الخطبة بعنوان خطبة عيد الأضحى المبارك لعام 1441هـ، والتي كانت بمصلى العيد بالمنصورة الجديدة بالشحر ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يبين فضل أيام العشر من ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ويشير إلى تعظيم الله تعالى لهذه الأيام. الأجر العظيم المرتبط بصيام يوم عرفة وفضل يوم النحر يظهر أهمية هذه الأيام.
يجب على المسلمين استغلال مواسم الخيرات وعدم التفريط فيها، وذلك من خلال التفقه في الدين ومخالطة الصالحين. مواسم الخيرات تظهر فضيلة الإسلام ويسر شريعته.
يجب على المسلم اغتنام مواسم الخير مثل أيام التشريق بطاعة الله ومخالطة الصالحين. العمل الصالح يعود بالنفع في الدنيا والآخرة، ويجب استغلال الفرص التي تتيحها المواسم.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال. الدعاء يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور مُحدثاتها، وكل مُحدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إننا في هذه الأيام لنعيش أيامًا من خيرة الزمان، تتابعت علينا وتوالت مواسم الخيرات والبركات، بالأمس حلت علينا العشر أيام فاضلة، لشرفها أقسم ربنا جل وعلا بها، كان التعبُد فيها يعدل جهادًا في سبيل الله، ثم كان يوم عرفة، وما أدراك ما يوم عرفة، يوم خصه الله جل وعلا بالخير والبركة، يوم أكمل الله جل وعلا به الدين وأتم به نعمته على المسلمين. في هذا اليوم، من حرص على الصيام كان جزاءه عند ربه تكفير عامين من الذنوب والآثام، فأي إنعام بعد هذا الإنعام؟ وها نحن في هذا اليوم الأغر الخاتم لأيام العشر، يوم الحج الأكبر، والذي أخبر فيه خير البشر عليه الصلاة والسلام بأنه من أعظم أيام الدهر، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أعظم الأيام يوم النحر»، فما هناك يوم يوازيه ولا يدانيه ولا يساويه. وبعد انتهاء هذا اليوم تحل علينا أيام التشريق، وهي على هذا المنوال من التعظيم والتشريف، قال جل في علاه: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾، بإجماع المفسِّرين أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق. عباد الله، إن توالي مواسم الخيرات والبركات على المسلمين والمسلمات تستلزم منا أخذ العبر منها والعظات، ومن أعظم ما يستفيده المسلمون من تتابع مواسم الخيرات والبركات أن يعلم أهل الإيمان مدى سعة رحمة الرحمن جل في علاه، أن فتح لعباده أبوابًا من الطاعات والعبادات، وأن جعل لهم مواسمًا للخيرات والبركات. عباد الله، وإن كذلك من العبر والعظة من تتابع مواسم الخيرات أن تعلم يا عبد الله فضيلة الإسلام وفضل شرائعه على أهله، إذ أن هذه الشريعة حوت على كل خير، ونفت وانتفت عن كل سوء وشر وضير، هذه الملة التي في أمرها وفي شأنها وهديها وسمتها اليسر والتيسير، ونفي الحرج والشدة والتشديد، في هذه الملة أبيحت المحرمات للمضطرين، وأصرفت الواجبات عن العاجزين فيها، من الرخص الكثيرة، ومنها ما هو أحسن بصدد هذه المواسم التي جعلها الله لعباده ترتفع فيها الحسنات وتتضاعف فيها الأجور، فذلك من عظيم هذا الدين، هذه الملة. فأحمد الله يا عبد الله على نعمة الإسلام، ومن خلال مواسم الخيرات يعتبر المسلم بحال نفسه وبحال من هم حوله من أقاربه وأصحابه ومن زملائه وأرحامه، كيف هم في إقبالهم وإعراضهم عن ربهم، وذلك يظهر جليًا في استغلال مواسم الخيرات والبركات، فمنا من سابق، من نافس، من شمر عن ساعد الجد، ومن تقاعس وتخاذل وولى الأدبار، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عباد الله، وإن من أعظم ما يعين المسلم على استغلال وقته وعمره في اقتنام مواسم الخيرات والبركات أن يعتني بأمرين اثنين، أولاهما التفقه في الدين، ثانيهما مخالطة الصالحين، فبالتفقه في الدين يا عبد الله تعلم عظم هذه المواسم، حين أجبر عنها الجاهل، لكن بعلمك وبتفقهك في دين الله تعلم مواسم الخيرات، تعلم الطاعات والعبادات، تعلم النوافل والمستحبات والسنن والقربات، تعرف الذي يحبه ربنا ويرضاه منك، تعلم يا عبد الله هذه المواسم في أزمانها وأوقاتها وأحكامها، تكون ملمًا بها. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، لا والله لا يستويان أبدًا، لا في الحياة ولا بعد الممات. وأما الأمر الثاني مما يعينك على اغتنام مواسم الخيرات والبركات مخالطة الصالحين، هم الذين يعينونك على طاعة الله، فهم الذين يعينونك ويساعدونك، فإن رأوك نسيت ذكروك، أو تقاعست نشطوك، أو جهلت علموك، فلا زالوا بك ومعك يشدون من أزرك حتى تقتنم العمر فيما يرضي الرب سبحانه وتعالى. فالله الله يا عبد الله، وأنت في هذه الدار وقد مضى من الأعمار ما قد مضى، بل مضى من مواسم الخيرات ما قد رأينا، ولا زال في الباقية البقية، يوم النحر هذا الذي نحن فيه، وأيام التشريق التي بعده، فتفقه يا عبد الله في دينك، وكن مع الصالحين في مساجدهم وأماكنهم، فإنهم أشد عونًا لك في طاعة الله. «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم». وهكذا أنت يا أمة الله، عليك أن تغتنم عمرك بطاعة الله، ﴿من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾، فعليك بالطاعة واقتنام هذه المواسم التي حباها الله جل وعلا بها، فإن بالعمل الصالح يا أمة الله ينفعك الله في الدارين، في الدنيا قبل الآخرة، براحة البال وطمأنينة النفس وانشراح الصدر وجمع الشمل والبعد عن كل سوء ومكروه، يجعل لنا ربنا جل وعلا من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، متى ما كنا قائمين على شرع الله، مقبلين على هذه المواسم. عباد الله، إخواني في الله، وإننا أذكر في هذا اليوم بأنه قد اجتمع عندنا عيدان، عيد الأضحى وعيد الجمعة، وكان من بعض الآثار يحسنها جماعة من العلماء أن من حضر إحداهما أجزأه عن الأخرى، وطائفة من الفقهاء لا يرون ذلك، فالأمر فيه سعة، وهي رخصة من الله جل في علاه حتى لا يقع الحرج على عباد الله. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.