الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 138، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع أحداث سنتي 27 و28 هـ مبيناً اختلاف الروايات في تاريخ فتح أفريقيا وإمكانية الجمع بينها، كما يسرد عزل عثمان بن عفان لعمر بن العاص عن مصر وتولية عبد الله بن أبي سرح، ويشير إلى أول غزوة بحرية للمسلمين بقيادة معاوية بن أبي سفيان.
يسرد المقطع تفاصيل الغزوة البحرية لمعاوية بن أبي سفيان ومشاركة الصحابي عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام التي توفيت بسقوطها عن دابتها محققةً بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر صلح أهل قبرص، وينتقل لأحداث سنة 29 هـ حيث أمر عثمان بتوسعة المسجد النبوي وبنائه بالحجارة المنقوشة والجص.
يذكر المقطع اعتراض بعض الصحابة على توسعة عثمان للمساجد مخافة مخالفة النهي عن تشييدها، مع توضيح أن البناء كان متواضعاً وصدر عن خليفة راشد، كما يروي قصة القاضي سليمان بن ربيعة الذي مكث أربعين يوماً في المدائن دون أن يختصم إليه اثنان، دليلاً على الأمن والعدل في المجتمع المسلم الأول.
يؤكد المتحدث أن تمسك المؤمنين بدينهم بصدق يغنيهم عن الرقابة الخارجية لأن كل فرد يراقب الله في سره وعلانيته، ويختتم بهذا القدر من الحديث الجلسة العلمية.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وسلم، في ختام هذا الكتاب، وفي سياق ذكره لحوادث سنة سبع وعشرين: "حوادث سنة سبع وعشرين. قال: ثم دخلت السنة السابعة والعشرون، فيها -وعلى قول ابن جرير- كان فتح أفريقيا والأندلس على يد عبد الله بن أبي سرح". وقد تقدم معنا في حوادث سنة ست وعشرين أن فتح أفريقيا كان فيها، وهنا ذكر أنها في السنة السابعة والعشرين، وذلك لأن بعضهم قال بهذا وبعضهم قال بهذا، ويمكن الجمع بين القولين بأن يقال: إن ابتداء الغزو كان في سنة ست وعشرين، يعني في آخرها، في آخرها، ثم استمرت تلك الفتوحات عدة أشهر فدخلت سنة سبع وعشرين فتم الفتح فيها، فلا منافاة إن شاء الله بين القولين. لأن قال: "وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية"، يعني كان بداية الغزو في سنة ست وعشرين، هذا أول الغزو، ثم استمر هذا الغزو حتى وفق الله عز وجل بفتح هذه البلاد في سنة سبع وعشرين، هكذا يكون الجمع بين القولين، والله تعالى أعلم. قال: "وفيها" -أي في سنة سبع وعشرين- عزل عثمان رضي الله عنه عمر بن العاص عن مصر، وولى عليها عبد الله بن أبي سرح. وكما تقدم معنا أن الغالب في عزل هؤلاء الجهابدة وهؤلاء القادة إنما هو من أجل مصلحة أعظم وأفضل، كأن يوضع في مكان أرفع وأرقى، وليس معناه لعيب أو لنقص أو لعدم أهلية أو نحو ذلك، وقد تقدم معنا شيء من ذلك فيما مضى. قال: "وفيها" -أي في سنة سبع وعشرين- مات عبد الله بن أبي... مات عبد الله بن أبي كعب بن عمر رضي الله عنه، وكان من أهل بدر. قال: "حوادث سنة ثمان وعشرين". قال: "ثم دخلت السنة الثامنة والعشرون، فيها غزا معاوية بن أبي سفيان البحر، وقيل: هذا أول ما دخل فيه المسلمون البحر، أول ما دخل فيه المسلمون البحر في هذه الغزوة التي غزاها معاوية بن أبي سفيان. بل قيل: إن أول من استخدم الأساطيل البحرية هم أهل الإسلام، هم أهل الإسلام قبل غيرهم من الأمم الكافرة. نعم، قيل هذا أيضاً. نعم، مات عبد الله بن كعب بدون "أبي". طيب، أنا عندي هنا "أبي". جزاك الله خير. يقول: في نسخة الصواب: "مات عبد الله بن كعب بن عمر" من غير ذكر "أبي"، لا يوجد "أبي كعب" وإنما "كعب" مباشرة، فمن عنده نسخة مثل هذه النسخة يصوب إن شاء الله. عندك "ابن سعد"؟ وأنت عندك "ابن سعد بن كعب"؟ لا، هذا آخر. ذاك عبد الله بن سعد بن سرح. لا، ذاك وفيها مات عبد الله بن كعب بن عمر، غير ابن سرح، آخر. نعم. قال: "فيها غزا معاوية بن أبي سفيان البحر، ومعه عبادة بن الصامت، وامرأته أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم، فسقطت عن دابة فهلكت، أي ماتت. وهذا الأمر الذي وقع لها رؤيا صادقة رآها النبي صلى الله عليه وسلم في منامه كما سيأتي. قال: وهي التي نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها وقت قيلوله، فاستيقظ وهو يضحك، فسألته، فقال: «ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج البحر ملوكاً على الأسرة، أو كالملوك على الأسرة» -يعني لعظيم