أهمية العبادة في الأيام الفاضلة

الخطبة بعنوان أهمية العبادة في الأيام الفاضلة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢ ذو الحجة ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة عن فضل العشر من ذي الحجة

يبرز المقطع الأول أهمية العشر من ذي الحجة ويبين فضلها العظيم، حيث أقسم الله بها في القرآن وأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن العمل الصالح فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله.

الأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة وفضلها

يشجع المقطع الثاني على اغتنام العشر من ذي الحجة بالأعمال الصالحة مثل الصيام وذكر الله وتلاوة القرآن، ويحذر من إضاعة الوقت في اللهو والملهيات.

أهمية العبادة في دفع الفتن والكربات

العبادة والتعبُّد لله سبحانه وتعالى سبيل لنيل رضاه في الدنيا والآخرة، وبها تُدفع الفتن والمصائب عن الأفراد والمجتمعات.

ختام الخطبة والدعاء

المقطع الأخير يشير إلى ختام الخطبة أو الكلمة، حيث يذكر الدعاء للنبي محمد وعلى آله وصحبه، ويحث على إقامة الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلم تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إننا نحمدُ الله سبحانه وتعالى حمدًا كثيرًا طيِّبًا مُبارَكًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويرضى، نحمدُه سبحانه وتعالى على ما مَنَّى به علينا وأعطَى من نعمٍ وفضائل علينا تترى، نحمدُه سبحانه وتعالى على ما أولى به من مواسم الخيرات والبركات، ومن أزمانٍ تتضاعفُ فيه الأجور والحسنات. عباد الله، ها هي العشر من ذي الحجة أيامٌ فاضلة وليالٍ مُبارَكة، نستضلُّ بظلِّها ونتقلَّبُ بين خيرها وفضلها، فأين المُشمِّرُ لها؟ عباد الله، بلَغَت هذه الأيام من القُدسيَّة والقَداسة أن الرب جلَّا في علاه أقسم بها، ولا يُقسم ربُّنا إلا بأمرٍ عظيم، قال جلَّا في علاه: ﴿والفجر وليالٍ عشر﴾، وعلى قول جماهير المُفسِّرين أنَّها الليالي العشر من ذي الحجة، وما أقسم بها الباري جلَّا في علاه إلا لعلُو شأنها ورفيع قدرها. عباد الله، هنيئًا لمن عمَّر هذه الأوقات بالعبادات والطاعات، من نوافل وصلوات، وحرِص على إطعام الطعام والصبر على الصيام، وبصلة الأرحام وبصلات القيام، وزيَّن نفسه بالأخلاق الحميدة والآداب السليمة، وبالأقوال السديدة من تسبيحٍ وتهليلٍ واستغفار، ومن تكبيرٍ وتحميدٍ، ومن قراءةٍ للقرآن. عباد الله، بلغ من تعظيم هذه الأيام أن العمل فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، التعبُّد فيها أفضل من القتال في سبيل الله، روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام»، يعني العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيءٍ من ذلك». أين المتأمِّل لكلام المُصطفى عليه الصلاة والسلام؟ العباد والتعبُّد في مثل هذه الأيام أفضل من الجهاد في سبيل الله، منحةٌ ومنَّةٌ من الله جل في علاه، فأين الشاكِرون لله؟ وأين الحامِدون له؟ أيامُ ذي الحجَّة يا عبد الله ما من أيام توازيها ولا تساويها. قال عليه الصلاة والسلام كما عند البزار من حديث جابر: «أفضل أيام الدنيا أيامُ العشر، أفضل أيام الدنيا أيامُ العشر»، قيل له: يا رسول الله، ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: «ولا مثلهن في سبيل الله، إلا رجل عفَّر وجهه بالتُراب». عباد الله، ما هنالك أيام تُداني ولا تساوي ولا توازي أيام العشر من ذي الحجَّة، بل إنها زاحمت ونافست أيام رمضان، فقد حكم من حكم من أهل العلم على أن الأيام العشر من ذي الحجَّة أفضل من العشر الأخير من رمضان. يا سبحان الله، قالوا: لكثرة فضائلها ومناقبها، ولكثرة مدائحها التي جاء على لسان الشرع، ما من أيام تُدانيها ولا توازيها، تأمَّل يا عبد الله وتذكَّر كيف كان حالك في العشر الأخير من رمضان من جدٍّ واجتهاد ونشاط في العبادة والتعبُّد، وانظر إلى حالك في مثل هذه الأيام. عباد الله، إنه من المُؤسِف أن نرى أن كثيرًا من الناس من لربما تدخل عليهم مثل هذه الأيام الفاضلة ومع ذلك لا يعمل فيها خيرًا ولا يُحجِث فيها شيئًا، وهذا هو الحرمان، فنعوذُ بالله من