الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 110، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع أن الإيمان الكامل يستلزم حسن الظن بالله وأسمائه وصفاته، مبيناً أن آية أحد نزلت في المنافقين الذين ظنوا أن الله لا ينصر رسوله. كما يقارن ثبات المؤمنين في الأحزاب بتزعزع المنافقين وقولهم إن وعد الله غرور.
يبيّن المقطع الفرق الجوهري بين حسن الظن الذي يستلزم الإيمان بحكمة الله والأخذ بالأسباب، وسوء الظن الذي فسره ابن القيم بأنه إنكار لحكمة الله وقدره. ويؤكد أن السوء المحيط بالمنافقين عائد عليهم بسبب ظنهم السوء بالله.
يفسر ابن القيم ظن السوء الوارد في سورة الفتح بقسمه إلى ثلاثة أنواع: ظن غلبة الباطل على الحق، وإنكار قضاء الله وقدره، وإنكار حكمة القدر المستحقة للحمد. ويحذر من أن سوء الظن طعن في الربوبية وأسماء الله وصفاته لا يسلم منه إلا العارف بالله.
يختم المقطع بأن النجاة تتحقق لمن عرف أسماء الله وصفاته وعرف نفسه بأنه مربوب ومخلوق له فيحسن الظن به سبحانه. وهذا هو مجمل ما يُذكر في هذا الباب من أصول العقيدة والسلوك.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. قال شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. وقوله: ﴿ وَالظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل. وفسر بأن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يظهره على الدين كله، إلى آخر كلامه. كما سيأتي، عقد المؤلف هذا الباب وبوّب له بهاتين الآيتين؛ لأنه لا يتم إيمان العبد ولا توحيده حتى يظن بالله سبحانه وتعالى ظن الحق، ظن الخير. وهذا من الإيمان بأسماء الله وصفاته، وذلك أن من أسماء الله سبحانه وتعالى: العليم، الخبير، السميع، البصير، الحق، وغيرها من الأسماء التي تقتضي أن يؤمن العبد بأن الله سبحانه وتعالى ينصره ويؤيده ويرحمه، فيعتقد ذلك في قرارة نفسه، ولا يظن بالله ظن السوء كما يظن ذلك المنافقون والمشركون. فقوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾، المراد بالظن هنا: المرجوح، الذي هو ظن السوء، ولذلك قال: ﴿ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾. ومعنى ظن الجاهلية: يعني يظنون بالله ظن الملة الجاهلية. وما هو ظن الملة الجاهلية؟ أنهم لا يعرفون لله قدرًا، لا يؤمنون بالقدر، ولا يؤمنون بعظمة الله، فهم يظنون بالله ظن السوء. وهذه الآية في المنافقين، في غزوة أحد، لما رجع رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بجزء من الجيش، ولما وقع ما وقع للمسلمين في هذه الغزوة من البلاء، أظهر المنافقون ما في قلوبهم. فماذا قالوا بعد انتهاء هذه الغزوة؟ قالوا: ﴿ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستجب لهم ولم يرجع معهم، وهم يقولون: ما لنا من الأمر شيء. فبيّن ربنا عز وجل أن الأمر لله، فقال: ﴿ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾، هو الذي أمر رسوله أن يقاتل وأن يجاهد هؤلاء، وأن لا يرجع. ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾، ما قالوا ذلك قبل المعركة، إنما قالوا ذلك بعدما انتهت المعركة ورأوا من القتل في المسلمين، فقالوا ذلك. ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾، وهذا من صفات أهل النفاق، أنهم يخفون الكفر ويخفون الكراهية للإسلام والمسلمين، فإذا وقع أمر بالمسلمين أخرج الله عز وجل ما في قلوبهم بفلتات ألسنتهم. فهم يقولون: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾، لو أعطيتمونا المشورة وأطعتمونا ما قتل من قتل من المسلمين. فرد الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، لأن الأمر لله وبقدر الله، والموت لا يستطيع أحد أن يتحتمه. ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾، قال الله عز وجل: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾، فلا يستطيع أحد أن يفر من الموت إذا أراد الله عز وجل موته. ﴿ فَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ﴾، يعني: ظهر الذين كتب عليهم القتل ﴿ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، يعني: يموتون في أي حال وفي أي موضع إذا كتب الله عز وجل عليهم الموت. وما هذه الحادثة التي وقعت للمسلمين في غزوة أحد إلا ابتلاء واختبار، ولذلك قال: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾، ولذلك أخرجوا ما في قلوبهم وما في صدورهم. فالمحن والابتلاءات، كما يقول العلماء، تظهر معادن الرجال. فالمؤمن يزداد إيمانًا، كما في غزوة الأحزاب، وصفها الله عز وجل بأبلغ وصف، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ ﴾. هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا عظيمًا، فالمؤمنون ثبتهم الله، فانقسم الناس تجاه هذا الابتلاء إلى قسمين: إلى أهل ثبات، وإلى أهل تزعزع ونفاق. فالمؤمنون لما رأوا الأحزاب ورأوا كثرتهم ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾. هذا ظن أهل الإيمان بالله عز وجل، وهو الظن الحسن. وماذا قال المنافقون؟ ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾، قالوا: إن وعد الله أن الله سينصرنا وأن الله سيرفع من شأننا، كل هذا الوعود إنما هي غرور وليست حقيقة. انظر كيف أخرج الله ما في صدور أهل النفاق. فإذن يجب على المؤمن أن يحسن الظن بالله مهما بلغ من كثرة عدد العدو أو كثرة عدته أو قوته، لا تظن بالله ظن السوء، اتخذ الأسباب التي تستطيعها وأحسن الظن بالله، والله عز وجل لا يخذلك ولا يتركك سبحانه وتعالى. فهذا هو المعنى. ولذلك فسر ابن القيم هذا الظن بماذا؟ بأن الله لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل. هذا قول المنافقين، والآية الأولى نزلت فيهم. فقوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾، ما هو هذا الظن؟ أي أن الله عز وجل لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل. ما معنى سيضمحل؟ يعني: سينتهي، خلاص، ما سيظهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما ستكون له شوكة ولا دولة ولا رجال ولا جهاد ولا شيء، سيضمحل أمره. هذا ظن من؟ ظن المنافقين، وهذا هو ظن السوء، وهذا ينافي الربوبية وينافي الإيمان بأسماء الله وصفاته، ولذلك أورد المؤلف هذا في هذا الموضع وفي هذا الكتاب، كتاب التوحيد. فالواجب على المؤمن أن يحسن الظن بالله، أن يحسن الظن بالله. والآية الثانية نزلت في المشركين والمنافقين، لأن في سورة الفتح، وفي أولها ماذا؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. فقوله هنا: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾، على حسب ما فسره ابن القيم: أي أن الله لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر أيضًا: ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، هم نفوا الحكمة عن الله عز وجل، وأن الله لا يقدر بحكمة وعلم، وإنما بدون ذلك، وهذا هو من ظن السوء، كما سيأتي معنا إن شاء الله أيضًا في زيادة بيان ذلك. طيب، وقوله هنا: ﴿ يَظُنُّونَ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾، معنى ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾: يعني الظن السيء سيعود عليهم، سيعود عليهم. فالسوء بمعنى محيط بهم، ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ يعني: محيط بهم جميعًا من كل جانب، محيط بهم جميعًا من كل جانب، كما تحيط الدائرة بما في جوفها. الدائرة الآن في جوفها شيء فهي تحيط بهذا الشيء الذي بداخلها، وهكذا هؤلاء المنافقون وهؤلاء المشركون، السوء محيط بهم جميعًا، لا بأهل الإيمان، وإنما محيط بهم. ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ لهذا الظن السيء، لهذا الظن السيء. وهكذا غضب الله عليهم، والغضب من صفات الله سبحانه وتعالى الفعلية التي تتعلق بالمشيئة، فهو يغضب سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ويترتب على هذا الغضب الانتقام، الانتقام. طيب، ذكر العلماء أن الظن بالله نوعان: الظن بالله نوعان. النوع الأول: أن يظن بالله خيرًا، وهذا له متعلقات. فمن متعلقات هذا النوع: الظن بالنسبة لما يفعله الله عز وجل في هذا الكون، لما يفعله الله سبحانه وتعالى في هذا الكون. كيف تعتقد الظن الحسن في ذلك؟ الاعتقاد بالظن الحسن في ذلك: أن تعتقد أن ما فعله سبحانه وتعالى لحكمة بالغة متقنة، قد نصل إليها وقد لا نصل إليها، قد تصل إليها عقولنا وقد لا تصل إليها عقولنا، فلا يظن أن الله إذا فعل شيئًا في الكون فعله لإرادة سيئة، ولو كان ظاهر هذا الفعل فعلًا سيئًا ك الزلازل، وكذلك شدة الرياح، أو كثرة الأمطار، أو نحو ذلك مما يقدره الله، فاعلم أن الله عز وجل قدره لحكمة بالغة قد تصل إليها عقولنا وقد لا تصل إليها عقولنا في هذا المقدر في كونه سبحانه وتعالى. هذا من الظن الحسن بالله عز وجل، هذا من الظن الحسن بالله سبحانه وتعالى. وأما ما يتعلق بما يقدره للغير، بأن يحدث ما يريده به، أن يسوء هذا الغير، يعني: بهذا القدر يتضرر هذا الغير، فهذا ثابت في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا ﴾، فقد الله عز وجل يقدر في كونه ما يسوء به ذلك العبد. فنعم، هذا سوء على هذا العبد، لكن في فعل الله عز وجل ليس بسوء، بل هو لعل يكون خيرًا لهذا العبد، يكون سببًا لرجوعه وسببًا لتوبته وسببًا لصلاحه. واضح هذا الآن؟ وأما أيضًا مما يتعلق بهذا النوع، وهو الظن بالله ظن الخير والظن الحسن، بالنسبة لما يفعله بك أنت، أخي المسلم، يجب عليك أن تظن الظن الحسن. كيف تظن الظن الحسن؟ أولاً: يجب أن تظن لله أحسن الظن، وأن الله لا يريد بك إلا خيرًا، علمته أو جهلته، علمته أو جهلته. واشترط العلماء لهذا الظن: اشترط العلماء لهذا الظن أن يكون العبد مؤديًا للسبب الذي يوجب حسن الظن، أو يوجب الظن الحسن. ما هو هذا السبب؟ مثلاً: لا تقول: أنا أريد النصر، وأنت بعيد عن أسباب النصر، فكيف تظن بالله ظن الحسن وأنت بعيد عن أسباب النصر؟ فالمراد: أنك تتخذ الأسباب الشرعية، ثم تظن بالله الظن الحسن، وأن الله لا يخذلك. أردت التوبة وأنت مستمر في المعاصي، مستمر في البعد عن الله عز وجل، ثم تظن أن الله يغفر لك؟ لا، هذا لا يتفق مع الظن الحسن بالله عز وجل. تريد الرزق وأنت لا تسعى ولا تتخذ الأسباب الشرعية وتظن أن الله سيرزقك؟ لا، هذا لا يتأتى. فكيف تظن بالله الظن الحسن؟ تتخذ الأسباب الشرعية، وتجزم وتعتقد بقرارة قلبك أن الله عز وجل لا يخيبك، وأن الله عز وجل لا يردك. واضح هذا الآن؟ هذا أيضًا مما يتعلق بالظن الحسن. وأما الظن السيء، فكما تقدم، وهو النوع الثاني من أنواع الظن: بأن يظن العبد أن الله عز وجل لا ينصر رسله ولا أولياءه، وأن الله سبحانه وتعالى يديل الكفار على المسلمين، يعني: يتسلط الكفار على المسلمين تسلطًا دائمًا، هذا لا يجوز. نعم، التسلط المؤقت هذا حاصل، لكن تتخذ الأسباب وتظن بالله ظن الحسن أن النصر للإسلام ولأهل الحق ولأهل السنة ولأهل الخير، هذا من الظن الحسن. واضح هذا الآن؟ فلا تظن أن الكفار يتولون على المسلمين دائمًا وأبدًا، فهذا من الظن الحسن. ولا تظن أن الله لا ينصر أولياءه، ولا تظن أن الله يقدر ما يقدر من الأقدار بدون حكمة ولا غاية، فهذا ينافي القرآن والسنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، وهو الظن السوء. ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، وهذا هو الظن السيء. فالله عز وجل لم يخلق شيئًا عبثًا بدون حكمة ولا غاية ولا هدف، فهذا لا يجوز لمسلم أن يعتقده. فوجه الشاهد من هذا: أن سوء الظن طعن في القدر، سوء الظن طعن في القدر، وأن الله لا يقدر بحكمة، هذا طعن في القدر. وكذلك الطعن في القدر طعن في الربوبية، لأن الربوبية معناها: فعل الرب سبحانه وتعالى، ما يتعلق بأفعال الرب سبحانه وتعالى، فكأنك تقول: إن الله سبحانه وتعالى لا يقدر لحكمة، وهذا طعن في حكمة، وهذا طعن في القدر، وطعن في الربوبية. أرأيت لو أن مخلوقًا تصرف لغير حكمة؟ إنسان مثلاً، إنسان مثلاً تاجر، ها؟ تاجر هدم بيته، قيل له: لماذا هدمت هذا البيت؟ قال: بس هكذا مزاج. ماذا سيقال عنه؟ هذا مجنون، صح؟ هذا مجنون. ولله المثل الأعلى. لكن لو هدم بيته وغيره، قيل له: لماذا هدمت هذا؟ قال: أنا لي هدف، غاية. ما هي هذا الهدف؟ قال: هذا البيت قديم، أريد أن أجعله بيتًا حديثًا، بيتًا طيبًا، بيتًا واسعًا، بيتًا كذا، أو أريد أن أجعل بدل هذا البيت محلات تجارية. له غاية، له هدف. فكيف يأتي إنسان ويقول: الله عز وجل يقدر بدون حكمة ولا غاية؟ هذا سفه، طعن في ربوبية الله سبحانه وتعالى، هذا من سوء الظن بالله عز وجل. لذلك فسر ابن القيم سوء الظن بهذا، قال: ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسول صلى الله عليه وسلم، أن يظهره على الدين كله. هذا تفسير ابن القيم عليه رحمة الله. ثم قال ابن القيم: قال: وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، يعني: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾. قال: وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق. فهذا من سوء الظن بالله عز وجل. قال: فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة، ومعنى يديل: يعني يتغلب، الإدالة هي التغلب، يتغلب الباطل على الحق إدالة مستقرة، ومعنى مستقرة: يعني دائمًا. فخرج بهذا الإدالة المؤقتة، نعم قد يتسلط ويغلب أهل الباطل أهل الحق، لكن ليس على وجه الاستمرار والاستقرار. قال: فمن ظن أن يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة فيضمحل معها الحق، يعني: ينتهي معها الحق ويذهب، هذا من سوء الظن بالله عز وجل. قال: وأنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، يعني: أن ما يقع ليس بقضاء الله وقدره، أنكر ذلك، هذا أيضًا من سوء الظن. أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، يعني: أنكر ذلك، وإن كان هذا القدر فيه... يعني: ماذا فيه؟ ضرر عليك، فيه ضرر عليك، فاعلم أن الله عز وجل فعل ذلك لحكمة بالغة، ينبغي عليك أن تكثر من حمده وشكره، تكثر من حمده وشكره. فهذا أيضًا من سوء الظن، أن ينكر العبد أن الله عز وجل قدر ما قدر لحكمة بالغة. قال: بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، وهذا يقوله بعض أهل الباطل، وهم الجهمية والقدرية، يقولون: إن الله عز وجل لا يقدر لحكمة، إنما يفعل ما يفعل لمجرد المشيئة، شاء هذا الشيء بدون حكمة، وهذا طعن كما تقدم في الربوبية، وكذلك طعن في القدر. قال: وهذا يرد عليهم، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. هذا ليس ظن أهل الإيمان، وإنما هو ظن أهل الكفر، ومنهم المعتزلة، فقد كفرهم، والجهمية والقدرية، فقد كفرهم العلماء. منهم ابن عمر. قالوا: أكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، يعني: كما تقدم معنا في ما يتعلق بالظن، الظن متعلق بما يفعله بك الله عز وجل، فهذا يجب عليك أن تظن الظن الحسن. وذلك قالوا: أكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم أيضًا، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده. فمن عرف الله، وأن الله عز وجل يقدر لحكمة بالغة، وهو أرحم بعباده سبحانه وتعالى من الأم بولدها، وهكذا آمن بأسماء الله، وأن الله من أسمائه: الرحيم، الرحمن، وكذلك من أسمائه: العليم، وهو يعلم ما يصلح عباده، ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾. قال: فليعتني اللبيب الناصح لنفسه بهذا، يعني: يظن بالله ظن الحسن، ويحذر مما يقع فيه كثير من الناس من الظن السيء. قال: وليتب إلى الله، يعني: من الظن السيء، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء. قال: ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامة له، وهذا ربما يقع فيه حتى بعض من يدعي التوحيد، فإذا ابتلي من الله بشيء وقع في نفسه شيء من الظن السيء، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يحذر المؤمن من ذلك. قال: ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، يعني: كاعتراضه على القدر، كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، ينبغي أن لا يحصل كذا، وينبغي أن لا نتأخر، وينبغي أن لا نفعل كذا، وهو مصر أن يتحقق له ما يريد، وإن جاءه قدر الله بخلاف ما أراد. فالمسلم يستسلم لله ويقول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فيكل الأمر لله عز وجل. قال: وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، ومعنى مستقل ومستكثر: يعني بعض الناس عنده سوء ظن كثير، وبعضهم عنده أقل من ذلك، قليل، فمستقل ومستكثر. قال: وفتش نفسك، هل أنت سالم؟ ويخاطب الآن كل مؤمن، كل مسلم: هل نحن سالمون من هذا؟ عندما تأتينا الأقدار بما لا نشتهي، هل نستسلم لأمر الله ونحمد الله، أو أننا نظن بالله ظن السوء؟ وبعضهم إذا مرض يظن أن الله عز وجل لا يشفيه، أو من تأخر على زواج يظن أن الله عز وجل لا يسهل له ذلك، أو ابتلاه الله عز وجل بقلة رزق يظن أن الله سبحانه وتعالى سيبقيه على هذه الحال. فينبغي أن نبعد عن أنفسنا هذه الظنون، ونعلق قلوبنا بالله، وكما تقدم: نتخذ الأسباب التي بها يصح الظن الحسن بالله عز وجل، ونعلق قلوبنا بالله سبحانه وتعالى، ولن يخيبنا ربنا سبحانه وتعالى. قال: وفتش نفسك هل أنت سالم، فإن تنجو منها تنجو من ذي عظيمة، يعني: إن تنجو من هذا الظن السيء فقد نجوت من أمر عظيم، هذا معنى قوله: ﴿ فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ ﴾. وإلا، يعني: إذا لم تنجو من هذا البلاء وهو سوء الظن بالله، فإني لا إخالك ناجية، يعني: ما أظنك ناجيًا، وهو أمر عظيم. هذا معنى كلام ابن القيم عليه رحمة الله. وخلاصة كلام ابن القيم عليه رحمة الله في تفسير ظن السوء: أنه فسره بثلاثة أمور. الأول: أن يظن بالله، أو أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها الحق، فهذا ظن من؟ ظن المشركين، ظن المشركين، وكذلك المنافقين، كما في سورة الفتح. والثاني: تفسير سوء الظن لابن القيم، أن ينكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره، لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد. طيب، فمن أنكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره، فهذا من سوء الظن بالله، لماذا؟ لأنه يظن أن في الكون وفي ملك الله عز وجل يقع ما لا يريد الله، وهذا أمر خطير. والثالث: أن ينكر أن يكون قدره لحكمة، أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبًا وسفهًا، وتعالى الله عن ذلك، وهو يقدر لحكمة. فهذا هو معنى سوء الظن في هذه الآيات التي شرحها، شرحها ابن القيم عليه رحمة الله. ووجه الشاهد من إرادة هذا الباب، كما تقدم: أن سوء الظن طعن في القدر، والطعن في القدر طعن في الربوبية، وكذلك في أسماء الله وصفاته، وكل ذلك من توحيد الله سبحانه وتعالى. قال: فيه مسائل: الأولى: تفسير آية آل عمران، وهو قوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾، ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾، وفسرنا ذلك. الثانية: تفسير آية الفتح، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾. الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر، يعني: سوء الظن ليس نوعًا واحدًا، بل هي أنواع كثيرة، ذكر منها ابن القيم ثلاثة. الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات، وعرف نفسه، أي أنه مربوب ومخلوق لله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يفعل فيه ما يشاء، فمن عرف ربه وعرفه بأسمائه وصفاته أحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. هذا هو مجمل ما يمكن أن يذكر في هذا الباب، وبه نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم.