فضل الدعوة إلى الله

الخطبة بعنوان فضل الدعوة إلى الله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢١ ربيع الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الدعوة إلى الله وأهميتها

الدعوة إلى الله عبادة عظيمة ولها فضل كبير، وهي مفتوحة لجميع الناس ليكونوا دعاة مهتدين. من يدعو إلى الله يحصل على أجر كبير يشمل أجر الدعوة وأجر من عمل بها.

أهمية الدعوة وطرقها

الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم وتتم بطرق مختلفة مثل اللسان أو المال أو الأخلاق. يجب على المسلم أن يكون داعيًا إلى الله في كل زمان ومكان.

ختام الدرس والدعاء للسامعين

الدرس يختم بدعاء لله بالهداية والنفع بما قيل، مع الصلاة على النبي ودعاء للسامعين. المتحدث يشكو إلى الله من قسوة الكافر ويطلب عزة المؤمن.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۞ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن الله جل وعلا لما بعث نبيه ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أهل الأرض، عربهم وعجمهم، كان ذلك لهدفٍ عظيم ومقصدٍ نبيل، ألا وهو تبليغ دين الله جل وعلا ودعوة الناس إليه. قال سبحانه: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال جل في علاه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، فقد كان ذلك من أهم صفاته، ومن أعظم أخلاقه عليه الصلاة والسلام، أنه كان داعيًا إلى الله، يدعو إلى دين الله وإلى سبيل الله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۞ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾. وإن من تأمل في سيرته وفي حياته عليه الصلاة والسلام، لعلم كيف كان بلاؤه، وكيف كان اهتمامه بهذا المقام العظيم، بمقام الدعوة إلى الله جل وعلا. عباد الله، إن مما يُنبَّى عليه في هذا المقام، ما يظنُّه الكثير من الناس، من أن مقام الدعوة هو مقامٌ إنما ينحصر على الأنبياء، لا يتعدَّاه إلى غيرهم، ولا إلى من دونهم. عباد الله، إن الدعوة إلى الله جل وعلا عبادةٌ عظيمة، وطاعةٌ منيفة، أتاح ربُّنا جل وعلا المجال فيها إلى كافة الناس، ليكونوا دعاةً مهتدين، وهداتًا مرشدين. بل إن هذه الأمَّة المحمدية ما اكتسبت الخيرية، ولن تكتسبها إلا إذا تحلَّت بهذا المقام الرفيع، بمقام الدعوة إلى الله. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقال جل في علاه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. نعم، عباد الله، لا يكون الفلاح، ولن يكتب النجاح لهذه الأمة، إلا إذا حملت راية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال إمام الحسن البصري رحمه الله تعالى: «هذا ولي الله، هذا حبيب الله، هذا صفة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب العباد إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعى الناس إلى ما أجاب الله فيه، ثم عمل صالحا، وقال: إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ». عباد الله، إن الثناء وإن الفضل للداعية إلى الله جل وعلا، لا ينحصر أمره إلى الثناء على ذواتهم، أو المدع إلى أشخاصهم، بل كذلك لبيان عظم فضلهم، ورفيع درجاتهم. قال عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى، فله أجره، وأجر من عمل به، لا ينقص من أجورهم شيئا». فدعوتك يا عبد الله إلى عمل صالح، ثم استجاب وأقبل من أقبل على هذا العمل، أيًا كان عددهم، فلتعلم أن أجرهم، وأن فضلهم يؤول إليك، ويعود عليك في حياتك وبعد مماتك. ما أعظم كرم الله جل في علاه. عباد الله، إن هذا المقام من المقامات العظيمة، التي ينبغي أن يتنبَّه لها العبد. وإننا لنأسف كل الأسف، حين أن نجد أن كثيرًا من الناس قد عزف عن الدعوة إلى الله جل وعلا، ويكأنها ليست من الأبواب الشرعية التي أمر ربنا جل وعلا بها، وحث العباد عليها. قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى، مبينا أن مقام الدعوة هو ليس خاص بالعلماء، أو بالرسل والأنبياء، بل إن هو مقامٌ عظيم، الكل عليه أن ينتوي أن ينتوي ضحت لوائه. «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني»، قال إمام السعدي: «وكذلك من اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو». فالكل عليه أن يدعو إلى الله، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد عليه الصلاة والسلام نبيا ورسولا، عليه أن يبلغ دين الله، عليه أن يدعو إلى الله جل في علاه. ولا تحتقرن يا عبد الله من نفسك، لا تحتقرن يا عبد الله من أمرك، فلو كنت صغيرا في سنك، أو وضيعا في قدرك، أو نكر في مجتمعك، لا تجعل ذلك ذريعة في أن لا تبلغ دين الله جل وعلا. أما سمعت يا عبد الله بقصة تلكم القرية الشقية، التي أرسل إليها ربنا جل وعلا الرسل تترا، فما كان منها إلا التكذيب. ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، ومع ذلك لا زال التكذيب قائم. ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾. من هذا الذي اتصف بهذه الصفات، وبهذه الخلال؟ جاء من أقصى المدينة، وهو في حال سعي وجري، ما همه، ما مقصده إلا نصرة لدين الله جل وعلا، والدعوة إلى الله وإلى رسل الله. إن فتشت يا عبد الله في كتب التفاسير، لوجدت من يقول بأنه أسكافي، ومنه من يقول أنه كان نجارا. كان نجارا بلسان الحال، كان من عامة الناس، ومع ذلك ما تخاذل، ما تكاسل في الدعوة إلى الله جل وعلا، والدعوة إلى دينه وإلى رسله. ولنا عبرة يا عبد الله، لنا عبرة بغيرنا من العوالم، بغيرنا من العوالم والكائنات، التي كان من أمرها التعظيم لمقام الدعوة إلى الله جل وعلا. فها هم الجن، قال ربنا جل وعلا حاكيا عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾. قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾، ما كان منهم إلا تلكم الموعظة، وتلكم الآيات في ذاك المقام الذي سمعوه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى انطلقوا دعاة، انطلقوا دعاة إلى أقوامهم، ينذرونهم ويحذرونهم من غضب الله، ويرشدونهم بالإيمان برسول الله، وبما أنزل عليه ربنا من القرآن. فأين أناس، أين أناس، وهم من أمة الإسلام؟ وكم تليت على آذانهم، وعلى مسامعهم، لا أقول الآحاد، ولا العشرات، بل ربما المئات والآلاف من المواعظ، ومن الأحكام؟ ومع ذلك تخاذلوا، وتكاسلوا في دعوة غيرهم إليها، تخاذلوا وتكاسلوا في دعوة أقرب الناس إليهم، من أبنائهم وأهاليهم وأرحامهم، فضلاً عن الأبعدين عنهم. وهك، يا عبد الله، في عالم الحيوانات، والكائنات، والحشرات، كان منهم من يبلغ دين الله جل وعلا، ويدعو غيره لما فيه منفعتهم في دينهم ودنياهم وأخراهم. هذه نملة، حكى ربنا جل وعلا عنها بقوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. نملة، عندما رأت ذلكم الجيش الجرار، جيش سليمان عليه السلام، قد أقبل على قريتها، رأت الخطر مُحْدِقًا على قومها، مُهَدِّدًا عشيرتها، فما كان من أمرها إلا أن حذَّرت، إلا أن حذَّرت بني جنسها، آمرةً لهم بالاختباء والاختماء من هذا الخطر. فيا سبحان الله، هذا في حق نملة، فأين العُقَلاء من بني آدم، ومن أهل الإسلام، وهم يرون الأخطار تدُبْ على أمة محمد عليه الصلاة والسلام، من كل حدبٍ وصوب، فتن وبلاء ومحن؟ ومع ذلك ما كان من أمر الواحد منهم إلا أن يدُس رأسه في التراب، كما تدُس النعام، حتى لا ترَى الخطر. وهكذا يا عبد الله، على هذا النسق، ما رواه أبو داود في سننه، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: «إن ذئبًا طلق بشاه، فعدى بها هاربًا، فإذا بالراعي يطلب الشاة من هذا الذئب، فلما انتزعها منه، وأخذها منه، فإذا بالذئب يجلس على ذنبه، فيقول: أتنزع مني رزقًا ساقه الله إلي؟»، فقال الراعي: «وعجبًا، ذئب مُقعٍ على ذنبه، يُكلمني كلام الإنس»، فقال الذئب: «ألا أخبرك بما هو أعجب من ذلك؟ ألا أخبرك بما هو أعجب من ذلك؟ محمد صلى الله عليه وسلم في يثرب، يُخبر الناس بأخبار ما قد مضى»، فذهب الراعي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. ذئب، عباد الله، دعا إلى نبينا، ودعا إلى الإيمان به، ودعا إلى تصديقه عليه الصلاة والسلام. هلَّا قارنَّا أنفسنا، عباد الله، بهذه الدواب، بهذه الكائنات، وعلمنا أين نحن من مضمار الدعوة؟ أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أدَّعى رضوانه، صلى الله عليه، وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى، عباد الله، علمنا فضل الدعوة إلى الله جل وعلا، وأنها من أجل الطاعات، ومن أجل القربات، وأن من حُسنها أن الله جل وعلا امتدح أهلها، وأثنى على أصحابها. الدعوة إلى الله جل وعلا، وعلا عباده، من خاض فيها، وصبر عليها، ناله من الأجر ما لا نظير له في الدنيا، ولا في الآخرة. الدعوة إلى الله جل وعلا، تُعْتَبَرُ بِحَق وِسَامُ شَرَف، وِسَامُ شَرَف لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. الدعوة إلى الله جل وعلا، هذه العبادة المنيفة، التي لو لم يقم بها من كان قبلنا، لما وصل إلينا هذا الخير الذي نحن نتقلب فيه. فالدعوة إلى الله، معلمٌ من معالم الإنطلاقة الكبرى، لدين الله جل وعلا. وأن من الخطأ الفادح، أن الواحد منا يتنصَّل من هذا المقام الرفيع، ومن هذا المقام العظيم. بل علينا أن نعلم، عباد الله، أن الجميع مُلزم أن يُبلِّغ دين الله جل وعلا، بما يستطيع، تُبلِّغ دين الله جل وعلا، بما تستطيع. فكل ما علمته من دين الله، من أحكامٍ شرعية، أو من آدابٍ وأخلاقٍ سلوكية، وغيرها من المسائل الدينية، فعليك أن تُبلِّغها لغيرك، ولو لم تكن تعرف من دين الله جل وعلا إلا آية، أو حديث، لزِمك أن تُبلِّغ ذلك لغيرك. قال عليه الصلاة والسلام: «بلِّغوا عني، ولو آية»، وقال عليه الصلاة والسلام: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا مَقَالَةً فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا». نعم، يا عبد الله، مقالة واحدة تكفيك، وتُسعفك في أنك تُبلِّغ دين الله جل وعلا عن طريقها. واعلموا، عباد الله، أن الدعوة إلى الله جل وعلا، لا تنحصر في طريقٍ محدد، أو في أسلوبٍ معين. بل كل ما كان من أمره، وما كان من شأنه أن يبلغ فيه دين الله جل وعلا، فهو محسوبٌ من الدعوة إلى الله جل وعلا. قد تكون الدعوة إلى الله، يا عبد الله، باللسان، وذلك باللسان، كالتعليم، والإرشاد، والتوجيه، والنصيحة، فإن ذلك من الدعوة. وقد يكون الدعوة إلى الله جل وعلا، عن طريق المال، وذلك عن طريق الإنفاق، وعن طريق البذل والعطاء. تنفق يا عبد الله من مالك، ما فيه سبيل لنصرة دينك، وتبليغك لشرع الله، ولدين الله سبحانه وتعالى. وأيضا يا عبد الله، قد تكون الدعوة إلى الله جل وعلا، بأخلاقك، وتكون كذلك بسلوكك، وآدابك. فدعوة إلى الله جل وعلا، ومن تشر الإسلام في أسقاع المعمورة، وخاصة في شرق آسيا، إلا عن طريق أخلاق أهل التجارة من المسلمين؟ كان بسماحتهم في بيعهم وشرائهم، وكان في أخلاقهم دعوة لغيرهم، فدخل الناس في دين الله أفواجا، في تلكم الأسقاع. وهكذا يا عبد الله، قد تكون الدعوة إلى الله جل وعلا، بوضعك الاجتماعي، ومن خلال معاشرتك للناس. كن داعيا يا عبد الله، في أي بيئةٍ كنت، في مدرستك، في محل عملك، بين زملائك، وفي بيتك، ومصنعك، على رأس جبل، أو كنت في بطن واد. كن داعيا إلى الله جل وعلا، على أي هيئةٍ كنت. ثبت في البخاري أنه عليه الصلاة والسلام، عاد غلامًا يهوديًا، كان يحتضر، فجلس عند رأسه، فقال له: «أسلم»، دعوة إلى الله، عند عيادة المرضى. قال له نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «أسلم»، فنظر الغلام إلى أبيه، كأنه يستشيره، فنظر الغلام إلى أبيه، فقال الأب اليهودي: «أطِع القاسم»، فأشهد، فأسلم. فخرج عليه الصلاة والسلام، وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار»، دعوة، دعوة إلى الله جل وعلا، لا يحدها مكان، ولا ينقصها زمان، تكون على أي هيئةٍ كنت، يا عبد الله. روى الإمام النسائي في سننه، أن أبا طلحة، لما كان كافرًا مشركًا، تقدم على خطبة أم سليم رضي الله تعالى عنها، فقال له أم سليم: «إن مثلك لا يُرد، لكنك امرؤٌ مشرك، وأنا امرأةٌ مسلمة، إن تسلم، يكن هذا مهري منك»، فأسلم، فكان زوجها. إنه التفاني، إنه التفاني في تبليغ دين الله، ودعوة الناس إلى الله جل وعلا. كن داعيًا يا عبد الله، في كل زمان، وفي كل مكان. واعلم يا عبد الله، واحرص، وأنت في بإضمار دعوتك، في بيتك، أو في مسجدك، في مدرستك، أو في كليتك، أو في عملك، أو في مقر مهنتك، عليك أن تتحلَّ بأعظم صفة، ألا وهي صفة الإخلاص، حين تدعو إلى الله جل وعلا. فلتكن دعوتك لله، وإلى الله جل وعلا، فلا تدعو إلى حزبك، ولا تدعو إلى نفسك، ولا تدعو إلى تيار، وإلى مذهب، ولا إلى فكر. قال ربنا جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، كفاك شرفًا، كفاك نبلاً، أنك تنتسب، وتنسب الدعوة إلى الله. ادع إلى سبيل ربك، فلا تدعو إلى نفسك، ولا تدعو إلى شخصك. عباد الله، إن مما يُخجل منه حقًا وصدقًا، أن أهل الإسلام، وما نراه من عزوف، ومن تخاذل وتكاسل عن تبليغ دين الله جل وعلا، بحجة الإنشغال. فذاك انشغل بنفسه، وذاك انشغل بدنياه، وذاك انشغل بخاصة أهله. وبالمقابل، أن نجد أهل الكفر، ومن للشرك، قد تواطأوا على تبليغ دينهم المنحرف، فبذلوا ما يستطيعون من مال، وأعطوا ما يستطيعون من قدرة، وهم على باطل، ونحن على حق. وما نقول إلا كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: «اللهم إنا نشكو إليك من جلد الكافر، ومن عز المؤمن». فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا مما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.