الخُذلان. عباد الله، لقد كان نبيُّنا صلواتُ ربي وسلامُ عليه حرِص كل الحرص على إعمار وقته في مثل هذا الموسم الفاضل بالأعمال الصالحة، فكان مما أُثِر عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان كثير الصيام، ففي مسند الإمام أحمد من حديث هنيدة عن امرأته عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان عليه الصلاة والسلام يصوم التسع. قال العلماء كأمثالٍ نووي رحمه الله تعالى مُبيِّنًا حُكم الصيام في مثل هذه الأيام: «ويستحبُّ الصيامُ فيها استِحبابًا شديدًا»، وعلى هذا جماهير العلماء، بل وكذلك باتفاق المذاهب على استِحباب صيام هذه الأيام. وهي كذلك تندرجُ تحت أفراد العمل الصالح مما يعملُه العبدُ في مثل هذه الأيام، وإن لم تستطع يا عبد الله لذلك سبيلًا، فلا أقلَّ من أن يشتدِّ حرصُك ويقوى عزمُك على صيام التاسِع منه، ألا وهو يومُ عرفة، يومٌ خصَّه الله جل وعلا بالتعظيم والتشريف وبالتبجيل والتقديس. ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال عن صيام يوم عرفة: «يُكفِّر سنتين، يُكفِّر سنتين ماضيةً ومُستقبلة»، نعم يا عبد الله، يومُ عرفة شأنُه عظيم ومقدارُه رفيع. وهكذا يا عبد الله من الأعمال ومن العبادات التي ينبغي أن نحرِص عليها ونحن في هذه الأيام المباركة الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، من تسبيحٍ وتهليلٍ وازتغفار، وعلى وجه الخصوص التكبير، على وجه الخصوص التكبير، ذلك لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وليذكرُ اسم الله في أيامٍ معلومات﴾، وهي هذه الأيام. فقد أُثِرَ عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كأمثال أبي هريرة وابن عمر أنهما كانا يخرُجان إلى السوق في أيام العشر من ذي الحجة، فكانا يُكبِّران، وكذلك كان الناس يُكبِّرون، فمن هذا الذي يثقُل عليه مثل هذا العمل اليسير أن تجعل لسانك يا عبد الله رطبه بذكر الله سبحانه وتعالى، فتلهج بذكر الله بتحميده وتهليله وبتكبيره. وأيضا يا عبد الله وبقراءة القرآن، علينا عباد الله أن نغتنِم هذا الموسم الكريم بما أوتينا من قوة، فنؤدي العبادات ونؤدي الطاعات، سواء أكانت قولية من ذكر أو كانت فعلية من صلاة وصيام ونوافل، أو كانت مالية من إطعام الطعام وهكذا من مساعدة الفقراء والمعوزين والمحتاجين. لكن إن تعجب فعجبٌ لحال بعض الناس ممن اتخذوا هذا الموسم المبارك اتخذوه أيام لعب وله ورقص وضربٍ بالطبول تحت ما يسمى بالألعاب الشعبية أو ما يعرف بالمشاعيل، تقاعسوا عن الطاعات، أعرضوا عن العبادات، إن شغلوا بالملهيات أقبلوا على إضاعة الأوقات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أين حالنا وحال سلفنا الصالح الذين ما عُرف عنهم بمثل هذه المواسم إلا المسارعة والمسابغ إلى مرضات الله، كان سعيد بن جبير رحمه الله تعالى ما كما يُحكى عنه إذا دخلت العشر عليه اجتهد اجتهاداً عظيماً لا يكاد أن يُقدر عليه. هؤلاء قدوتنا، هؤلاء إسوتنا، هؤلاء هم سلفنا الصالح، فعلينا عباد الله أن نقتدي بهم، إن التشبُّه بالكيرام فلاح. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه أدَّاعِ ذِرِضوانِه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. فمما مضى عباد الله علمنا فضل هذه الأيام التي نستضلُّ بظلِّها، وكيف أن الله سبحانه وتعالى شرَّفَها عن سائر الأيام والليالي بالتشريف والتقديس، وبمضاعفة الأجور والحسنات. قال إمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: «بلغني أن العمل في يوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يُصامُ نهارُها ويُحرَسُ ليلُّها»، وبالمقابل عباد الله مع تلكم الأجور وتلكم الحسنات إلا أننا نجد الكثير من الناس في عزوفٍ تامٍ عن هذه الأيام، فما رفعوا لها رأساً وما ألقوا لها بالاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله. عباد الله، إن المسلم ما ينبغي أن ينفكَ عن عبوديَّته لربِّه سبحانه وتعالى، بل إن هذا هو سر وجوده في هذه الدنيا، وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون، وإن المسلم في المواسم الفاضلة ينبغي أن يشتد حرصُه ويقوى عزمُه على الإكثار من العبادة