أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 218

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 218

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 218، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أصل قبول التوبة وشرط حياتها قبل حلول الأجل

يبيّن هذا المحور أن التوبة مقبولة من العبد ما دام حياً قبل حضور الأجل وغرغرة الروح، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، وأن كل معصية تُعد جهالة بعظمة الله سواء كانت عمداً أو جهلاً، مؤكداً أن التوبة لا تُقبل بعد الموت أو حال الاحتضار.

تحديد وقت الغرغرة ومعنى القرب في آية التوبة

يوضح المقطع أن التوبة تظل مقبولة ما لم تبلغ الروح الحلقوم (الغرغرة)، مفصلاً معنى "القريب" في الآية الكريمة، ومستشهداً بعرض النبي صلى الله عليه وسلم الشهادة على أبي طالب في مقدمات الوفاة لا في حال الغرغرة، مما يدل على نفع التوبة حينئذٍ لو قبلها.

انقطاع التوبة عند بلوغ الحلقوم ووجوب المبادرة بالأعمال

يشدد هذا المحور على أن التوبة لا تُقبل حين تبلغ النفس الغلاصم (رأس الحلقوم) وتغرغر، مستدلاً بآيات قرآنية وقصة فرعون، ويؤكد على وجوب المبادرة بالتوبة والاستعداد الدائم للموت بالإكثار من الصالحات كما كان يفعل السلف الصالح.

خاتمة المجلس واستعراض أدلة التوبة المذكورة

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى استعراض آيتين وحديث واحد كدليل رئيس على المسألة، مع التنويه لوجود أحاديث كثيرة تحمل المعنى نفسه، ثم يعلن الاكتفاء بهذا القدر وإنهاء المجلس للعلم عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعد: قال الشيخ العلامة حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال الثاني والتسعون بعد المئة: متى تنقطع التوبة في حق كل فرد من أفراد الناس؟ ومعنى هذا، ومناسب الذكر هذا السؤال لما قبله؛ لأن ما قبله كان الحديث عن التوبة، فالتوبة لها أمد ولها زمن. التوبة تكون مقبولة في حق كل فرد من أفراد الناس، وتكون كذلك مقبولة في عامة عمر الناس في هذه الدنيا. فأولاً: متى تنقطع التوبة في حق كل فرد؟ متى يا عبد الله لا تقبل منك التوبة؟ هذا هو معنى هذا السؤال. قال: الجواب: والفرق بين هذا السؤال والذي بعده أن هذا السؤال يتعلق بكل فرد، فقد تكون التوبة مقبولة في حق فرد وغير مقبولة في حق فرد آخر، بخلاف انقطاع التوبة من عمر الدنيا؛ فإن جميع الناس وجميع الأفراد لا تقبل منهم التوبة. لكن هذا السؤال: تنقطع التوبة في حق فرد دون آخر. قال: الجواب: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ووجه الشاهد من هذه الآية: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، بمعنى أن التوبة تكون مقبولة قبل أن يأتي الأجل، وقبل أن تغرغر الروح في الحلقوم، كما سيأتي معنا من تفسير السلف لهذه الآية: أن كل ما كان قبل الموت فهو قريب. فهو قريب، يعني أنهم يتوبون قبل الموت، من قريب، أي قبل الموت، قبل الموت. فأولئك يتوب الله عليهم. فدلت الآية على أن من يتوب بعد الموت، أو أثناء الغرغرة وأثناء الاحتضار، فهذا لا تقبل منه التوبة، كما سيأتي في الآية التي بعد هذا. قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل شيء عُصي الله به فهو جهالة، سواء كان عمداً أو غيره. وهذا تفسير لقوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾. أيش المراد بجهالة؟ المراد بجهالة ليس جهل الحكم، وأن هذا حرام، وإنما المراد بالجهالة ما هو أعم من ذلك. وهذا معنى قوله: "عمداً أو غيره". عمداً: يعني يعلم الإنسان أن هذا حرام عليه، ما يجوز أن يفعله، ثم فعله، هذا فعله عمداً. أو غيره: أي أنه لا يعلم بعظمة الله؛ لأن كل من عصى الله فهو جاهل بمن عصاه. فلا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت. انظر إلى من عصيت. فمن عصى الله فهذا جاهل بعظمة الله، وجاهل كذلك من عصى وهو الله سبحانه وتعالى. فكل من عصى الله فهو جاهل، فهو جاهل: إما جاهل بحق الله عز وجل وعظمته، وقد يكون جاهلاً بالحكم الشرعي، وهذا قليل جداً، خصوصاً فيمن يعيش في بلاد المسلمين. قال: وقوله هنا: "أجمع أصحاب الرسول"، هذا جاء فيه أثر ذكره المعلق هاهنا عن أبي العالية، أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: "كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة". وذكر المعلق، أخونا الشيخ أبو العباس الشحري، أن إسناد هذا الأثر حسن. قال: وأن كل ما كان قبل الموت فهو قريب. وهذا تفسير قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾. من قريب: أي قبل الموت، قبل الموت. فدل ذلك على أن من تاب أثناء الموت وعند الغرغرة، فهذا هذه التوبة لا تنفعه. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم... وهذا أيضاً ورد فيه أثر ذكره المؤلف أو المعلق هاهنا. نعم، وقال: "انظر تفسير ابن كثير". وهذا المعنى لا خلاف فيه، وهذا المعنى لا خلاف فيه: أن كل ما كان قبل الموت فهو قريب. وهذا يدل عليه قول الله عز وجل: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾، وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وإلى غير ذلك. فكل ما هو آت فهو قريب، ومن مات فقد قامت ساعته، قامت قيامته. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، والحديث حسن، رواه أحمد والطبراني والدارقطني، كما ذكر المعلق حفظه الله. ومعنى "ما لم يغرغر": يعني ما لم تبلغ الروح الحلقوم، فتغرغر النفس وهي صاعدة من الجسد وخارجة من الجسد. فهنا لا تقبل التوبة. قال: فأما إذا عاين... وقد هنا يرد إشكال فيما جاء في الصحيح من حديث المسيب بن حزن: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ الحديث. فقوله: "لما حضرت أبا طالب الوفاة"، ليس معنى ذلك أنه قد وصل إلى حال الغرغرة، وأن نفسه قد بلغت الحلقوم، وإنما المراد: لما حضرت أبا طالب الوفاة، يعني مقدمات الوفاة، مقدمات الوفاة، وذلك قبل الغرغرة. فلو قالها لنفعته؛ لأنها ليست في حال الغرغرة، ليست في حال الغرغرة. فمثل الإنسان قد قبل أن يأتيه ملك الموت يكون متوقعاً الموت لشدة مرضه ولخطورة مرضه. فهنا تصح منه التوبة؛ لأنه لم يحتضر بعد، لم يحتضر بعد، ولم تبلغ روحه حلقومه. فهنا تقبل منه التوبة. فيحمل ذلك الحديث كما ذكر شراحه على مقدمات الوفاة، وليس على الاحتضار؛ وإلا لو كان يحتضر لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، لأن هذا الأمر لا يفيده ولا ينفعه. قال: فأما إذا عاين الملك، أي ملك الموت والملائكة الذين معه، وحشرجت الروح في الصدر، يعني بدأت تطلع وتخرج، وبلغت الحلقوم، وصلت إلى الحلقوم، وغرغرت النفس، أو شكت على الخروج من الجسد صاعدة في الغلاصم. والغلاصم: هو جمع غلصمة، والغلصمة: هو رأس الحلقوم، رأس الحلقوم، وهو الموضع النائف الحلق، هذا الموضع البارز نسميه هنا نحن الحنجرة أو نحو ذلك، هذا تسمى غلصمة، وجمعها غلاصم. فهذه النفس لما تخرج تصل الحلقوم، فتغرغر النفس صاعدة إلى الغلاصم، ما بقي لبعض الغلاصم إلا أن تخرج من الفم، وتفارق الجسد، وتفارق الجسد. فإذا كان المحتضر على هذه الحال، فلا تنفع منه التوبة. قال: فلا توبة مقبولة حينئذ، ولا فكاك، ولا خلاصة، ولا تحانم حين مناص. فإذا ينبغي للمسلم أن يبادر إلى التوبة قبل تلك الحال. عنده مظلمة، عنده معصية، عنده سريرة خبيثة سيئة، يبادر ويستعد للموت؛ لأن الموت ما سيستأذنك، وما سيخبرك متى سيأتيك. لربما يأتيك على غفلة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾، ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، ﴿لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾. كنت في غفلة من هذا، كنت في غفلة، فجاءك الموت بغتة، كنت في غفلة، فجاءك الموت بغتة. فإذن العاقل اللبيب هو الذي يستعد لهذا الموت، يصفي نفسه، يتوقع أن الموت سيأتيه في أي لحظة، سيأتيه في أي لحظة. وهكذا كان السلف، ما يستعدون بالتوبة فقط، بل يستعدون بالإكثار من العمل الصالح، حتى كأن الموت سيأتيهم الآن. جاء عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى أنه إذا قيل له: "سيأتيك الموت غداً"، لم يستطع أن يزيد من الأعمال الصالحة شيئاً. لماذا؟ لأنه كل يوم وهو يستعد للموت، كل يوم وهو يتوقع أن الموت سيأتيه، على يقين، ما يؤمل أن يعيش إلى غد. وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». فكان ابن عمر يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، لا تتوقع أنك تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح". إذن هذا يدعون جميعاً إلى الاستعداد والتوبة والإكثار من الأعمال الصالحة والتخلص من كل معصية. قال: وذلك قوله عز وجل عقب هذه الآية، الآية المتقدمة: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، ثم قال بعدها: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. حضر أحدهم الموت: يعني أصبح في حال الاحتضار، في حال الغرغرة، قد بلغت الروح الحلقوم. فهنا لا توبة له، فيندم حين يرى الموت، فيقول: إني تبت الآن. كحال فرعون لما أدركه الغرق، قال: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. قال له ربه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. تتوب وقت الغرغرة، وقت الاحتضار، لا ينفعه. كذلك وهكذا من يتوب عند الاحتضار لا ينفعه ذلك. فإذن الجواب على هذا السؤال: متى تنقطع التوبة في حق كل فرد من أفراد الناس؟ إذا بلغت الروح الحلقوم، وحشرجت الروح في الصدر، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم. فحينئذ لا توبة. وقد ذكر من الأدلة آيتين وحديثاً، وهناك أحاديث كثيرة بمعنى. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.