تفسير سورة الكافرون

تفسير سورة الكافرون

الدرس في تفسير سورة الكافرون، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تسمية سورة الكافرون بسورة البراءة ومعنى التوحيد الصحيح

يشرح المقطع تفسير الشيخ السعدي لسورة الكافرون موضحًا أنها تسمى سورة البراءة، وأن التوحيد الصحيح يستلزم الكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله، مستدلًا بآيات قرآنية وحديث نبوي يؤكد حرمة دم ومال من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه.

تفسير آية ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ ونفي العبادة الباطلة

يشرح المقطع معنى آية ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مبيناً أن عبادة المشركين باطلة لخلوها من الإخلاص، وأن تكرار النفي يدل على نفي الفعل ثم وصف المشركين بعدم التوحيد.

تفصيل آية ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ورد دعوى حرية الأديان وخاتمة الدرس

يوضح المقطع أن الآية الكريمة تخبر عن واقع حال الفرق بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ولا تقر حرية الأديان أو تبرر الشرك، مبيناً أن شرع الله أمر بدعوة المشركين للإسلام فإن أبوا فإما الجزية لأهل الكتاب مع الصغار وإما القتال، ويختتم المتحدث بعبارة الختام التقليدية ودعوة للاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد. قال المفسر عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: تفسير سورة «قل يا أيها الكافرون». قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. قال: أي قل للكافرين معلنًا ومصرحًا، فالكافرون هنا يشمل كل كافر، وإن كان الخطاب موجهًا لكفار قريش، لكن الآية عامة. قال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي تبرؤًا مما كانوا يعبدون من دون الله ظاهرًا وباطنًا، وبهذا يصح التوحيد؛ التوحيد التوحيد لا بد فيه من البراءة من الشرك وأهل الشرك. ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، بل بعض أهل العلم سمى هذه السورة بسورة البراءة، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، فلا بد من الكفر بالطاغوت والتبرؤ من الشرك وأهله. وقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله»، فلا بد من الكفر بما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية فيها هذا المعنى. قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، أي لعدم إخلاصكم لله في عبادته، فعبادتكم له المقترنة بالشرك لا تسمى عبادة. معنى ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ على ما ذكره المؤلف: وهي نفي لعبادة أولئك، فهم في الحقيقة لا يعبدون الله سبحانه وتعالى، ولا يعبدون الإله الحق، فهي عبادة باطلة، عبادة باطلة خالية من الإخلاص، ومن الصدق، وإلى غير ذلك من شروط التوحيد، لا تسمى عبادة. ثم كرر ذلك ليدل الأول على عدم وجود الفعل، يعني فعل العبادة لله سبحانه وتعالى، ففيه نفي لفعل العبادة: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، هذا الأول، والثاني: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾. قال: والثاني على أن ذلك قد صار وصفًا لازمًا، يعني من وصف أولئك أنهم لا يوحدون الله، ولا يخلصون لله، ولا يفردون الله سبحانه وتعالى بالعبادة، فهذا وصفهم. فالأول فيه نفي العبادة لله، والثاني فيه وصف لهؤلاء المشركين. قال: ولهذا ميز بين الفريقين وفصل بين الطائفتين، يعني أهل التوحيد وأهل الشرك، فقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾، وكما قال: ﴿أَنْتُمْ بُرَآءُ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا. وليس معنى قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ تبرير لعمل الشرك وحرية الأديان، كما يستدل بهذا بعض الجهلة، فيقول: قد قال ربنا ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، فلماذا تنكرون على أهل الشرك، ولماذا تنكرون على أهل الكفر؟ فهذا استدلال باطل سقيم. بل المراد بهذه الآية حكاية أو الإخبار عن حقيقة الحال، بأن أولئك لهم دينهم الباطل، لهم دينهم الباطل، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾، يعني على طريقته، ثم ماذا قال بعد؟ ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾، فإذا الممدوح، وكذلك المستحق لرحمة الله سبحانه وتعالى، من هداه الله ومن جعله على الصراط المستقيم، أما من كان خلاف ذلك فقد توعده ربنا بعذاب أليم، كما سمعتم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، لما يرى من العذاب الشديد الذي يناله أهل الشرك وأهل الكفر. فليس في هذه الآية لا من قريبة ولا من بعيدة تبرير لعمل الكفر ولعمل الشرك، وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَنْتُمْ بُرَآءُ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. فقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ فيه إخبار عن حقيقة الحال الذي عليه أهل الإيمان والذي عليه أهل الكفر، وليس في هذا دليل على ما يزعمه البعض من حرية الأديان. بل أمر ربنا سبحانه وتعالى أهل الإسلام أن يدعو هؤلاء المشركين إلى الإسلام، فإن استجابوا، وإلا إن كانوا من أهل الكتاب يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون، وإن أبوا يحاربون ويقاتلون حتى يخضعوا لدين الله سبحانه وتعالى. فليس معنى ذلك أننا نبرر الشرك، وأن كل واحد يعمل ما شاء، ولا ننكر عليه، ولا كذلك نلزمه بأن يكون من أهل الإسلام ومن أهل التوحيد. وبهذا نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة