديه، هذا من أهل النفاق، ولو كان في ظاهره يدعي أنه محققًا للسنة. وقد كان سلفنا الصالح، رحمهم الله، كانوا معظمين للسنة، ليس فقط في حياته، بل حتى بعد مماته عليه الصلاة والسلام، يظهر ذلك منهم جليًا في سرعة قيادهم إذا قيل لأحدهم: «قال رسول الله»، وقف، وقف، ما يستطيع أن يحرك ساكنًا، لا أن يتقدم ولا أن يتأخر، حتى يفرغ سمعه من حديث رسول الله. لأنه يشعر كأنه يخاطب نبينا في حياته، فيعظم الحديث لتعظيم رسول الله، فيمتثله حيًا أمامه، فيعطيه من الإجلال والاحترام. بل كان الكثير من المحدثين إذا أراد أن يحدث عن رسول الله، فإن كان التحديث قراءة أو كتابة، لربما توضأ على كل حديث يتوضأ، حتى يكتب حديث رسول الله إجلالًا لكلام نبينا. وكان بعضهم لو كان على مرضه، لو طلب منه أن يحدث عن رسول الله، يقول: «أقعدوني، أقعدوني، إني أجل أن أحدث عن رسول الله وأنا مضجع»، فيقوم. وكان إمام مالك رحمه الله تعالى من أجل الناس تعظيمًا لحديث رسول الله، حتى أنه ما كان يحدث إلا إذا اغتسل وتجمل وتطيب وتعطر. لماذا يفعل ذلك؟ تعظيمًا لما سيتلوه من كلامه عليه الصلاة والسلام. هذا التعظيم جرى معهم بعد موته عليه الصلاة والسلام، هذا في أقواله، فما ظنك في امتثاله وأفعاله؟ فالأمر أشد وأحرص. ويا عبد الله، عليك أن تعلم أن من مظاهر تحقيق السنة: ما يكون من الإجلال والاحترام والتوقير والإعظام لها. وهكذا، إخواني في الله، من لوازم السنة: ما يكون من الرضا والتسليم والقبول. ترضى وتسلم وتقبل بكل ما جاءت به السنة. كل ما تأتي به السنة، اجعله على العين والرأس، ترضى وتسلم. فلا تشكك ولا تتردد ولا تطعن ولا تغمز في سنة عليه الصلاة والسلام، بحجة مثلا أن ما قاله نبينا ما يوافق الواقع، أو ما ذكره عليه الصلاة والسلام يستبعده العقل البشري، أو أن هذا الذي ذكره نبينا عليه الصلاة والسلام هو للخيال أقرب. هذا ليس من تحقيق السنة، يا عبد الله. السنة مجالها الرضا، ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، وحي ترضى به، هذا الكلام من نبيك، سنة، قولًا كانت أو فعلًا، وافق الواقع الذي أنت تعيشه أو لم يوافق، اعلم أنه حق. كما قال نبينا لعبد الله بن عمر: «اكتب، اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما يخرج منه» -وأشار إلى فمه- «إلا حقًا». يخرج الوحي، يخرج الوحي. وإلأسف، ابتلينا في مثل هذه الأزمان، وهذه فتنة قديمة وظهرت واشرأبت في مثل هذه الأزمان: عدم الرضا والقبول لأحاديث رسول الله. حتى أصبح بعض الناس إذا أخذ السنة قبل أن يقوم بالعمل بها أو بالتصديق بها، يدخلها في محطة ما يسمى بالواقع: تنفع هذا في الواقع؟ تواكب الواقع أم لا تواكبه؟ فإن واكبت الواقع أدخلها، وإلا ردها. حتى وجدنا من الناس من يتهكم على سنته. حتى قال ذاك القائل -عامله الله بما يستحق-: «قالوا: أتاني حديث عن رسول الله في الطب، وجاءني قول طبيب نصراني، لأخذت بقول الطبيب النصراني؛ لأنه أعلم من رسول الله بالطب». هكذا تتعامل بالسنة، يا عبد الله؟ تخاطب نبيك على أنه رجل فضولي يتكلم في الطب بمحض اجتهاد من؟ إذا جاءك خبر عن رسول الله في الطب، وخبر عن دكتور نصراني، تأخذ بالنصراني ولا تأخذ برسول الله، بحجة ما تدعيه من أن الطبيب النصراني أعلم من رسول الله؟ هل أنت الآن تقيس بين أطباء، بين دكاترة؟ أم تقيس بين رجل كافر وبين نبي يوحى الله له بعلم الدنيا والآخرة؟ وهكذا، إخواني في الله، مسائل كثيرة جدًا ابتلينا بها من عند المؤولة ممن رد الكثير من أحاديث السنة، فما رضوا بها، وما قبلوها، بحجة أنها لو ربما ما توافق، أو أنها أقرب للخيال، أو أنها بعيدة المحال، أو أنها لا يمكن للإنسان البشري أن يحقق ذلك. والإنسان، إخواني في الله، يعلم أن ما أخبر به نبينا خبر السماء، يصدقه كما جاء في مسلم، عندما قال ذاك الرجل: «يا رسول الله، إن أخي يشكى بطنه»، اسهال، يشكى بطنه، فقال له نبينا: «اذهب واسقه عسلًا»، فذهب فسقاه، فرجع، قال: «يا رسول الله، ما زاد إلا استطلاقًا»، قال: «اذهب وارجع، فاسقه عسلًا»، فذهب وفعل، ثم رجع، قال: «يا رسول الله، ما زاد إلا استطلاقًا»، قال نبينا حينها: «صدق الله، وكذب بطن أخيك، اذهب واسقه عسلًا»، قال: «فسقاه فبرئ». ما يتلفظ به نبينا: وحي، وحي ليس محلا للاجتهاد، يا عبد الله، حتى تنظر وتقارن بين كلامه وكلام غيره. إذن، تحقيق السنة، يا عبد الله، مجالها الرضا والقبول والتسليم. وهكذا، إخواني في الله، مما يذكر من لوازم السنة: ما يكون من الذب والدفاع عنها. إن كنت نعم محققًا لها، معظما لها، فليظهر ذلك في الدفاع والذب عنها. تدافع عن السنة كما قال نبينا: «من ذب عن رسول الله، ذب الله عنه، ومن حمى رسول الله، فالله يحميه»، فالجزاء من جنس العمل. وإن من مواطن ومن مظاهر السنة، يا عبد الله، أن تكون ماذا؟ دافعًا، منافعًا، ذبًا عنها، في حق من تطاول عليها، ترد عليه. من استهزأ بها، ترد عليه. من أراد التشكيك بها، ترد عليه. فلا يزال حالك هذا: مجندًا لنفسك، لمجندًا نفسك في الذب عن كل من يمس، من يمس سنة نبيه بسوء. وكما قال رسول الله: «حديثي قتاد»، قتاد رضي الله تعالى عنه قال: «حماك الله كما حميت نبيه»، عليه الصلاة والسلام، عندما كان يحميه، صلوات ربي وسلامه. وأخيرًا، وأخيرًا، إخواني في الله، من تحقيق السنة: ما يكون من نشرها، ومن تعليمها وتعلمها. هذا من مظاهر السنة. أما أنك تقول: «أنا سني، وأنا معظم للسنة»، وأنت لا تعلم معناها، ولا تقوم بنشرها، ولا تبليغها، ولا المساهمة في تحقيقها عند الأنام، فلا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني، ولو آية»، بلغوا عني -أي عن رسول الله- ولو آية. وقال عليه الصلاة والسلام: «نضر الله امرأً سمع منا مقالة، فوعاها، فأداها»، نضر الله -دعاء من نبينا عليه الصلاة والسلام- في حق من علم شيئًا من سنة، فبلغ. فمن تحقيق السنة، يا عبد الله، التبليغ والنشر. ولهذا يقول إمام البيهقي رحمه الله: «وإذا لزم اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لزومه فرضا باقيًا، قال: فلا سبيل إلى اتباع سنته إلا بعد معرفتها، إلا بعد معرفتها، ولا سبيل إلى معرفتها إلا بقبول خبر الصادق»، قال: «ولذلك أمرنا بتعلمها والدعاء إليها». هذا، إخواني في الله، باختصار ما يذكر من مسألة مظاهر السنة. فإن تحققت، يا عبد الله، فيك، اعلم أنك المحقق للسنة، فأنعم بتلكم الفضائل والمناقب التي أعدها الله لأصحابها في الدنيا والآخرة. وأما من فرط فيها، فإنه من السنة أبعد. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.