الدرس في القوادح في العقيدة ووسائل السلامة منها 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح الإمام ابن باز للقوادح العقدية، مركزا على دعاء الأموات والاستغاثة بهم. يبين أن هذه الأفعال تعد كفرا بإجماع المسلمين.
النبي لا يعلم الغيب، وادعاء علم الغيب كفر. كان الناس يعبدون أشجارا وأضرحة من دون الله تعالى، مثل قبر زيد بن الخطاب.
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قضت على عبادة القبور والأولياء في نجد والحجاز، وانتشر التوحيد والإيمان في المنطقة. يتناول المقطع بعض الألفاظ الدعائية وبيان جوازها أو عدمه.
المؤلف ينهي حديثه عن الصورة الثالثة من صور الشرك ويعد بالانتقال إلى الصورة الرابعة وهي الردة بالشك. يختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فمواصلة إخواني في الله مع رسالة الإمام ابن باز رحمه الله تعالى، وهو يحدد ويعدد لنا صور القوادح العقدية، ذكر أولا ما يتعلق ببدعة الأقوال، ثم ببدعة الأعمال أو بقوادح الأعمال، وها هو يذكر الوجه الثالث من أنواع القوادح وهي القوادح العقدية. وأشرنا في درس الظهر ما الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بالقوادح العقدية، ثم قال رحمه الله تعالى: ومما يدخل في هذا ما يفعله عباد القبور اليوم في كثير من الأمصار من دعاء الأموات والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم. عباد القبور هو مصطلح يذكره علماء التوحيد في حق من تعلق بالقبور والأضرحة والعتبات، لأن المغزى من التعبد هو التعلق. وقد جاء ذلك في السنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «تعيسى عبد الدينار، تعيسى عبد الدرهم، تعيسى عبد الخميصة، تعيسى عبد الخميلة»، فأسماهم نبينا عبيد؛ لماذا؟ لعظيم تعلقهم بهذه الأشياء المادية الحسية. وهكذا لما رأى علماء التوحيد أن جماعة وفئات من الناس قد تعلقت قلوبهم وأحوالهم بالقبور، سمّوهم بعباد القبور. فقال رحمه الله عليه: والاستغاثة بهم وطلب المدد منهم، فيقول بعضهم: يا سيدي المدد المدد، يا سيدي الغوث الغوث، أنا بجوارك، إشف مريضي ورد غائبي وأصلح قلبي، يخاطبون الأموات الذين يسمونهم الأولياء ويسألونهم هذا السؤال، نسوا الله وأشركوا معه غيره، تعالى الله عن ذلك. فهذا كفر قولي وعقدي وفعلي، وهذا لا إشكال في كفره، لا إشكال في كفره، وهذا بإجماع المسلمين. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن جعل بينه وبين الله واسطة من ملائكة وأنبياء يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم كشف الكروب وهداية القلوب، فهو كافر بإجماع المسلمين. من جعل بينه وبين الله واسطة من ملائكة أو أنبياء؛ ولماذا مثل شيخ الإسلام بالملائكة والأنبياء؟ لأن الملائكة تعتبر هي أشرف المخلوقات العلوية، والأنبياء هي أشرف المخلوقات الأرضية، فمن اتخذ هؤلاء أو هؤلاء واسطة يدعوهم يسألهم يتوكل عليهم، فهذا كافر، ليس عنده وليس عند الوهابية، بل بإجماع المسلمين، في أي مذهب كان، هذا كافر قولا واحدا، لا إشكال في كفره. فما ظنك بالذي يذهب إلى أن يختار لا ملكا ولا نبيا، وإنما رجلا الله أعلم بحاله، يسأله كما قال مؤلف، قال: يسألهم ويكلمهم. وقد رأيناهم، رأيناهم وسمعناهم، من يأتي إلى الأضرحة وإلى الزيارات ويقول: يا فلان، من الموت، يخاطبهم بحضرة الجميع، يا فلان ويا فلان ويا فلان، جئناكم زائرين، فلا تردون عن جنابكم أخائبين، أخذ يستغيث بهم نهارا جهارا. فهذا كافر، بغض النظر عن حجمه وعن شخصه وعن جاهه، الكفر إخواني في الله لا يفرق بين أحد، وإنما ينظر إلى عقيدة العبد المعتقد وبقوله وفعله. قال رحمه الله تعالى: وبعضهم يناديه من مكان بعيد وفي أمصار متباعدة: يا رسول الله انصرني، ونحو هذا. وبعضهم يقول عند قبره: يا رسول الله، ما شاء في مريضي، يا رسول الله المدد المدد، انصرنا على أعدائنا، أنت تعلم ما نحن فيه، انصرنا على أعدائنا. قال: ورسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب، قال: لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، هذا من الشرك القولي العملي. نعم، نبينا لا يعلم الغيب بنص القرآن: ﴿قل لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾، لو كان نبينا يعلم الغيب، ما وقع له ما وقع في الغزوات من الإصابة والضربات، ما عنده علم الغيب، لكن أحيانا ربنا عز وجل يكشف له سبحانه وتعالى بعض الأمور بوحي من الله، لكن يعلم الغيب مطلقا هذا ليس لنبينا عليه الصلاة والسلام، بل هذه من الأمور التي اختص بها ربنا عز وجل، فلا يعلم الغيب إلا هو جل في علاه. فمن ادعى أن أحدا ما يعلم الغيب، فقد كفر. قال: وإذا اعتقد مع ذلك أن هذا جائز وأنه لا بأس به، صار شركا قوليا وفعليا وعقديا، نسأل الله العافية. قال: وهذا واقع في دول وبلدان كثيرة، وكان واقعا في هذه البلاد، يذكر المملكة من شاءه وبلدته. قال: وكان واقعا في هذه البلاد، كان واقعا في الرياض والدرعية قبل قيام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد كانت لهم آلهة في الرياض والدرعية، لهم آلهة؛ لماذا آلهة؟ كل ما يعبد من دون الله فهو آلهة، كل ما يتخذ إلها من دون الله فهو آلهة. والآلهة كما قلنا الذي تصرف له العبادات؛ لأن الإله من آلهة يأله، فهو مألوه، أي بمعنى معبود. فمن اتخذ كائنا من كان يتوجه إليه بأنواع العبوديات، فقد اتخذه إلها شاء أم أبى، كما قال ربنا عز وجل: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾، حتى الهوى يكون إلها إذا كان في اتباعك للهوى أنه يصدك عما يريد الله عز وجل. فقال سبحانه: فقد كانت لهم آلهة في الرياض والدرعية، أشجار تعبد من دون الله. نعم، كان في المملكة قديما، كانت هناك أشجار يعتقد فيها الناس الاعتقادات الفاسدة، من أرادت الولد فتذهب إلى تلك الشجرة، تعلق فيها خيوطا أو حبالا، فهذا التعلق إشارة إلى تعلق الجنين في بطنها، فتستحبل. فكان الناس بهذه الحماقة يذهبون ويعتقدون الضر والنفع في أشجار وفي نباتات، هذه آلهة. وهذا قد وقع أيضا في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، عندما مروا على ذات أنواط، فقال من قال من المسلمين: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله: «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بني إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة»، انظر كيف شبه نبينا ما ذكره بني إسرائيل لموسى من طلب الآلهة بطلب هؤلاء للشجرة. «قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بني إسرائيل لموسى اجعل لنا آلهة كما لهم آلهة»، فوصف نبينا وأشار إلى أن طلب هؤلاء هو بنفس طلب أولئك، مع أن هؤلاء ما أرادوا إلا شجرة يعتقدون فيها النفع والضر. أعد نبينا أن هذا هو طلب آلهة من دون الله عز وجل. فقال رحمه الله تعالى: وأناس يقال لهم أنهم من الأولياء، يعبدونهم مع الله، وقبور تعبد مع الله. وكان قبر زيد بن الخطاب رضي الله تعالى عنه موجودا في الجبلة، حيث قتل في حروب الردة أيام مسيلمة، كان قبره يعبد من دون الله، حتى هدم ذلك القبر ونسي اليوم والحمد لله، بأسباب دعوة الشيخ محمد. ضرب المؤلف رحمه الله تعالى مثلا بقبر كان وجد عندهم في تلك الناحية، وهو قبر زيد بن الخطاب، فكيف أن الله أنعم عليهم بهدمه؛ أي لما طرح عليه ما طرح من القباب وما يتعلق بالتابوت والضريح إلى غير ذلك. وهذا مثال عندنا كثير جدا جدا، فنحن ابتلينا إخواني بالله بهذه القبور والأضرحة وهذه الزيارات التي تضرب بين الفينة والأخرى، قبر نبي الله هود على حد زعمهم، وقبر فلان وفلان وفلان. أذكر فيما أذكر في هذه البلاد الحضرمية، كان هناك جدول أظن لا زال موجودا، جدول مسمى بالزيارات، وكلها زيارات لقبور وأضرحة وعتبات، هذا إخواني في الله من الشرك العظيم. لكن انظر ما الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، كيف أن الله عز وجل استبدل هذه القبور بدعوة أولئك المصلحين كالشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله. ثم قال رحمه الله تعالى: والحمد لله بأسباب دعوة الشيخ محمد، قدس الله روحه وجزاه الله عنا وعن المسلمين أفضل الجزاء. قدس الله روحه، دعاء من الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى للإمام محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه؛ قدس بمعنى طهر، هل هذا الدعاء جائز؟ نعم، جائز، بدليل استخدامه واستعماله رحمه الله عليه لدعاء هذا الإمام ولغيره. وفقد دعاء الأموات بهذا الدعاء: قدس الله روحه، إن شاء الله ليس فيه شيء. لكن بالمقابل أحب أن أعرج على لفظة قريبة وهي: قدس الله سره، هذه لا تجوز، قدس الله سره؛ ما هو السر؟ الله أعلم بالمراد. ولهذا تجد أن هذه العبارة يستخدمها جماعات من الرافضة والصوفية عند من يعتقدون فيه النفع والضر، يقول: فلان عنده سر، قدس الله سره. ولهذا ذكرت هذه العبارة من ضمن الألفاظ المنهية التي لا تستخدم. صحيح من باب الإنصاف أننا أحيانا نجد من بعض الأئمة من يستخدم هذه اللفظة، لكن هو يستخدمها لمعنى آخر، بمعنى قدس الله سره، بمعنى قدس الله روحه، فهي تحتمل، لكن لا نجيز الإطلاق، وخاصة أن فيها مدخلا لأهل الأهواء، فيستخدمونها في من يعتقدون فيه من الأموات. إذا جاء عند بعض المميزين من الأولياء: قدس الله سره، لكي يعطي إشارة للمريدين وللأتباع من بعده ومن تحت يده على أن فلان من الناس له سر، له سر عند الله، سر القبول. فلهذا ينبغي الحذر من هذه العبارة، وإذا كنت ولابد أن تدعو له بالقدسية، قل: قدس الله روحه، وإن لك فاك يا عبد الله أن تقول: رحمه الله وغفر الله له، فهذا أفضل. قال: وقد كان في نجد والحجاز من الشرك العظيم والاعتقادات الباطلة ودعاء غير الله ما لا يعد ولا يحصى، فلما جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، أي قبل ما يزيد على مئتي سنة، دعا إلى الله وأرشد الناس. فعاداه كثير من العلماء والجهال وأهل الأهواء، لكن الله أيده بعلماء الحق، فدعا إلى الله وأرشد الناس إلى توحيد الله، وبيّن لهم أن عبادة الجن والأحجار والأولياء والصالحين وغيرهم شرك، من عمل الجاهلية، وأنها أعمال أبي جهل وأمثاله من كفار قريش في عباداتهم للات والعزى ومانات وعبادة القبور، هذه هي أعمالهم. قال: فبيّن رحمه الله للناس وهدى الله على يديه من هدى، ثم عمت الدعوة بلاد نجد كلها، وانتشر فيها التوحيد والإيمان، وترك الناس الشرك بالله وعبادة القبور والأولياء بعد أن كانوا يعبدونها إلا من رحم الله. بل كان بعضهم يعبد أناسا مجانين لا عقول لهم، ويسمونهم أولياء. نعم، مجانين، عندنا في بلادنا زيارة فلان بن فلان، انظر إلى ترجمته، انظر إلى ترجمته، قال: وكان مجنونا، مجنونا، والآن له زيارة تشد له الرحال. قال رحمه الله تعالى: ويسمونهم أولياء، وهذا من عظيم جهلهم الذي كانوا واقعين فيه. نكتفي بهذا، وإن شاء الله ينتقل المؤلف بعد هذا إلى الصورة الرابعة من صور الشرك، الردة بالشك. نكتفي إلى هذا الحد، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.