الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 176، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع مفهوم شعب الإيمان لغةً واصطلاحاً، مبيناً أنها أعم من أركان الإيمان وتشملها. كما يستعرض فوائد معرفتها كرد على المرجئة وإثبات زيادة الإيمان ونقصانه وتفاوت درجات المؤمنين.
يوضح المقطع أن معرفة أن الإيمان شعب تدفع المسلم للحرص على الأعمال الصالحة لنيل أعلى الدرجات. ويستدل المؤلف بقوله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ وبحديث «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون» المثبت في الصحيحين.
يناقش المقطع اختلاف العلماء في عدد شعب الإيمان الواردة في الحديث، مبيناً أن المراد أصول الخصال أو التكثير لا الحصر. ويستدل على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد ظاهر وباطن مع أمثلة على أعلاه وأدناه.
يختتم المقطع الدرس الحالي بالإعلان عن الانتقال إلى السؤال التالي في الجلسة المقبلة. ويختتم بالخاتمة التقليدية المعتادة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "إعلام السنة المنشورة": السؤال السادس والخمسون بعد المئة: كم شعب الإيمان؟ قال: الجواب: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون، وفي لفظ: بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». لماذا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد انتهائه من أركان الإيمان شعب الإيمان؟ ما العلاقة بين أركان الإيمان وشعبه؟ العلاقة أن أركان الإيمان بعض شعب الإيمان، فشعب الإيمان أعم من أركان الإيمان، فشعب الإيمان تشمل أركان الإيمان وغيره من الشعب الأخرى. فهذه هي العلاقة في ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شعب الإيمان بعد انتهائه من أركان الإيمان. وقوله: "شعب" جمع "شعبة"، والشعبة هي القطعة من الشيء، القطعة من الشيء. ومنه قيل لأغصان الشجرة: شعب. لماذا؟ لأنها تتشعب من أصل الشجرة. فالشجرة لها أصول ولها فروع هي الشعب. وهكذا شجرة الإيمان لها أصول ولها شعب. والمراد بشعب الإيمان هاهنا: خصاله وأجزاؤه التي يتألف ويتكون منها. فهذا معنى شعب الإيمان. ومعرفة شعب الإيمان فيه فوائد كثيرة، وهي من الأمور المهمة للمسلم أن يتعلمها وأن يعلمها. فمن فوائد الإيمان بشعب الإيمان: نستفيد من ذلك أن الإيمان ليس شيئاً واحداً، أن الإيمان ليس شيئاً واحداً، بل هو أجزاء وشعب متفاوتة. وهذا فيه رد على المرجئة الذين يجعلون الإيمان شيئاً واحداً، يجعلون الإيمان شيئاً واحداً. وكذلك نستفيد من معرفة هذا الباب -وهو شعب الإيمان- أن الإيمان يزيد وينقص، أن الإيمان يزيد وينقص، فيزداد بتحصيل أكثر شعب، وينقص بتحصيل أقل شعب. فمن أكثر من شعب الإيمان ازداد إيمانه، ومن أقل من شعب الإيمان نقص إيمانه. ولذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه من أفضل الصحابة إيماناً، لما كان عليه رضي الله تعالى عنه من كثير خصال وأعمال الإيمان. حتى أن يوماً من الأيام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن خصال عظيمة من خصال الإيمان، فقال: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟» فقال أبو بكر: أنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من عاد منكم اليوم مريضاً؟» فقال أبو بكر: أنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تبع منكم اليوم جنازة؟» فقال أبو بكر: أنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أطعم منكم اليوم مسكيناً؟» فقال أبو بكر: أنا. انظر في يوم واحد جمع هذه الخصال العظيمة، فهذا دليل على ما وقر في قلبه رضي الله تعالى عنه من كثرة أعماله للخير ولشعب الإيمان. فهذا أيضاً مما نستفيده من دراسة ومعرفة شعب الإيمان: كلما أكثر الإنسان منها زاد إيمانه، وكلما أقل منها الإنسان نقص إيمانه. كذلك نستفيد من معرفة هذه الشعب أن أهل الإيمان درجات متفاوتة، ليسوا على درجة واحدة من الإيمان، وإنما يكون التفاوت بينهم بحسب تفاوتهم في أعمال شعب الإيمان. وكلما -كما تقدم- أكثر الإنسان من هذه الشعب كان في أعلى درجات أهل الإيمان، والعكس بالعكس. وهكذا مما نستفيد من معرفة هذا الباب -باب شعب الإيمان- أن من علم أن الإيمان شعب، فهذا يدعوه إلى الحرص والاجتهاد والسباق في مضمار الخير وتحقيق هذه الشعب. ألا يحب كل واحد منا أن ينال أعلى الدرجات في الإيمان؟ فلا يكون ذلك إلا بالإكثار من تلك الشعب، بالعمل بها، وبالتزود منها. فهذا أيضاً مما نستفيده من معرفتنا لهذا الباب العظيم. ثم المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذه الآية؛ لأن فيها ذكر بعض شعب الإيمان. فقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فهنا ذكر أركان الإيمان، وقد تقدم معنا أن من أعظم شعب الإيمان أركان الإيمان، فهي بعض هذه الشعب، بل أعظم هذه الشعب. ففي هذه الآية ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين، فذكرت هذه الأركان العظيمة. ثم ذكرت بعض الأعمال الأخرى التي هي كذلك من الإيمان ومن شعب الإيمان، فمنها: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾. وهذا أيضاً شعبة عظيمة من شعب الإيمان، وهو التصدق وإخراج المال لوجه الله عز وجل مع حبه له، وآتى المال على حبه، يحب هذا المال ولربما احتاج إلى هذا المال، ولكن مع هذا آثر به على غيره، فهذا دليل على قوة إيمان صاحبه. فيعطي هذا المال ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب. هذا كلها أعمال مالية، كلها أعمال مالية. نعم، التصدق على ذوي القربى والأهل، وكذلك اليتامى من فقد أباه قبل البلوغ، وهكذا المسكين الذي ما يجد حاجته، وابن السبيل كذلك الذي هو منقطع يحتاج من يعينه في الاستمرار في سيره والوصول إلى أهله، وهكذا السائلين من يسأل لحاجة، وفي الرقاب: أي عتق الرقاب المؤمنة. فكل هذه عبادات مالية وهي من شعب الإيمان. وكذلك ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾، إقام الصلاة شعب عظيم من شعب الإيمان. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ كذلك. وما هو الفرق بين ما ذكر قبل هذا من قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ وبين ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾؟ ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ هذا يدخل في الزكوات أو الصدقات المستحبة، وقد يدخل في الصدقات الواجبة، لكن يدخل فيه كذلك الصدقات المستحبة. وأما ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ فهي الزكاة الواجبة في المال. وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، هذا خلق عظيم: الوفاء بالعهد، الوفاء بالعهد سواء كان العهد العام أو العهد الخاص. وكذلك ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، في حال المرض وفي حال الفقر، ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾، أي في حال الحرب والجهاد في سبيل الله. والصبر كذلك من الأخلاق الجليلة. فكل هذه الصفات من شعب الإيمان، وكل هذه الأعمال من شعب الإيمان. ولذلك أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في ذكره لهذا السؤال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. ثم أورد حديث أبي هريرة: «الإيمان بضع وستون، وفي لفظ ورواية: بضع وسبعون». وقد وقع الشك في لفظ: بضع وسبعون، أو بضع وستون. وكلاهما في الصحيح، كلاهما في الصحيح، بين صحيح البخاري وصحيح مسلم. واختلف العلماء: أي لفظتين أرجح؟ فمنهم من رجح التي في البخاري، وجعل التي في مسلم فرداً بها مرجوحة. ومنهم من أثبت اللفظتين، أثبت اللفظتين لمجيئهما في الصحيح، وهذا هو الأقرب. فالعمل بالحديثين أولى من إهمال أحدهما. فيكون في بعض المجالس وفي بعض كذلك المواضع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بضع وستون، ثم أخبر بالزيادة بهذه الشعب فذكر بضع وسبعون. ولا تعارض بين الروايتين، والله تعالى أعلم. واختلف العلماء في مسألة ربما تستشكل على بعض الناس: ما هي هذه المسألة؟ هذه المسألة: أن شعب الإيمان أكثر بكثير من هذا العدد، من هذا العدد. لو جعلنا نعدد أعمال البر وأعمال الإيمان، فهي أكثر بكثير من بضع وسبعون. البضع: قيل هو بين الثلاثة والعشرة، وقيل بين الثلاثة والتسعة، وأكثر أهل العربية أنه بين الثلاثة إلى العشرة، يعني من ثلاثة إلى عشرة. نعم، فيكون بضع وسبعون يعني مثلاً: ثلاثة وسبعون، أو أربعة وسبعون، أو خمسة وسبعون إلى تسعة وسبعون. والجمع والرد على هذا الاستشكال: أن يقال: أن هذه الشعب المعدودة التي جاءت في هذا الحديث -حديث أبي هريرة- إنما هي أصول خصال الإيمان وأجزاؤه، هي الأصول. ولا شك أن ما من أصل إلا ويتفرع عنه فرع. فهناك أعمال تتفرع عن هذه الأصول، عن هذه الأصول. فإذن يقال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بضع وسبعون» يعني: أصول خصال الإيمان وأجزاؤه. ثم إنه يتفرع عنها ما يرجع إليها، فيكون ما عدا هذه الشعب إنما هي أجزاء، إنما هي أجزاء أو فروع لما هو أكبر منها وأعم منها، لما هو أكبر منها وأعم منها. هذا أقرب ما قيل في شرح هذا الحديث. ومنهم من ذكر غير ذلك واستبعده بعض أهل العلم. منهم من قال: أن ذكر السبعين إنما هو من باب التكثير، يعني أنها خصال كثيرة، لأن العرب إذا أرادت تكثير أمر جعلوا له هذا العدد وهو عدد السبعين. كما قال الله عز وجل في الاستغفار للمنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾. هل معنى سبعين مرة يعني محصور في هذا العدد؟ فإذا زاد ينفعهم؟ لا، المراد: ولو استغفرت لهم استغفاراً كثيراً، استغفاراً كثيراً. فالمراد بالسبعين هو للتكثير. وهنا من أهل العلم من ذكر هذا الجمع في هذا الحديث، ومنهم من جعل القول الأول الذي ذكرناه هو الأقرب: أن المراد بهذه الشعب هي الأصول التي يرجع إليها بعض، أو ترجع إليها بعض الشعب الأخرى، ترجع إليها بعض الشعب الأخرى. كذلك هذا الحديث استدل به أهل السنة على أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأن الإيمان منهما هو ظاهر، ومنهما هو باطن، ومنهما هو من عمل الجوارح، ومنهما هو من عمل اللسان. وكل هذا تجده في هذا الحديث. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فأعلاها قول: لا إله إلا الله»، هذا فيه ما تقدم أن شعب الإيمان تتفاوت، أن شعب الإيمان تتفاوت. وهذا من ما نستفيده من دراسة هذه الشعب؛ لأنه قال: «أعلاها». وقوله: «قول: لا إله إلا الله»، المراد: اعتقادها بالقلب وقولها باللسان. فقوله: «قول: لا إله إلا الله» يشمل عمل القلب وهو الاعتقاد، وعمل اللسان وهو النطق، وهو النطق. وقوله: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، هذا فيه أن الإيمان كذلك عمل. فانظر: إماطة الأذى عن الطريق، هذا عمل. وجدت شوكاً في طريق المسلمين، وجدت حجرة تؤذي المسلمين في مرورهم، فأزحتها وأخذتها. هذا عمل من أعمال الإيمان، عمل من أعمال الإيمان، وهو عمل الجوارح، وهو عمل الجوارح. فهذا فيه أن الإيمان كذلك عمل وقول. «والحياء شعبة من الإيمان»، هذا أيضاً فيه أن العمل قد يكون عمل الجوارح وهو العمل الظاهر، وقد يكون عمل القلب وهو عمل الباطن. فالأعمال الباطنة ما تتعلق بالقلب كالحيا والخوف والرجاء والرغبة والرهبة والقناعة ونحو ذلك، كل هذا يكون بالقلب. فإذا هذا الحديث حديث عظيم، جمع خصال الإيمان الظاهرة والباطنة والقولية والفعلية والاعتقادية. طيب، اليوم إن شاء الله نكتفي بهذا. انتهينا من هذا السؤال، وفي الدرس القادم إن شاء الله نشرع في السؤال الذي بعده. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر