الدرس في تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بشرح الآيات القرآنية المتعلقة بالطغيان والعذاب، حيث يوضح معنى الطغيان وكيف يعاقب الله عليه. يُظهر أن الله رقيب على أعمال العباد ويجازيهم عليها.
يتناول الدرس كيف أن الله يبتلي العباد بالنعم والخيرات، ويبين أن العبرة في كيفية التعامل مع هذا البلاء. يجب على الإنسان شكر الله على النعم وتفهم أن الابتلاء اختبار من الله.
يفسر الدرس معنى الإكرام والإهانة، موضحًا أن العطاء والحرمان ليسا معيارًا للحب أو البغض من الله، وإنما الطاعة والمعصية هما المعيار. يُبرز أهمية الإحسان إلى اليتامى والمساكين.
ينتهي الدرس بختام يشير إلى انتهاء الموضوع المطروح، مع الدعاء لله تعالى بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويظهر احترام وتقدير للشخصيات الدينية الهامة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى عند قول الله جل في علاه: ﴿الذين طغوا في البلاد﴾، قال: الذين طغوا تجبروا، وقول سبحانه وتعالى: الذين اسم موصول يعود لمن مضى ذكرهم في الآيات السابقة، وهم من تحدث عنهم ربنا عز وجل في أوائل هذه السورة الكريمة عن قوم عاد وثمود وفرعون، فهؤلاء الذين عناهم الله بقوله: الذين، ما بهم طغوا، هؤلاء طغوا، والطغيان هو مجاوزة الحد، كما قال المؤلف: أي تجبروا، فهذه الأقوام قد بلغ بهم الأمر أنهم تجبروا على الله وعلى عباده وعلى دينه وعلى رسله. قال: الذين طاغوا أي تجبروا في البلاد، قال: فأكثروا فيها الفساد، قال: القتل وغيره، أي مما عملوه، هذه الأقوام ما قاموا به من كثرة فسادهم، ومن هذه من أنواع الفساد الفساد المعنوي بما كان من معاصيهم، بما كان من كفرهم وشركهم وعنادهم وإعراضهم، وأيضًا بما كان من فسادهم الحسي من القتل والتقتيل ومن أذية أهل الإيمان، فهم أكثروا، أكثروا بهذه الأنواع من أنواع الفساد، فأكثروا فيها الفساد. قال: فصب عليهم ربك سوطًا، قال: نوع عذاب، أي مقابل هذا الإكثار والزيادة في الفساد في وجه الأرض، عاملهم الله بما يستحقون، وهو أن الله عز وجل عذبهم وعاقبهم على فسادهم، وتأمل في هذا التعبير القرآني، حيث قال الله عز وجل: فصب عليهم، والصب إنما يستخدم في صب الماء، ويكون من العلو إلى الدون، إلى الغبوط، إلى النزول، الإنصباب من الأعلى إلى الأدنى، إشارة إلى ما أنزله الله عز وجل عليهم من أنواع العذاب، أن نازل من السماء، من الرياح ومن الصيحة ومن يوم الظلة ومن الصواعق وغير ذلك من الأنواع، أن نازل من السماء، فصب عليهم ربك سوط عذاب، أي نوع عذاب. وأصل الصوت هي هذه الآلة الذي يُضرب بها، يُضرب بها صوت، ويكأن الله عز وجل عذبهم بأن ضربهم بماذا، ضربهم بأنواع العذاب، سبحانه وتعالى، فصب عليهم ربك سوط عذاب، قال: إن ربك لبالمرصاد، قال رحمه الله: يرصد أعمال العباد، فلا يفوته منها شيء ليجازيهم عليها، إن ربك لبالمرصاد، هذه الآية العظيمة الذي فيها بيان لعظمة الرب عز وجل، ولا زال المسلم يخاف من هذه الآية: إن ربك لبالمرصاد، فالله عز وجل يحصي أعمال العباد، لا يفوته شيء، يسمع ويبصر ويعلم، سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يجازي، يجازي، وربنا عز وجل يرصد أعمال العباد، ليس فقط رصدًا، بل رصدًا لكي يحاسبهم عليها، إما حساب في الدنيا معجل أو حساب مؤجل في الآخرة. قال: فأما الإنسان الكافر، وهناك قاعدة يذكرها بعض العلماء على أن كلمة الإنسان في السور المكية يأتي بمعنى الكافر، وهذا حكم أغلبي، حكم أغلبي، لفظ الإنسان في السور المكية يأتي بمعنى الكافر، وهذه الآيات من تأملها إنما هي نعم تتحدث عن أفعال الكافر، فقال سبحانه: فأما الإنسان، قال: الكافر، إذا مبتلاه اختبره ربه فأكرمه بالمال وغيره ونعمه، فيقول: ربي أكرمني، هذا الكافر قد يبتليه ربنا عز وجل بأنواع البلايا، لكن مما يخفى على الناس يخفى على الكثير منا أن البلاء لربما كان بالنعم، كان بالخير، لربما ابتلى الله من يبتلي منا ابتلاه بالأرزاق، كهذه الآية: إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه، فأكرمه يبتليك الله عز وجل بالإكرام والإنعام. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾، ونبلوكم قد يكون الابتلاء أحيانًا بالشر، بالضيق، بالشدائد، بالمنغصات، بالأمراض والأسقام، وقد يبتلي الله العباد بالنعم، بالأرزاق، بالخيرات، هذا ابتلاه من الله عز وجل، قد يبتليك بهذا وبذاك، فالعبرة في كيفية التعامل مع هذا البلاء ومع ذاك البلاء. فانظر يا عبد الله مثلًا إلى سليمان عليه السلام، أنعم الله عليه بهذه النعم التي ما أعطاها لأحد من خلقه، ما أعطاها لأحد، ماذا قال سليمان إزاء هذه النعم؟ قال: «هذا من فضل ربي ليبلوني»، انظر جعل هذا الفضل بلاء ليبلوني، أشكر أم أكفر؟ فلا تظن يا عبد الله أن الله عز وجل فقط يبتلي العباد بالأسقام والأمراض وبالشيء الذي يحزن النفوس، لا، أحيانًا يبتليك الله بما تقربه العيون، لأن هذا قد تكون فتنة. وقد رأينا هذا، رأينا هذا، لربما كان الإنسان في فقره وفي ضيقه من أشد الناس قربًا إلى الله، يأتي إلى المساجد ويحضر الصلوات ويكثر من الاستغفار، ولا زال يلح على الله بالدعاء، فلما أنعم الله عليه بالمال وبالنعم ابتعد، ابتعد عن المساجد، ابتعد عن الصلاة، تبطر وطغى وبغى، ونسي فضل الله عليه، ترك الدعاء، ترك الصلاة، جحد نعمة الله، ما أخرج الزكاة أبدًا، فكانت بنيته في نعمه بلى. فالشاهد إخواني في الله في هذه الآية بيّن ربنا عز وجل أن ابتلاء الإنسان قد يبتليه ربه جل وعلا بالنعم بالخيرات، فقال سبحانه: فأما الإنسان إذا مبتلاه، قال: اختبره ربه فأكرمه بالمال وغيره ونعمه، فيقول: ربي أكرمني، هذا الكافر يقول ماذا يقول؟ الآن الله أكرمني، لماذا أكرمك ربك؟ قال: أني أهل للإكرام، أنا أهل للإكرام، حسبي نسب، مقام، وضع، الاجتماع يتطلب أن الله يعطيني ما لا يعطي غيري، هكذا الكافر غرور على الله عز وجل. قال: وأما إذا ما ابتلاه فقدر، قال: ضيق التقدير بمعنى التضييق، وهذا نوع الثاني من أنواع البلاء، وهو الضيق والحرج والشدة والفقر والعنت والمرض، قالوا: أما إذا مبتلاه فقدر، قضيق عليه رزقه، فيقول: ربي أهانني، أي ربي أهانني، هذا تقدير الكلام، أي أن ربي أهانني، كيف أهانك ربك؟ قال: ما أعطاني، فسرت أهانني، أي ظلمني، هذا ظلم، هذا ظلم، وهذا وإن كان هذا اعتقاد الكافر، لكن للأسف نجد أن مثل هذه الظنون قد يبتل به بعض المسلمين، إذا رأى أن الله أعطى فلانًا وفلانًا، في حين أن الله ما أعطاه، وقع في نفسه شيء من هذه الظنون السيئة بربه: ليش؟ ليش الله ما أنصف في العطاء؟ ما أنصف في العطاء؟ يعطي فلان جاري وأخي قريبي كلهم أعطاه، وأنا ما أعطاني، أيش أين الأنصاف في العطاء يا رب العباد؟ لربما يتجاسر على هذا أن يقولها أمام الملأ، لكن فيما بينه وبين نفسه، فاحذر يا عبد الله من هواجس الشيطان، واعلم أن الله إنما أعطى لكي يبتلي العباد، وكل ابتله، ذاك الذي أعطاه ابتله الله بالعطاء، وذاك الذي حرم ابتله الله بالحرمان، كل يبتليه ربه، كلنا يبتلين ربنا عز وجل بعطائنا قل أو كثر، عظم أو حقر، فافهم هذا يا عبد الله من حكمة الله جل في علاه. قال: وأما إذا مبتلاه فقدر، قال: ضيق عليه رزقه، فيقول: ربي أهانني، قال: كلا، قال رحمه الله: كلا ردع، أي ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر، هذا رد من الله عز وجل لهذه العقيدة الكافرة التي اعتنقها الكفار، وقد يتلبس بها بعض أهل الإسلام، كفكرة: كلا، لا تظن هذا الظن، لا تظن يا عبد الله أن العطاء والحرمان وأن الغنى والفقر يدور حول مسألة الإكرام والإهانة، الأمر ليس كذلك، لا تظن أن من أعطاه الله أحبه، ومن حرمه الله قد أبغضه، لا، فالله عز وجل يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، وبالمقابل فإن الله يضيق بالأرزاق لمن يحب ومن لا يحب، الكل سوى لحكمة أرادها الله عز وجل. فليس العطاء وليس الحرمان هو المعيار، وإنما المعيار يا عبد الله كما سيذكره المؤلف فيما يقابل به هذا البلاء بالطاعة أم بالعصيان، فقال رحمه الله تعالى: أي ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر، وإنما هي بالطاعة والمعصية، وكفار مكة لا يتنبهون لذلك، فأراد ربنا عز وجل أن يبين خطأ هذا الاعتقاد التي سار عليه الكفار، وليس العبر بالعطاء ولا بالحرمان، وإنما العبر بالطاعة والمعصية. قال: بل لا يكرمون اليتيم، قال: يحسنون إليه مع غناهم أو لا يعطونه حقه من الميراث، وكان من شأن الكفار ما وصف ربنا عز وجل بقوله: «بل لا يكرمون اليتيم»، وستأتي معنى جاء بيكرمون وجاء بتكرمون بالياء وبالتاء قراءتان صحيحتان، قال: بل لا يكرمون اليتيم، قال: يحسنون إليهم مع غناهم أو لا يعطونه حقه من الميراث، وكان هذا حال الكفار، كانوا لا يكرمون اليتامى، واليتيم هو كل من مات أبوه قبل سن البلوغ، من مات أبوه قبل سن البلوغ هذا يتيم. وأمرنا معاشر المسلمين على أننا نحسن إليهم، نحسن إلى اليتامى لأنهم طبقة مستضعفة، فقد فيها الطفل على العائل وهو الأب، الأم ليست بعائل، العائل على الأسر هو الأب، فإذا افتقد الأطفال الأب، فافتقدوا من يعولهم ومن يعينون إليه، فأمر ربنا عز وجل في شريعتنا الإسلامية على أن الإنسان يحسن إلى اليتيم، بل جعله عليه الصلاة والسلام في منزلة، قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين»، كهاتين لقرب المنزلة العلية، وذلك في حق من كفل اليتامى، أنفق، أعطى، حاول أن يغنيهم بما أغناه الله عز وجل، وأن يعوضهم بموت آبائهم. لكن الكافر كان على العكس، بدل أن يغنيهم كان يسعى إلى فقرهم، فكان يأخذ أموالهم، كما أشرنا، طبقة مستضعفة، ما عندهم أحد يقوم على ولايتهم، فربما كان ولي أمر اليتيم يستغل أمر الولاية، فكان يستنفذ أموال اليتامى، فكان يأكلها سحتًا، ويأكلها بدرًا وإسرافًا، فأخبر ربنا عز وجل على أن هذا من شأنهم: كلا، بل لا يكرمون اليتيم، ولا يحاضون على طعام المسكين، قال: أنفسهم ولا غيرهم على طعام، أي إطعام المسكين، قال: ولا يحاضون، يحاضون أي من الحض وهو الحث، أي ما كان بعضهم يحث بعضهم أو يرغب بعضهم على أنهم يطعمون المسكين، المسكين الفقير المحتاج، لربما يحتاج إلى لقمة عيش. فكان الكفار لا يتواصون فيما بينهم على إعانة المساكين ولا الفقراء، هذا على ماذا دل؟ مع أكلهم لأموال اليتامى وعدم تعاونهم على إطعام المساكين، دل على ما سيأتي في قول ربنا: ﴿وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما﴾، الذي أوقعكم في هذا كل حب المال، ولعل هذه الآيات يترك الكلام عنها بإذن الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.