والتعبُّد لله سبحانه وتعالى. لأن العبادة والتعبُّد لله سبحانه وتعالى سبيل يا عبد الله لكي تنل رضى الرب سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، بالعبادة والتعبُّد تتنزل الأرزاق على الأفراد والمجتمعات، وبها تُفتَّح أضواب الخيرات والبركات، وبها يُنعم العبد بعظيم المنازل والدرجات والارتقاء إلى أعلى الجنات. كل ذلك بتعبُّدك لربك سبحانه وتعالى، وإضافةً مع ذلك فإنك في تعبُّدك لربك سبحانه وتعالى ستنكشف عنك الكُربات ويدفع عنك ربُّك جل وعلا المصائب والبليات. أما تذكر يا عبد الله قصة الثلاثة الذين خرجوا من الغار بعد ما سدَّ عليهم، فكانوا في حالة ما يعلم بها إلا الله، ما كان فرجُهم إلا من خلال تعبُّدهم لله جل فعلا، ذاك ببرَّه بوالديه وإحسانه، وآخر بعفَّته وعفافه، وذاك بصدقه وأمانته، تعبَّدوا الله جل وعلا بالعبادات فكان من أمرهم أن كشف ربُّنا جل وعنى عنهم الكُربات. وليس هذا الكشف وليس هذا الدفع يكون في حق الفرد بل وكذلك في حال الجماعات والمجتمعات، متى ما كان الناس في مستوى عالٍ من التعبُّد والتديُّن لله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى يدفع عنهم كل سوءٍ ومكروه، قال جل فعلا: ﴿وما كان الله ليعذِّبهم وأنت فيهم﴾، وقال: ﴿وما كان الله معذِّبهم وهم يستغفِرون﴾. قال أهل التفسير: أن يؤمنون ويصلون، متى ما كان الناس على مستوى من التدين من التعبد لله سبحانه وتعالى، يكشف عنهم ربنا الضراء، يكشف عنهم ربنا البلاء، يدفع عنهم ربنا الفتن، الفتن يا عبد الله ما تدفع بمثل التعبد. قال عليه الصلاة والسلام: «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، وقال عليه الصلاة والسلام بعدما قام فزعا وقد أوحي إليه بنزول الفتن على أمته: «أيقظوا صواحب الحجرات لكي يصلين»، أمر نبينا بالصلاة دفعا للفتن. وما ابتلينا به عباد الله في هذه الأزمان وخاصة في بلادنا من تتابع الفتن والمحن، والله ما تدفع بشيء بمثل العبادة والتعبد والتدين لله سبحانه وتعالى. يا عبد الله، أصلح ما بينك وبين الله يصلح الله ما بينك وبين العباد، وإن الله جل وعلا لما أوقع الفتن ما أوقعها ليرى مدى ذكائنا في كيفية الخروج منها، أو أنه أوقعها ليرى شدتنا في كيفية الخوض فيها، أو ليعلم مدى سعة معارفنا بالإحاطة بها، لا يعبد الله. إن الله عز وجل ما أوقع الفتن إلا لكي يرى مدى رجوع الناس إلى الله والإناب إليه والاستمساك بحبله والوثوق عليه، قال جل في علاه: ﴿وَلَقَدْ أَبْعَثْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا، ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّلَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. يا عبد الله، فوالله ما تضرُّك فتنة ما دومت مستوثقًا بحبل الله جل في علاه، واعلمُ عباد الله أن قوى الشر وأعداء الدين على أي صورةٍ كانت وفي أي حجبٍ كانوا، وأن قوى الشر صغرت أو كبرت عظمت أو حقرت ظهرت أو خفيت، متى ما أراد أن يمكروا بك وأن يكيدوا بك، ما دمت يا عبد الله نقياً تقياً لا يضرُّك كيدهم شيئًا. قال سبحانه وتعالى: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضرُّكم كيدهم شيئًا﴾، نعم يا عبد الله، شيئًا نكر في سياق النفي تعم أي ضر تعم أي مكر، مهما كاد المكيدون ومكر الماكرون على أهل الإسلام والمسلمين، ما دمنا عباد الله مستوثقين بحبل الله مقبلين على دين الله، معظمين لشرع الله، مقبلين قلبًا وقالبًا حقًا وصدقًا على بارينا. فوالله والله لن تضرُّنا فتنة ولن يزعزعنا شيء، وإن تصبروا وتتقوا لا يضرُّكم كيدهم شيئًا، عباد الله، علينا أن نغتنِم هذه الأيام خاصة وسائر أيام حياتنا أن نستغلَّها بالطاعة وأن نستغلَّها بالعبادة، فنُقبل على الله سبحانه وتعالى بدينه سبحانه وتعالى تمسُكًا وتطبيقًا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأيضًا عباد الله مما أذكر به نفسي وإخواني في مثل هذه الأيام أن الله عز وجل ندَبَ وحثَّ على شريعةٍ عظيمة ألا وهي الأضحية، وأنه من عزم عليها وأراد أن يضحِّي فعليه أن يمسك عن شعره وعن أظفاره فلا يأخذ منها شيئًا حتى يضحي. أقول قولي هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.