الدرس في قصة صالح عليه السلام 3، قتل ثمود لناقة صالح - عليه السلام - . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن تفاصيل مقتل ناقة صالح عليه السلام وروايات العلماء حول سبب قتلها وأسماء المتورطين. يشمل وصف كيفية قتلها وتفاصيل حول الفصيل الصغير.
يتناول تواطؤ قوم ثمود في قتل الناقة ومؤامرتهم ضد صالح عليه السلام، حيث رضوا جميعاً بالفعل وتآمروا على قتله ليلاً.
يشرح استعجال قوم ثمود للعذاب بعد فشل مؤامرتهم، حيث اتهموا صالحاً بالشؤم ثم استعجلوا العذاب فأمهلهم الله ثلاثة أيام قبل نزول العذاب.
يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويعبر عن تواضع المتحدث بإقراره بأن العلم لله تعالى وحده.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصل إخواني في الله في قصة صالح عليه السلام، وأشرنا في المبحث الأخير فيما وقفنا عليه فيما يتعلق بمسألة مبدأ مقتل الناقة. وذكرنا أن العلماء يذكرون أن من أسباب مقتل الناقة قيل: والله تعالى أعلم بما كان من أمر تلكم المرأة، والتي يقال عنها صدوف منت المحية، أنها أشارت على رجل ما، وهو مصرع بن مهرج، على أن يقوم بقتل الناقة، ويكون ذلك مهره إليها. وقيل: أنها امرأة عجوز يقال عنها عنيزة، أنها كانت لها أربع بنات، وطلبت من قدار بن سالف أنه إذا قام بقتل الناقة فإنه يخير بين بناتها الأربع، وكن في غاية من الجمال والحسن. وقيل: أن الأمر كان تعاون بين مصرع وبين قدار، وشاركهم سبعة من أشقى القوم، فكانوا تسعة، كما سيأتي ذكرهم. فبدأت الحادثة أن هؤلاء تواطئوا على أن ينتظروا يوم ورد الناقة إلى الماء، فلما جاءت قام مصرع ورماها بسهم حتى يحول بينها وبين الجري والهرب، ثم قام إليها قدار بن سالف فضربها بساقها حتى تسقط إلى الأرض؛ لأنها كما قلنا في وصفها أنها عملاقة كبيرة، فلابد أن يصل إلى الرقبة، فضرب ساقها بسيفه فسقطت على الأرض، فحينها طعنها في لبتها، أي في النحر مكان المنحر. وقيل: أنه لما ضربها بساقها خرج عليه الناس، وكانوا قد علموا بهذه المؤامرة والدسيسة، فخرجوا عليه وقالوا: اقتلوها، اقتلوها، تمالأوا تمالأوا على ذلك، فقام فقتلها. هذا ما يتعلق بمقتل الناقة، بقي ما يتعلق بفصيلها. قيل: أن الصغير هرب، صعد إلى مكان فرغى ثلاث رغيات ثم اختفى، وقيل: أنه قتل مع أمه. والقرآن لم يأت بذكر الفصيل، لكن جاءت الآثار الكثيرة في الكتب والتواريخ والتفاسير عن وجوده، وسأتي الحديث عن هذا الفصيل في مبحث آخر بإذن الله من ملحقات قصة صالح. فالشاهد بهذا قتلة الناقة، هنا نقف وقفة مع قول ربنا عز وجل: ﴿كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها فكذبوه فعقروها﴾. هذه الآية الكريمة توضح لنا شيئاً من معالم مقتل الناقة التي كانت لصالح، والتي أوجدها الله لقوم ثمود. ونخص بالذكر في ثلاثة مسائل: المسألة الأولى في وصف ربنا جل وعلا للقاتل، وهو عاقر الناقة. إذن بعث أشقاها، أي أشقاها، أي أشق القوم، وهو الذي قام بمباشرة القتل. وجاء في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف لنا هذا القاتل، وقال عليه الصلاة والسلام: «إذ انبعث أشقاها»، قال: «انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في أهله». قال عليه الصلاة والسلام: «إذ انبعث أشقاها»، قال: «انبعث لها رجل عارم»، عارم في اللغة العربية بمعنى الشرير الشرس، شرير وهو أيضا شرس، أي ما يبالي بأحد ولا يخاف من أحد، لكن في باب الشر. عارم، قال: عزيز، وفي رواية: «ذو عزة»، ذو عزة، أي عنده قوة وقدرة. وقال: «منيع في أهله»، وأيضا له قوة أخرى وهي في عشيرته وفي قبيلته، فعنده عشيرة وقبيلة لها قدرة على حمايته، فما هناك أحد سيقاضيه، مهما فعل، فهم سيقفون معه، وهم ليسوا أي قبيلة، بل قبيلة منيعة معروفة في ثمود. فقال عليه الصلاة والسلام: «فانبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رحطه»، فهذا هو الذي وصفه ربنا جل وعلا: «إذ انبعث أشقاها». وفي الآية الأخرى أيضا وصف لهذا القاتل، كما قال سبحانه: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾. نادوا قيل: هؤلاء التسعة الذين أشرنا إليهم، وهم الرؤساء في هذه المؤامرة والمكيدة، أنهم عندما أسقطوا الناقة نادوا نادوا من قدار، كل الروايات تشير إلى هذا المجرم أنه الذي تولى القتل بنفسه، فنادوا صاحبهم، أين أنت؟ فتعاطى فعقر. قيل: تعاطى أنه أخذ سيفه وهو يتبختر، يعني جرأة وحماقة. والعقر هو قطع قوائم الدابة كالفرس والناقة، يقال: عقر جواده، عقر الجواد هو قطع القوائم قوائم الحيوان، وهذه وسيلة إلى عرقلته وإلى إسقاطه وعدم تحركه. فتعاطى فعقر، فعقر الناقة فسقطت، ثم ذبحها كما أشرنا في الرواية التفسيرية. إذن هذه الآية فيها وصف لقاتل الناقة، ويعبر عنه العلماء بعاقر الناقة. وأما المسألة الثانية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها﴾، قال لهم صالح عليه السلام هذا الكلام فيه إشارة إلى أن صالحا عليه السلام قد أدرك شيئا من المؤامرة، وحاول أن يثنيهم من الاستمرار في القتل. فجاء وهو يحذرهم قائلا: «ناقة الله وسقياها»، أي احذروا ناقة الله واحذروا يوم سقياها، أراد التحذير والتنبيه على عظيم ما هم قادمون عليه. وبهذا يكون قوم ثمود قد جاءتهم الحجة في أكثر من موطن، ابتداء وانتهاء. ابتداء لما خرجت الناقة عليهم: «لا تمسوها بسوء»، هذا شرط قد مر معنا، لا تمس بأذى، هذا في بداية ونهاية. عندما أرادوا أن يقتلوها وقف أمامهم وحذرهم: «ناقة الله»، احذروها. ومع ذلك قتلوها، فهم ماذا قد قامت عليهم الحجة أولا وآخرا، في البداية وفي النهاية. ومع ذلك ما لاق منهم إلا الإعراض. الوقف الثالث في هذه الآية في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فعقروها﴾، عقروها مع أن العاقر من هو قدار، هو الذي عقر، قلنا قطع ساق الناقة حتى تسقط، فهو واحد، لكن لماذا جئ بالجمع: «فعقروها»؟ وهكذا في آية أخرى كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فعقروا الناقة﴾، يأتي الضمير بصيغة الجمع. قال العلماء: ذلكم لأن الجميع كان راض بالفعل، كان الجميع راضي بالفعل. بل ذكرت جاءت الآثار كما نقل عن قتادة رحمه الله تعالى أن قدار هذا عندما طلب منه أن يتبنى قتل الناقة قال: بشرط أن توافقوا، توافقوا، فأخذت البيعة كما في الرواية على كل أحد، على الصغير وعلى الكبير، وعلى الذكر وعلى الأنثى، حتى الجوار في البيوت توافقون، سيقوم قدار بقتلها، كلهم وافقوا. فكلهم وافقوا لهذا قلنا في الرواية الأولى: أنه لما رماها بسهم خرجوا: «اقتلوها، اقتلوها»، التواطئ موجود بدليل النص القرآني. فلما وصف ربنا جل وعلا أن العقر يعود للجميع: «فعقروها»، دل على أن الجميع قد رضي بهذه الجريمة، والراضي بالجريمة كفاعلها، فحكمه من حكمهم. فالشاهد إخواني في الله، فهذه الآية أدت إلى التنبيهات إلى مسألة قتل الناقة. هل انتهى أمر ثمود إلى هذا الحد؟ الجواب: لا، لم يقف أمرهم عند مسألة قتل الناقة وينتهي المقام، بل تمادى بهم الشيطان إلى سعي في أمر آخر، وهو أعظم جرأة، وهو أن يتواطئوا على قتل صالح عليه السلام. حتى كان من ذريعتهم في قتل صالح: «نقتله إن كان صادقا»، إن كان صادقا نبيا رسولا، قال: «ألحقنا بالجنة التي يريدها»، وإن كان كاذبا «ألحقنا بناقته»، سواء هذا أو ذاك، سواء كان صادق أو كاذب، ما لنا به حاجة، ما لنا به حاجة. إن كان صادقا ألحقنا بجنته التي يدعيها، هو يرجى أن يذهب إلى جنته، وإن كان كاذبا ألحقنا بناقته التي دعا أنها ناقة الله. على كل، وهذا من تسويف الشيطان لهم، تجرؤوا على هذا الأمر على أن يتواطئوا على قتل صالح. وقد أخبر ذلك ربنا جل وعلا في كتابه، فقال سبحانه: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾، تسعة منهم كما قلنا: قدار وهو الأشقى، ومصرع بن مهزع كما مر معنا ابن مهرج، والذي رماها بسهم على أكثر الروايات، ثم سبعة، وهؤلاء المجموعة التسعة يعتبرون من الرؤساء من الكبراء الذين لهم السيادة في بلادهم ولهم الرأي. وهؤلاء التسعة كانوا أهل شر، فأخبر ربنا عز وجل: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله﴾، تقاسموا تحالفوا، شمعوا، قالوا احلفوا، أي طلبوا الحلف أو أن كل واحد حلف للآخر. على ماذا الحلف؟ على ماذا القسم؟ «لنبيتنه وأهله»، أي نقتل صالحا بياتا ليلا، غدر وغيلة، اغتيالا، نأتي عليه ليلا، نحن في يوم معين ونهجم على بيته ونقوم بقتله ومن في بيته، ما نبقي أحد يشهد على هذه الحادثة. قال: «ثم لنقولن لوليه»، وليه قد يكون لصالح أولياء من عشيرة أو قبيلة، من سيسأل عن هذه المجزرة يجدون الجثث صالح من معه من أهل بيته صرعى، سيأتي من يأتي من أهله ويطال، وقد يشكون فينا، يشكون نحن محل تهم عندهم. قال: «فإن فعلوا ذلك»، قالوا: «ثم نقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله»، كذب عادي، إذا تجروا على هذه الموبقات العظام فما الكذب عندهم لا شيء. نحلف على أن هذا ما صدر منا، والله ما رأينا، والله ما فعلنا، وحاشا أننا نقترف شيئا في حق صالح. فكانت هذه المؤامرة المبيتة، وقد علم الله بما في سرائرهم، إلا أن الله رد كيدهم في نحورهم، فما وصلوا إلى صالح عليه السلام بهذه المؤامرة المبيتة، وبالجريمة التي كانت من قتل الناقة. هنا بدأ العذاب؛ لأن من شرط العذاب أن يأتيهم إذا مسوا الناقة بسوء، وقد مسوها. فجاء العذاب. أول ما بدأ العذاب في قوم ثمود كما قال العلماء: أن الله عز وجل أمسك عليهم الأمطار، فجاء الجدب والقحط والجفاف، لكن هذه الأمارة ما زادتهم إلا عتوا واستكبارا. فكانوا يقولون: «قالوا تطيرنا بك وبمن معك»، أي أنهم أرجعوا هذه التغيرات التي صارت أنها ليست منهم، لا بل منك يا صالح، منك أنت شؤم، شؤم علينا، ما جئت علينا إلا بالشر. فسبحان الله، فسبحان الله، أراد الله عز وجل أن يحذرهم من مغبة ما سيأتيهم، لكنهم ما زادوا إلا استكبارا وتمسكا بضلالهم. فأرجعوا هذه الأمارة وهو القحط والجفاف إلى أن ذلك من فعلك، وأنك شؤم علينا، نحس كما يقال الآن: أنت نحس، أنظر الأمطار قلت والجفاف قد دب في أرضنا. فقال سبحانه وتعالى: ﴿قالوا طيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تستكبرون﴾، بل أنتم بما فعلتم وبما اقترفتم. ثم بعد ذلك بدأ منهم كما وقع لعاد الاستعجال بالعذاب، فكان من قولهم: «قالوا ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين»، لا تخوف ولا شيء معك، ائتنا، ائت بالذي تعدنا به إن كنت مرسل، إن كنت نبي، ائتنا بعذاب الله جل وعلا. حينها إذا كنتم ولابد مستعجلين لهذه الدرجة لعذاب الله. فقال سبحانه وتعالى: ﴿فكذبوه فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾، تريدون الاستعجال لكم ذلك، ثلاثة أيام، وهؤلاء قوم ثمود كما يقول العلماء هم الوحيدون الذين جاء لهم العذاب وقت محدد، فقط هم الوحيدون الذين أعطاهم الله: «استعجلتم ثلاثة أيام تمتعوا فيها»، هذا آخر ما ستجدون في دنياكم. ولهذا انتظروا العذاب على التخوف، وسأتي معنا بإذن الله في درس غد ما يتعلق بالعذاب الذي سلط عليهم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.