أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 174

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 174

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 174، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

منزلة الإيمان بالقدر ومنهج أهل السنة بين القدرية والجبرية

يشرح المقطع موقف أهل السنة والجماعة في الإيمان بالقدر خيره وشره مع الانقياد للشرع والعمل به، مفصلاً ضلال القدرية الذين ينفون القدر والجبرية الذين يغلون فيه ويتركون العمل. ويذكر ثلاثة ضوابط في الهداية: أنها من الله وحده، وهي تفضل محض منه، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله.

ضوابط الهداية والإضلال: علم الله وحكمته وعدله

الهداية ترجع إلى علم الله وحكمته، فهو يهدي من يستحقها بعلمه، وقد جمعت آيتا سورة الحجرات هذا المعنى بختمهما بـ ﴿والله عليم حكيم﴾. أما الإضلال فهو من الله عدلاً وعقوبةً لمن كفر بعد قيام الحجة وإرسال الرسل، ويقوم على ضابطين: العدل المحض لأن الله بين السبيل وأقام الحجة، والحكمة البالغة لأن العقوبات تحقق مصالح العباد وتدفع الفساد.

خاتمة درس القضاء والقدر وتأجيل التكملة

يختتم الشيخ الدرس مؤكداً أهمية توضيح مسائل القضاء والقدر لكثرة الشبهات حولها، ويبين أن الضبط بالقواعد العامة يكفي لفهمها. ويعلن تأجيل تكملة السؤال إلى الدرس القادم لانتهاء الوقت.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فلا يزال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله، في سؤاله عن منزلة الإيمان بالقدر من الدين، يبين أهمية هذا الركن الركين من أركان الإيمان. قال رحمه الله بعدما ذكر أن أمر الدين لا ينتظم ولا يستقيم إلا في القدر، واتخاذ الأسباب التي توصل إلى خيره، وهو فعل الأوامر وترك النواهي، ثم قال رحمه الله: "أما المؤمنون حقاً فيؤمنون بالقدر خيره وشره، وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع أمره ونهيه، ويحكمونه في أنفسهم سراً وجهراً". كما هو معلوم أن أهل الحق أهل السنة والجماعة هم وسط بين طائفتين ضالتين. فبعدما بينا في أول السؤال ضلال من آمن بالقدر ونفى الشرع، وهم القدرية، سواء كان القدماء منهم أو ممن جاء بعدهم، قد تقدم معنا أن القدماء منهم ينكرون علم الله، وينكرون كذلك الكتابة، وذلك يقتضي كذلك إنكار المشيئة والخلق، فهم أنكروا جميع مراتب القدر. وأما القدرية الذين جاءوا بعدهم فهم يثبتون العلم والكتابة، وينكرون المشيئة والخلق. فرد عليهم المؤلف بقوله: "فمن نفى القدر زاعماً منافاته للشرع فقد عطل الله تعالى عن علمه"، هؤلاء هم القدرية. وقوله: "ومن أثبته محتجاً به على الشرع"، هذا يشير إلى الطائفة الأخرى التي هي طرف نقيض، وهم الجبرية، الذين يغلون في إثبات القدر وينفون الشرع، بمعنى أن العبد لو آمن بالقدر ولم يعمل خيراً قط فهذا مؤمن. هذا هو منهج ومذهب الجبرية الذين يقولون: الإيمان في القلب، الإيمان في القلب، ولا يعملون بالأمر والنهي. فالمؤلف أراد الرد على هاتين الطائفتين، ثم بينا فيما قرأنا منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وأن أهل الحق يؤمنون بالقدر خيره وشره، وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع، يعني لا يكتفون بالإيمان بالقدر بل يتبعون ذلك بالعمل بالشرع، امتثالاً للأمر واجتناباً للنهي، ويحكمونه في أنفسهم سراً وجهراً، أن يرضون بذلك ويؤمنون بذلك. فهذا هو مذهب أهل السنة، أنهم جمعوا بين الإيمان بالقدر وكذلك العمل بالشرع، فهم وسط بين القدرية والمرجئة. ثم قال: "وأن الهداية، أي مما يؤمن به أهل الحق، أن الهداية والإضلال بيد الله، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله". وهذه قاعدة عظيمة ينبغي أن يحققها المؤمن بالله وبقدره. وخلاصة هذا الأمر يتلخص في ثلاثة ضوابط في مسألة الهداية: الضابط الأول: أن تؤمن يا عبدالله أن الهداية من الله، يختص بها من يشاء سبحانه وتعالى، فلا هادي إلا هو سبحانه وتعالى. هذا الأمر الأول أو الضابط الأول في أمر الهداية. الضابط الثاني: أن الهداية محض تفضل من الله عز وجل، محض يعني أمر خالص لله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيه أحد، فهو الذي تفضل به وأنعم على عباده المهتدين. هذا الأمر الثاني أو الضابط الثاني. الضابط الثالث: أن تفضل الله بالهداية راجع إلى علم الله وحكمته، أنه راجع إلى علم الله وحكمته، وأن الله عز وجل إذا هدى عبداً من عباده فهذا لعلمه سبحانه وتعالى أن هذا العبد يستحق الهداية، وأن هذا العبد الهداية خير له، ولي الأمة فيهديه الله سبحانه وتعالى لعلمه بذلك، ولحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. وهذه الضوابط الثلاث جمعت في آيتين في سورة الحجرات، آيتين في سورة الحجرات، وهما قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾. فقوله: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان﴾، هذا فيه أن الهداية من الله يختص بها من يشاء من عباده، فمن يهدي الله فهو المهتدي. وأما الآية الثانية التي بعدها: ﴿فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم﴾، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فضلاً من الله ونعمة﴾، أي أن الهداية، وهو تحبيب الإيمان إلى القلب وتزيينه فيه، وكذلك بغضه وكره للمعاصي والآثام، هذا محض تفضل من الله، فضلاً من الله ورحمة. وقوله في ختام الآية: ﴿والله عليم حكيم﴾، تقدم معنا القاعدة أن اختتام الآيات بأسماء الله عز وجل له تعلق بأولها، فيكون اختتام الآية مما يناسب أول الآية. فلما ذكر الله عز وجل أن الهداية منه، وأن الهداية محض تفضل منه، بين سبحانه وتعالى أن هذا الفضل راجع إلى علمه وحكمته، ولذلك ختم الآية بهذين الاسمين: ﴿والله عليم حكيم﴾. إذن إذا ضبط هذه الثلاثة الضوابط تعلم قول المؤلف: "وأن الهداية والإضلال بيد الله، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله". وأما الإضلال، فله ضوابط مثل ما أن الهداية لها ضوابط، كذلك الإضلال له ضوابط. فمن ضوابط الإضلال: أولاً، أن الإضلال من الله، ومن يضلل الله فلا هادي له، والله يضل من يشاء، فالإضلال من الله سبحانه وتعالى، هذا أولاً. ثانياً، أن الإضلال من الله عدل، الإضلال من الله عز وجل عدل، لأن الإضلال من الله عقوبة، الإضلال لعبد من عباده سبحانه وتعالى عقوبة، وإيقاع العقوبة عدل، إيقاع العقوبة عدل. لماذا الإضلال من الله عدل؟ لأن الله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه، وبينا السبيلين، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً﴾، ولذلك لا يعذب الله عز وجل ولا يعاقب الله سبحانه وتعالى من ضل ولم تصله الرسالة ولم تقم عليه الحجة، ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾. فمن ضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب وإقامة الحجة عليه فهذا عدل من الله. أرأيت، ولله المثل الأعلى، لو أن إنساناً قال له أبوه، قال له أبوه: لا تخرج آخر الليل، لا تعصني في ذلك، لأنها إذا خرج آخر الليل يذهب للفساد، وبين له أن خروجه آخر الليل فيه ضرر عليه وفيه فساد عليه، فأبى هذا الولد وخرج آخر الليل ووقع في الفساد، فجاء في النهار إلى البيت، فأراد أبوه أن يعاقبه، هل له حق أن يعاقبه؟ وهل عقوبة الأب لابنه عدل أو ظلم؟ لا شك أنه عدل، لأن الأب بين له وأوضح له ونهاه عن ذلك، فأبى هذا الولد إلا العصيان وإلا التمرد على طاعة أبيه، فهنا تأديب الأب لابنه عدل. وكذلك لله المثل الأعلى، الله عز وجل خلق خلقه، وبين لهم الخير من الشر، وبين لهم الحق من الباطل، وأرسل لهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وأوضح لهم المحجة، وبين لهم السبيل، ومع هذا خالف بعض عباده وظلوا، فهم يستحقون العقوبة، وإيقاع العقوبة بالإضلال محض، وإيقاع العقوبة على الإضلال عدل من الله سبحانه وتعالى. هذا الضابط الثاني. الضابط الثالث في مسألة الإضلال: أن إيقاع العقوبة بالإضلال محض حكمة من الله، محض حكمة من الله، لأن في هذه العقوبة مصالح عظيمة للعباد والبلاد، للعباد والبلاد. نأخذ أمثلة على ذلك: مثلاً الله سبحانه وتعالى عاقب السارق بقطع يده، وعاقب الزاني المحصن بالرجم، وغير المحصن بالجلد، وعاقب كذلك شارب الخمر بالجلد. طيب، هل هذه العقوبات عدل منه سبحانه وتعالى؟ نعم عدل منه، وهي عقوبة على هذا الذنب، لو لم تقم هذه العقوبة على هذا الذنب لكثر الفساد، كثر الزنا، كثر شرب الخمر، كثرت السرقة. فإذا إيقاع هذه العقوبات فيه حياة للعباد، والأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾، فإذا القصاص فيه حياة، فيه مصلحة. مثال آخر، ولله المثل الأعلى: لو أن إنساناً ما من شر إلا وارتكبه، زنى وسرق وشرب الخمر، وأمر وتعاطى المخدرات، وقتل وفعل وفعل، أمسك هذا المجرم وأدخل السجن، رفع أمره للقاضي، فالقاضي نظر في القضية، فما رأيكم لو قال: "نرحمه، نرحمه ونعفو عنه، ونعفو عنه"، وأخرج هذا المجرم؟ هذا عدل أو ظلم؟ هذا ظلم، ظلم للجاني وظلم للمجتمع، إذ أن هذا الجاني سيخرج وسيعاود هذه المنكرات، وسيعاود هذه المنكرات. فإذن قول المؤلف ها هنا: "وأن الهداية والإضلال بيد الله، يهدي من يشاء بفضله"، من هداه الله عز وجل فهذا محض تفضل من الله، ليس بذكائه ولا بحرصه ولا بعلمه، وإنما محض تفضل من الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم وهو يبين فضله على المؤمنين: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يرتجز بقوله: "والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا". فالهداية محض تفضل من الله. وأما الإضلال، فمن أضله الله عز وجل فبعدله، لأنه قد بين له السبيل، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله، فيهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، وله في ذلك الحكمة البالغة، كما قال المؤلف: "وهو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة". الحكمة البالغة كما مر معنا: لو هدى الناس جميعاً لما تميز المحق من المبطل، ولا صار الابتلاء والتمحيص، وهكذا حكم كثيرة، علمنا ما علمنا منها وجهلنا ما جهلنا منها. والحجة الدامغة: لأن الله بين للناس الحجة بإرساله للرسل وإنزاله للكتب، وإنزاله للكتب. وهذه مسألة مهمة جداً، أطلنا فيها لأن الشبه حولها كثيرة من قبل أعداء الإسلام، وما أكثر ما نسأل عن مثل هذه الشبه من بعض إخواننا، خصوصاً العاجم، لأن الكفار يبثون مثل هذه الشبه في باب القضاء والقدر، فوجب البيان من غير التعمق والتدقيق في هذه المسائل، وإنما قواعد عامة، من ضبطها ومن أتقنها صارت عنده المسألة واضحة جلية. ولا يزال لهذا السؤال تكملة، ولكن لانتهاء الوقت نؤجل ذلك إن شاء الله إلى درس قادم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.