منزلتهم ورفيع درجتهم كأنهم ملوك على الأسرة- فقلت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت منهم». ثم نام، ثم استيقظ وهو يضحك، فسألته، فقال مثل قوله، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: «أنت من الأولين». والحديث كما أشار المعلق أنه في الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم. فكان الأمر كما رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ كانت أم حرام بنت ملحان مع هؤلاء الذين ركبوا البحر. قال: "وفيها غزا معاوية قبرص، فصالحه أهلها" -يعني دون قتال-. انظر كيف وقت العز ووقت كذلك انتشار الإسلام، ما ترك المسلمون الفتوحات وما تركوا الغزو في سبيل الله، جابوا الشرق والغرب وفتحوا البلاد البعيدة. هذا هو عز الإسلام في زمن الصديق، في زمن عمر، في زمن عثمان، في زمن علي، وما بعده من الأزمان التي أعز الله عز وجل فيها أهل الإسلام بتمسكهم بالإسلام. قال: "حوادث سنة تسع وعشرين". قال: "ثم دخلت السنة التاسعة والعشرون، فيها شكا الناس إلى عثمان رضي الله عنه ضيق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بتوسعته، وبناه بالحجارة المنقوشة، والقصة -وهي الجص-، الجص يعني النورة، نسميها النورة. نعم، فكان بناءً محكماً، ويختلف عما كان عليه من قبل، فكان من جريد النخل، ومن كذلك جذوع النخل وسعف الأشجار ونحو ذلك. فلما وسع في عهد عثمان، بناه بالحجارة المنقوشة. ولذلك أنكر الصحابة رضي الله تعالى عنهم على عثمان، مجموعة من الصحابة أنكروا على عثمان ذلك الصنيع، خشية أن يدخل هذا الصنيع في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تشييد المساجد، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تشيد المساجد، يعني تزخرف، وهكذا يتباهى فيها في البناء ونحو ذلك. فخشية بعض الصحابة هذه العلة وهذا النهي، راجعوا عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ولكن لا تتصور أن هذه الأحجار وأن هذا الجص كالبناء في هذا الزمان، وإنما كان بناءً ليس بذاك الفخم، ولا بذاك كذلك المشيد ونحو ذلك. فعثمان خليفة راشد، خليفة راشد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وإنما كان إنكار بعض الصحابة خشية الوقوع في هذا، خشية الوقوع في هذا، والله تعالى أعلم. ولا يزال اليوم يُبنى المساجد بأضخم وكذلك بأمتن مما كان من قبل، ومع هذا لم يكن ذاك الإنكار الشديد من العلماء. نعم، وإنما المراد بالتباهي بالمساجد: الزخرف الكثيرة، وكذلك التشييد الزائد على الحاجة ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. قال: "وفيها وسع المسجد الحرام كذلك"، يعني مسجد مكة، فوسع المسجدان في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: "وفيها... قال: وفيها مات سليمان بن ربيعة الباهلي رضي الله عنه، وكان عمر رضي الله عنه قد ولاه قضاء المدائن، فمكث أربعين يوماً لم يختصم إليه اثنان". يدل... يدل على ماذا هذا الفعل؟ يدل على ماذا؟ على وجود الأمن والأمان، ووجود كذلك العلم والإيمان، فما كان أحد يعتدي على أحد، ولا أحد يظلم أحد، لما وقر في قلوبهم من الإيمان ومن التقوى. فلو أن المسلمين كل واحد منهم عرف حقه وحق إخوانه المسلمين، لما ظلم مسلم مسلماً، ولم يعتدِ مسلم على مسلم. فانظر إلى هذا القاضي سليمان بن ربيعة، أربعين يوماً لم يختصم إليه اثنان، جالس في المكتب كما يقال، ولم يدخل عليه أحد، ما رفعت إليه شكوى، وما اختصم إليه اثنان. نعم، لعدم وجود ذلك بين المسلمين. فهذا يدل على وجود الأمن والأمان، والعلم والإيمان، والتقوى، والخوف من الله سبحانه وتعالى. ولكن لما وجد الخلل في التربية، وفي كذلك الاهتمام بعمر العلم والإيمان، صار ما صار بين المسلمين. انظر الآن إلى المحاكم، قضايا ربما ملفاتها من الأرض إلى السقف كل يوم، والمحاكم ممتلئة بالقضايا والمشاكل والخصومات، هذا يسطو على أرض ذاك، وهذا يأخذ مال أخيه، وهذا كذلك يقتل، وذاك يضرب، وذاك لا يخاف الله في عباد الله، فكثرت الخصومات، وكثرت كذلك المشاكل والمحاكمات والقضايا ونحو ذلك. فما أعظم هذا الدين حين تمسك به أهله، فإنهم لا يحتاجون إلى من يراقبهم، ولا إلى من يتابعهم، لأن كل واحد يراقب الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. الله ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر