الخطبة بعنوان الدروس المستفادة من الفتن القائمة -1، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُشدد على أهمية اتباع السنة النبوية في مواجهة الفتن والمحن، ويبين أن الرجوع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو سبيل النجاة. يشير إلى انقسام الناس إلى فريقين في مواجهة الفتن.
يُبين أهمية الاعتصام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم للنجاة من الفتن، ويحذر من أهل البدع الذين يسعون لإشعال الفتن. يُوضح خطورة البدع وأهلها في إفساد الدين والدنيا.
يُنبه إلى خطورة أهل البدع والكفار على المسلمين، ويحذر من المبالغة في تعظيم بعض الناس. يُشدد على أهمية التمسك بالسنة النبوية ومراعاة دين المسلم في مواجهة الفتن.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ الْمَوْلَى جَلّ وَعَلَا، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. عِبَادَ اللَّهِ، لَكُمْ هِيَ الْمُسْتَجِدَّاتُ وَالْمُتَغَيِّرَاتُ الَّتِي تُوَاجِهُنَا فِي دُنْيَانَا وَحَيَاتِنَا، وَتَسْتَلْزِمُ مِنْا وَتَحْتَمُ عَلَيْنَا أَنْ نَقِفَ عِنْدَهَا وَنَتَأَمَّلَ فِيهَا لِكَيْ نَسْتَخْلِصَ الْعِبَرَ وَالْعِظَاتِ وَالدُّرُوسَ وَالنِّقَاطِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْعُقَلَاءِ أَصْحَابِ الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ وَالْفِطَرِ السَّلِيمَةِ، أَنَّهَا تَتَعَظُّ وَتَعْتَبِرُ بِكُلِّ مَا يَجْرِي حَوْلَهَا. قَالَ جَلّ عُلَا تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وَقَالَ جَلّ شَأْنُهُ: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. عِبَادَ اللَّهِ، وَإِنَّ مِنْ الْمُتَغَيِّرَاتِ وَالْمُسْتَجِدَّاتِ مَا قَدْ وَقَعَ وَلَا يَزَالُ يَقَعُ فِي وَطَنِنَا الْعَرَبِيِّ وَالْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ مِنْ قَتْلٍ وَتَقْتِيلٍ وَفِتَنٍ وَمِحَنٍ، وَمَا حَلَّ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَفِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِنْ مَصَائِبَ وَنَكَبَاتٍ. فَإِنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِفَ عِبَادَ اللَّهِ تَسْتَلْزِمُ مِنْا أَنْ نَقِفَ عِنْدَهَا وَنَسْتَخْلِصَ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْعِبَرِ. وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُسْلِمُ مِنْ هَذَا الْوَاقِعِ الْمُرِيرِ الَّذِي نَعِيشُهُ فِي وَاقِعِنَا الْمُعَاصِرِ أَنْ نَعْلَمَ عِبَادَ اللَّهِ فَضْلَ السُّنَّةِ. إِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا أَرْسَلَ رَسُولَ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، أَرْسَلَهُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا إلَى الْخَلْقِ، وَأَمَرَ النَّاسَ كَافَّةً بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يُطِيعُوهُ وَيَتَّبِعُوهُ. قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. وَاعْلَمُوا رِعَاكُمْ اللَّهُ أَنَّ قِوَامَ أَمْرِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ. وَلَا تَظُنَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ مَجَالَاتِ السُّنَّةِ إنَّمَا تَقْتَصِرُ عَلَى تَأْدِيَةِ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ، أَوْ عَلَى أَنَّكَ تُؤَدِّي سُنَنَ النَّوْمِ وَالْمَطْعَمِ وَالْمَأْكَلِ وَالْمَخْرَجِ وَالْمَدْخَلِ. لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، إنَّ مَجَالَاتِ السُّنَّةِ أَوْسَعُ مِمَّا تَظُنُّ، بَلْ إنَّ مِنْ مَجَالَاتِ السُّنَّةِ أَنْ نَتَحَاكَمَ إلَيْهَا. وَلِهَذَا أَمَرَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بِالرُّجُوعِ إلَى سُنَّةِ مُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ جَلّ شَأْنُهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ هُوَ تَمَامُ الْإِنْقِيَادِ وَالْإِذْعَانِ لِرَسُولِنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ نَتَحَاكَمَ إلَيْهِ فِي كُلِّ أُمُورِنَا وَفِي أَنْمَاطِ حَيَاتِنَا. نَتَحَاكَمُ إلَيْهِ وَإِلَى سُنَّتِهِ فِي أَمْرِ صَلَاتِنَا وَعِبَادَتِنَا، وَنَتَحَاكَمُ إلَى سُنَّتِهِ فِي أَمْرِ كَسْبِنَا وَمَعَايِشِنَا، وَنَتَحَاكَمُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا دَبَّ عَلَيْنَا مِنْ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ وَالْمُتَغَيِّرَاتِ وَالْمُسْتَجِدَّاتِ. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ النَّاسَ لَوْ أَعْطَوْا السُّنَّةَ حَقَّهَا وَقَدْرَهَا مِنْ التَّحَاكُمِ إلَيْهَا وَالتَّسْلِيمِ لَهَا، لَكَانَ أَحْوَالُ الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ. وَكَيْفَ لَا وَرَبُّنَا الْقَائِلُ جَلّ فِي عُلَاهُ مُبَيِّنًا فَضْلَ السُّنَّةِ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، الْهُدَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا يَكْمُلُ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ مِنْ تَأَمَّلَ فِي وَاقِعِ النَّاسِ وَمَا يَعِيشُونَهُ مِنْ فِتَنٍ وَمِحَنٍ تَرَى أَنَّهُمْ انْقَسَمُوا إلَى فَرِيقَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا. فَرِيقٌ اعْتَصَمَ بِالسُّنَّةِ وَلَجَأَ إلَيْهَا وَاحْتَضَنَهَا، وَمَا قَدَّمَ عَلَيْهَا شَيْئًا، وَمَا خَرَجَ عَنْهَا، وَمَا خَالَفَهَا لَا بِآرَاءٍ وَلَا بِأَهْوَاءٍ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ، وَحَفِظَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا عَلَيْهِ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ، سَوَاءٌ كَانَ فَرْدًا أَوْ مُجْتَمَعًا. وَالْقِسْمُ الثَّانِي قِسْمٌ وَهُمْ السِّوَادُ الْأَعْظَمُ مِمَّنْ أَعْرَضَ عَنْ سُنَّتِهِ وَأَعْرَضَ عَنْ هَدْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَمَا تَحَاكَمَ إلَيْهَا، وَمَا انْتَهَجَ إلَيْهَا، وَمَا رَفَعَ لَهَا رَأْسًا. وَإِنَّمَا حَكَمَ الْآرَاءَ وَحَكَمَ الْأَهْوَاءَ وَحَكَمَ الْمَبَادِئَ وَالنَّظَرِيَّاتِ، وَخَاصَّةً فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْعِظَامِ مَسَائِلِ الدِّمَاءِ وَالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ. ثُمَّ مَا الَّذِي وَقَى عِبَادَ اللَّهِ فِي حَقِّ الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنْ سُنَّتِهِ؟ نَتِيجَةُ ذَلِكَ مَا نَرَاهُ وَمَا نَسْمَعُهُ مِمَّا عَمَّ الْبَلَاءُ فِي عُمُومِ الْبِلَادِ أَيْ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، سَفْكًا لِلدِّمَاءِ، وَإِزْهَاقًا لِلْأَرْوَاحِ، وَهَدَْسَدًا لِلْأَعْرَاضِ، وَانْتِهَاكًا لِلْحُرُمَاتِ وَالْمَحَارِمِ، وَتَخْرِيبًا لِلْبِلَادِ، وَقَتْلًا وَقِتَالًا فِي الْعِبَادِ. عِبَادَ اللَّهِ، يَقُولُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْمُحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إلَّا هَالِكٌ». وَهَا هِيَ الْهَلَكَةُ وَقَعَتْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَمَا زَاغُوا عَنْ سُنَّتِهِ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّنَا لَا نَزْعُمُ أَنَّ الْفِتَنَ قَدْ انْتَهَتْ وَانْقَضَتْ، بَلْ إنَّ الْفِتَنَ سَتَأْتِي وَسَتَأْتِي بِكُسْرَةٍ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَيَتَرَاءَى مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا؟ وَمَا النَّجَاةُ؟ الْمَخْرَجُ عِبَادَ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْفِتَنِ وَمَا سَيَأْتِي إنَّمَا يَكُونُ بِالِاعْتِصَامِ بِسُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. قَالَ نَبِيُّنَا: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ». وَأَيْضًا عِبَادَ اللَّهِ، مِمَّا يَسْتَفِيدُهُ الْمُسْلِمُ مِنْ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ وَالْحَوَادِثِ الَّتِي تَلِيَ بِهَا الْأُمَّةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ أَنْ نَعْلَمَ خُبْثَ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا. إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ وَالْمُتَمَعِّنَ فِي هَذِهِ الْأَحْدَاثِ الْجَارِيَةِ الْمُؤْلِمَةِ يَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَهُمْ النَّصِيبُ الْأَعْظَمُ فِي إشْعَالِ الْفِتَنِ وَفِي تَأْجِيجِهَا. فَهَاهُمْ الرَّوَافِضُ وَهَمُ الرَّافِضَةُ الَّذِينَ قَدْ اشْرَأَبَّتْ أَعْنَاقُهُمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ بِإِشْعَالِ الْفِتَنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ وَبِحَمْلِ السِّلَاحِ كَمَا وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا وَقَعَ فِي بِلَادِنَا الْيَمَنِ، وَهَكَذَا فِي دُوَلِ الْخَلِيجِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدُّوَلِ كَالْأَحْوَازِ وَغَيْرِهَا. وَعَلَى إثْرِ هَذِهِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ الْفِرَقِ الْبَاطِنِيَّةِ مِنْ عُلَوِيَّةٍ وَنَصِيرِيَّةٍ الَّتِي أَعْمَالُهُمْ لَا تَخْفَى عَلَيْنَا، كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي أَرْضِ الشَّامِ فِي بِلَادِ سُورِيَا. عِبَادَ اللَّهِ، مِنْ هَذَا وَذَاتِهِ نَعْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ عَلَى شَتَّى صُوَرِهِمْ، مَتَى مَا تَمَكَّنُوا مِنْ رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يَرْقُبُونَ فِيهِمْ إلًّا وَلَا ذِمَّةً. يَقُولُ أَبُو قِلَابَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَمَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً إلَّا اسْتَحَلُّوا السَّيْفَ»، «وَمَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً إلَّا اسْتَحَلُّوا السَّيْفَ». فَلَا تَظُنَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ سَيَحُلُّ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ تَحْتَ رَايَةِ مُبْتَدِعٍ. تَأَمَّلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَلَكَ عِبْرَةٌ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ حَتَّى تَعْرِفَ وَتَعْلَمَ مَا الَّذِي جَنَتْهُ الْأُمَّةُ عَلَى أَيْدِي الْمُبْتَدِعَةِ. سَلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ خَرَجُوا فِي عَهْدِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ، فَرَفَعُوا السُّيُوفَ عَلَى وُجُوهِ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَمَا ظَنُّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِمَنْ دُونَهُمْ؟ سَلْ يَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَيْفَ حَكَمُوا النَّاسَ بِالْحَدِيدِ وَالنَّارِ فِي الْمُدُنِ وَالْأَقَالِيمِ، قَتَلُوا عِبَادَ اللَّهِ وَبَطَشُوا بِهِمْ وَلَكَ عِظَةٌ بِوَاقِعَةِ فِتْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ. حَتَّى تَعْلَمَ مَدَى الْفَادِحَةِ وَالْكَارِثَةِ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ حُكْمِهِمْ. وَأَمَّا الرَّوَافِضُ يَا عَبْدَ اللَّهِ فَإِنَّ تَارِيخَهُمْ قَدْ مَلِيءٌ بِالْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ. فَإِنَّهُمْ سُرْعَانَ مَا يَبْطِشُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ وَعِنْدَ أَقْرَبِ فُرْصَةٍ. فَهُمْ الَّذِينَ قَدْ مَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إلَى التَّتَارِ الْكُفْرِ الْمُرْتَدَّةِ، مَدُّوا أَيْدِيَهُمْ إلَى التَّتَارِ حَيْثُ انْقَضُّوا عَلَى الْخِلَافَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي زَمَنِ بَنِي الْعَبَّاسِ فَأَزَالُوهَا، وَانْقَضُّوا عَلَى مِئَاتِ الْأُلُوفِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَبَطَشُوا بِهِمْ. وَلَا زَالَتْ الرَّوَافِضُ أَيْدِيَهُمْ مَبْسُوطَةً لِكُلِّ عَدُوٍّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. عِبَادَ اللَّهِ، مَعَ ظُهُورِهِمْ بِالْحَقَائِقِ وَانْكِشَافِهِمْ فِي ظِلِّ هَذَا الْوَاقِعِ الْأَلِيمِ. لَكِنَّ لِلْأَسَفِ أَنْ نَرَى بَعْضَ السُّذَّجِ مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ لَا زَالَ يَرْكَنُ إلَى أَهْلِ الْبِدَعِ. فَتَرَى يَهْتِفُ بِأَسْمَائِهِمْ وَيُشَيِّدُ بِزَعَمَائِهِمْ وَيَرْفَعُ الرَّايَاتِ وَيُصِيحُ بِالْهِتَافَاتِ. وَمَا دَرَى هَذَا الْمِسْكِينُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةَ مَتَى مَا تَمَكَّنُوا مِنْهُ وَتَمَكَّنُوا مِنْ بَلَدِهِ فَإِنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ سَيَتَخَلَّصُونَ مِنْهُ. ﴿إِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إنَّهُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إلَى رِضْوَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ. أَمَّا بَعْدُ، فَمِمَّا مَضَى عِبَادَ اللَّهِ عَلِمْنَا أَنَّ مَا قَدْ وَقَعَ وَيَقَعُ فِي الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ نَكَبَاتٍ وَمِنْ فِتَنٍ وَمِحَنٍ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَمُرَّ عَلَى النَّاسِ مِرَارَ الْكِرَامِ. بَلْ عَلَيْنَا عِبَادَ اللَّهِ أَنْ نَتَعَظَّ وَأَنْ نَعْتَبِرَ بِمَا مَضَى، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْعُقَلَاءِ. فَمِمَّا نَفْهَمُهُ وَمِمَّا قَدْ فَهِمْنَاهُ مِنْ هَذَا الْوَاقِعِ الْأَلِيمِ وَمِنْ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ الْمُدْوِيَةِ وَالْحَوَادِثِ الْمُرَوِّعَةِ عَلِمْنَا عِبَادَ اللَّهِ فَضْلَ السُّنَّةِ. وَأَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالسُّنَّةِ وَتَحَاكَمَ إلَيْهَا وَرَجَعَ إلَيْهَا، وَخَاصَّةً فِي أَمْرِ النَّوَازِلِ، فَإِنَّ السَّلَامَةَ فِي حَقِّهِ فَرْدًا كَانَ أَوْ مُجْتَمَعًا. وَمَا نَرَاهُ مِنْ عُمُومِ الْبَلَاءِ وَمِنْ عُمُومِ النِّكَبَاتِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِإِعْرَاضِنَا عَنْ اقْتِفَاءِ أَثَرِهِ وَالتَّحَاكُمِ إلَى سُنَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَيْضًا مِمَّا اسْتَفَدْنَاهُ وَيَسْتَفِيدُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْفِتَنِ خَطَرُ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يُرْكَنُ إلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْأَحْدَاثَ الَّتِي لَا تَزَالُ وَاقِعَةً هُنَا وَهُنَاكَ كَشَفَتْ وَكَشَفَتْ لِكُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ أَنَّ الْمُبْتَدِعَةَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ، مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ فِي تَعْظِيمِهِمْ لِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّهُمْ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلَا ذِمَّةً. فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَةَ مَتَى مَا وَقَعَتْ أَيْدِيهِمْ عَلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ شَهَرُوا فِي حَقِّهِمْ السِّلَاحَ وَالسَّيْفَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ وَلَا بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. وَلَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تُعِيدَ النَّظَرَ وَأَنْ تُدَقِّقَ النَّظَرَ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ عَالَمُ الْإِسْلَامِيِّ هُوَ أَمْنَةٌ وَيُسْرَةٌ لِتَرَى مَصْدَاقَ ذَلِكَ. وَأَيْضًا عِبَادَ اللَّهِ مِمَّا يَسْتَفِيدُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ النِّكَبَاتِ النَّازِلَةِ وَالْوَاقِعَةِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ خُبْثَ الْكُفَّارِ. فَلِلْأَسَفِ عِبَادَ اللَّهِ أَنْ نَجِدَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ رَقَّ دِينُهُ وَقَلَّ إيمَانُهُ يَهْرَعُ وَيَذْهَبُ وَيَلْتَجِئُ إلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ عَلَّ وَعَسَى أَنْ يَنْصُرُوهُ فِي قَضَايَاهُ أَوْ أَنْ يَقِفُوا بِإزَائِهِ وَبِجَانِبِهِ. أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ؟ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّمَا نَرَى مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُمْ قَدْ عَقَدُوا آمَالًا وَطُمُوحَاتٍ فِي مَجَالِسِ وَمُؤْتَمَرَاتٍ يَتَرَأَّسُهَا كُفَّارٌ مِنْ يَهُودٍ وَنَصَارَى وَمَلَاحِدَةٍ. فَيَظُنُّونَ أَنَّ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ سَيَنْصُرُونَهُمْ. عِبَادَ اللَّهِ، لِمَاذَا نَنْسَى أَوْ نَتَنَاسَى أَوْ نَجْهَلُ أَوْ نَتَجَاهَلُ بِأَنَّ أُمَمَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ كُلَّهَا فِي خَنْدَقٍ وَاحِدٍ فِي ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ؟ يَقُولُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ. يَقُولُونَ: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. هَذَا مِنْ صِفَاتِ مَنْ قَلَّ دِينُهُ أَنَّهُ يَهْرَعُ وَيَلْتَجِئُ إلَى أَعْدَاءِ الدِّينِ. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ مَبْدَأَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ مِنْ أَعْظَمِ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ. وَلِلْأَسَفِ كَمْ فَرَّطَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَبْدَأِ الْعَظِيمِ. فَكَمْ نَرَى مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ جَعَلَ أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ قَدْ جَعَلَهُمْ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّوقِيرِ. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ أُمَمَ الْكُفْرِ وَمِنْ الشِّرْكِ كُلَّهَا فِي خَطٍّ وَاحِدٍ لِضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَلِضَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَى إِرَاقَةِ دَمِهِ. وَمَا نَسْمَعُهُ عَنْ ذَلِكُمْ التَّحَرُّكِ الَّذِي سَيَقَعُ مِنْهُمْ إنْ صَحَّ كَمَا زَعَمُوا، فَإِنَّهُ تَحَرُّكٌ سَيَكُونُ بَعْدَ فَتْرَةٍ وَبَعْدَ حِينٍ مِنْ بَابِ الْغَطْغَطَةِ عَلَى الْوُجُوهِ وَالضَّحِكِ عَلَى الزِّقْنُونِ. يَتِمُّ التَّأْخِيرُ فِي هَذَا التَّحَرُّكِ حَتَّى يُقْتَلَ مَنْ يُقْتَلُ وَيُصَفَّ مَنْ يُصَفَّ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. عِبَادَ اللَّهِ، إنَّ هَذِهِ الْمَذَابِحَ وَالْمَجَازِرَ الَّتِي تَقَعُ فِي وَاقِعِنَا وَفِي عَالَمِنَا الْعَرَبِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ لَوْ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لَهَجَتْ الْأُمَمُ وَلَهَبَتْ دُوَلُ الْعَالَمِ بِأَسْرِهَا لِصَدِّ الْمُعْتَدِي وَرَدِّ الْعُدْوَانِ. لَكِنْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ هَذِهِ الدِّمَاءَ الْمُتَنَاثِرَةِ هُنَا وَهُنَاكَ هِيَ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ لَا تَسَاوِي شَيْئًا، لِهَذَا نَرَاهُمْ مَا حَرَّكَ سَاكِنًا. فَلَا تَطْمَعْ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَلَا تُضَيِّعْ دِينَكَ بِأَنْ تُعَظِّمَ مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ. فَقَوْمٌ قَدْ سَقَطُوا مِنْ عَيْنِ اللَّهِ، وَلَنْ يَرْقُبُوا فِي مُؤْمِنٍ إلًّا وَلَا ذِمَّةً. عِبَادَ اللَّهِ، وَأَخِيرًا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي ذِهْنِ كُلِّ مُسْلِمٍ وَنَحْنُ نُعَايِشُ مِثْلَ هَذِهِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ وَالشَّدَائِدِ وَالنِّكَبَات