الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في نهي التطير وبيان أنه شرك. ويبين أن الفأل هو الكلمة الطيبة التي يستبشر بها المسلم دون أن يعتمد عليها في الإقدام أو الإحجام، مع ذكر شروط الفأل المشروع وأمثلة عليه.
يبيّن المقطع أهمية الكلمة الطيبة في رفع معنويات المريض والمبتلى، وأن التفاؤل بالفأل الحسن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم. بينما الطيرة (التشاؤم) شرك أصغر لأنها تجعل غير الله سبباً وتسيء الظن به، وقد صح حديث ابن مسعود: «الطيارة شرك» وحديث ابن عمر في كفارة من ردته الطيرة عن حاجته.
يشرح المقطع حديثاً صححه الألباني في كفارة الطيرة التي يترتب عليها عمل (إقدام أو إحجام)، مبيناً أن دعاء «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» يشتمل على إفراد الله بتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. ويوضح أن الطيرة المذمومة هي التي يُبنى عليها فعل أو ترك، أما ما يقع في النفس دون عمل فلا مؤاخذة فيه، مستدلاً بحديث الفضل بن عباس الضعيف سنده الصحيح معناه.
يختتم الشيخ الدرس بعبارة 'إلى هنا والله تعالى أعلم'، معلناً انتهاء المجلس العلمي وتفويض العلم المطلق لله سبحانه. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمجلس العلمي مع التأكيد على أن العلم كله لله.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي باب ما جاء في التطير: قال: ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة». ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلماً. فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك». وقال: وله من حديث ابن مسعود مرفوعاً: «الطيارة شرك، الطيارة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». رواه أبو داود والترمذي وصححاه، وجعل آخره من قول ابن مسعود. ولأحمد من حديث ابن عمر: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». قالوا: ما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». ولهُ من حديث الفضل بن عباس: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك». ذكر المؤلف كذلك بعض الأدلة على حكم الطيرة وما يتعلق بذلك من كفارتها إن وقعت ونحو ذلك. فقال: عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة». وقد تقدم الكلام على ذلك، ولكن زيادة في هذا الحديث: «ويعجبني الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الطيبة». الفأل هو الاستبشار بمرئي أو بمسموع، لكن لا ينبني عليها إقدام أو إحجام، وإنما يستبشر ويفرح بذلك، وهذا من حسن الظن بالله، بعكس التشاؤم فإنه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. مثال ذلك: مثلاً خرج لسفر فرأى الجو منطراً والسحب ملبدة في السماء فاستبشر بذلك وتفاءل في سفره هذا، وليس معنى هذا أن هذا الغيم هو الذي جعله ينشئ السفر، لا، وإنما قد أنشأ السفر من قبل، لكن لما رأى ذلك استبشر وانشرح، ونحو ذلك، فهذا لا بأس به. أو مثلاً أراد سفراً فإذا به يصاحب شخصاً صالحاً وتقيا ونحو ذلك فيتفاءل في سفره هذا ويستبشر بصحبته لهذا الرجل الصالح، فهذا لا بأس به. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله لهذا التفاؤل شرطاً فقال: ومن شرط الفأل أن لا يعتمد عليه، لا يكون هو السبب في الإقدام، وأن لا يكون مقصوداً، يعني ليس بسبب هذا التفاؤل أن شئت سفراً أو عقدت تجارة أو نحو ذلك، لا، بل أن يتفق للإنسان ذلك من غير أن يكون له على بال. مثالاً: أردت أن تدخل في صفقة تجارة فجئت إلى موضع شراء هذه التجارة، فإذا بصاحب البضاعة يعني سمح يسهل، يقول لك: تريد هذا؟ خذها، ولا يعني ولا تتحمل بعيب أو بشيء، فتستبشر خيراً بمعاملة هذا الرجل، وأنت في نيتك أن تأخذ هذه التجارة، فتفاءلت خيراً بحسن المعاملة وبكذلك أخلاق هذا البائع، فهذا من التفاؤل الحسن لأنك اعتمدت في شرائك لهذه البضاعة على ذلك، وما قصدت الشراء بسبب ما رأيت من هذا البائع، فهذا أيضاً من الفأل الحسن. ولذلك قالوا: يا رسول الله، وما الفأل؟ يعني: أيش مثال هذا الفأل؟ فقال: «الكلمة الطيبة». وفي رواية مسلم: «الكلمة الصالحة». الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم، أي أن الفأل هو الكلمة الطيبة التي تستبشر بها النفوس، كما تقدم مثلاً في بيع أو في غير ذلك، فتسمع كلمة طيبة ومعاملة حسنة فتستبشر وتقول: هذا في وجهه الخير، ونحو ذلك، فهذا من الفأل الحسن. معناه: لا تتشاءموا ولكن تفاءلوا، فالكلمة الطيبة لها وقع ولها أثر في نفوس الناس، خصوصاً وقت الشدائد والمحن كمرض أو فقر أو نحو ذلك. فتسمع الناس الكلمة الطيبة: إنسان مريض ما أتيه، تقول له: والله هذا مرضك قد سمعت فلان مات بسببه وفلان يعني تعب بسببه، فأنت بهذا تزيده مرضاً على مرضه. لكن لو جئت زرته وقلت له: ما شاء الله أنت بخير، وهذا أمر ليس بكبير، والشفاء قريب إن شاء الله، وهكذا تأتي له بالكلمة الصالحة، الكلمة الطيبة، لربما يشفى ويذهب ما به من مرض بسبب هذه المعنويات التي يسمعها منك، فهذا أيضاً يدخل في باب التفاؤل. ومثله وقت الشدائد ووقت كذلك الابتلاءات، فمثلاً في وقت الأزمات وغلاء الأسعار ونحو ذلك، ما يحتاج الناس أن تقول لهم: أوشكنا على الهلاك، البلاد قادمة على مجاعة عامة، وهكذا تخوف الناس. لا، نأتي بكلام طيب، قل لهم: هذه أزمة وإن شاء الله تمر، وهذا الأمر يدعونا إلى تعاون وإلى دعاء ورجوع إلى الله، وهكذا تعطيهم الكلام الطيب وتعطيهم الكلمة الطيبة حتى لا تزيدهم بلاء على ما هم عليه من البلاء. فهذا هو معنى الكلمة الطيبة. ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله فقال: «أحسنها الفأل». والحديث ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، ولكن معناه صحيح، معناه صحيح. فقوله: «أحسنها الفأل» يدل عليه الحديث المتقدم: «ويعجبني الفأل»، ففيه الإرشاد إلى التفاؤل، وأن المسلم لا ترده الطيرة، لأنه قال: «ولا ترد مسلماً». «فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت» إلى آخر الحديث، إلى آخر الحديث. ففيه معنى الحديث المتقدم، لكن في صناعة الحديثية فهذا الحديث إسناده ضعيف كما ذكر ذلك العلامة الألباني، فيه حبيب بن أبي ثابت كثير التدليس ولم يصرح في هذا الحديث بالتحديث، فهو حديث ضعيف. وقال: وله من حديث ابن مسعود مرفوعاً: «الطيارة شرك، الطيارة شرك، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل». رواه أبو داود والترمذي، والحديث صححه العلامة الألباني. وقوله: «وجعل آخره من قول ابن عباس» أي أن قوله: «وما منا إلا» هذا مدرج في الحديث، والحديث المدرج هو أن يدخل الراوي كلاماً في أثناء كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوله في آخر الحديث: «وما منا إلا» هذا من كلام ابن مسعود أدرجه في هذا الحديث، وأما القدر المرفوع من الحديث هو أوله: «الطيارة شرك، الطيارة شرك». واستدل العلماء بهذا الحديث على أن الطيارة شرك أصغر، لأن القاعدة عندهم كما ذكر ذلك العلامة ابن عثيمين: أن الشرك إذا نكر في أي دليل من الأدلة فهو يدل على الشرك الأصغر، وهنا نكر الشرك، قال: «الطيارة شرك، الطيارة شرك»، ما قال: الطيارة الشرك، وإنما قال: شرك، فتنكيره يدل على أنه من الشرك الأصغر. وقد تقدم معنا أن سبب الطيارة أنها من الشرك الأصغر لأن المتطير جعل ما ليس سبباً سبباً، وهذا هو الشرك الأصغر. وقوله هنا: شرك، لأنه يتعلق بالقلب، وفيه إساءة الظن بالله سبحانه وتعالى، وفيه ضعف التوكل على الله عز وجل. وقوله: «وما منا إلا» هنا كلام محذوف ومقدر، فيكون التقدير: وما منا إلا تطير، وما منا إلا تطير، أي في الجاهلية قبل أن يعلموا هذا الحكم الشرعي. وقال بعضهم: حذف المستثنى لما يتضمنه من الحال المكروهة، لأن فيه يعني إثبات شيء نهى عنه الشرع وهو التطير، وهذا نوع من الأدب في الكلام، نوع من الأدب في الكلام، ولأن سياق الكلام يدل عليه فحذفه من بلاغة اللغة العربية، لأن اللغة العربية قائمة على الاختصار، قائمة على الاختصار. فقوله: «وما منا إلا» يعني تطير، فلم يذكر ذلك تأدباً في اللفظ، لأن ذكره مما يكره، ذكره مما يكره. نعم. ثم قال: وله أحمد من حديث ابن عمر: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك». قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». هذا الحديث صححه العلامة الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، والحديث عند أحمد كما ذكر المؤلف. والشاهد من هذا الحديث أن الطيرة المترتب عليها عمل شرك، المترتب عليها عمل شرك، ما هو هذا العمل؟ أن تكون سبباً في إقدامه أو في إحجامه، أن تكون سبباً في إقدامه أو في إحجامه، فهذا شرك بالله عز وجل، وكما تقدم أنه من الشرك الأصغر. فالصحابة لحرصهم على الخير وعلى أن يلقوا الله عز وجل على طهارة وعلى تكفير لسيئاتهم سألوا النبي عليه الصلاة والسلام: من فعل هذا ما هو كفارته؟ إيش يفعل حتى يرد هذا العمل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك». ففي الدعاء إفراد الله بالربوبية وبالألوهية، فقوله هنا: «اللهم» هذا فيه إثبات الألوهية لله، وقوله: «لا خير إلا خيرك» فيه إثبات الربوبية لله، لأن إصابة الخير والتوفيق إليه إنما هو من الله، إنما هو من الله، وهو من أفعال الله عز وجل، وهي تدخل في توحيد الربوبية، تدخل في توحيد الربوبية. فهذا الدعاء اشتمل على إفراد الله في توحيد الربوبية وفي توحيد الألوهية، فلا يطلب الخير إلا من الله، ولا يعطي الخير إلا الله. فكونه لا يطلب الخير إلا من الله هذا توحيد الألوهية، ولا يعطي الخير إلا الله هذا من توحيد الربوبية. فاشتمل هذا الحديث على إفراد الله عز وجل في توحيد الربوبية والألوهية، وكذلك الأسماء والصفات. فـ «اللهم» هذا لفظ الجلالة، الله هو الاسم الأعظم، و «اللهم» بمعنى يا الله، نعم، فحذف الياء وعوض عنها بالميم، ولذلك لا يجمع بين العوض والمعوض عنه، فلا يقول: يا اللهم، لا يقال: يا اللهم، لأن الميم هنا عوض عن الياء، فيكتفى بقولك: اللهم. فقوله: «اللهم» هذا في توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهكذا قولك: «لا خير إلا خيرك» هذا فيه توحيد الألوهية لأنه لا يطلب الخير إلا من الله، وكذلك فيه توحيد الربوبية لأن الخير لا يعطيه إلا الله سبحانه وتعالى. ومعنى: «لا خير إلا خيرك» يعني حصر الخير بأنه من عند الله وحده. فكونك تسافر بسبب هذا الطير أو هذا التفاؤل كأنك جعلت الخير سببه هذا الفعل، هذا الأمر الذي تطيرت به، الذي تطيرت به، ففيه نوع من أنواع نسبة الخير إلى غير الله سبحانه وتعالى. وقوله: «لا طير إلا طيرك» حصر الطير، أي القدر الذي يتشاءمون منه، بأنه من عند الله وحده، ومعناه أنه لن يقع إلا ما قدرته يا رب، لا يقع إلا ما قدرته يا رب. فهذا الدعاء بعد الوقوع في الطيرة يدل على أنه كفارة لها، كفارة لها، فيقلع المسلم عن فعل ذلك مرة أخرى، وأما ما وقع منه من الطيرة فهذا الدعاء بإذن الله عز وجل يكون سبباً لكفارة ذلكم الذنب. وأما قوله: «وله من حديث الفضل بن عباس: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك»، هذا كذلك الحديث فيه ضعف وانقطاع ونحو ذلك ولا يثبت بهذا اللفظ، لكن معناه صحيح، معناه صحيح: أن الطيرة لا تذم إلا إذا فعلها الإنسان، أما إذا لم يبالي بها ووقع شيء في قلبه منها لكن لا يبالي بها ولم يتمادى معها ويسترسل معها بل أقبل على شأنه، فهذا لا يؤخذ عليه، وإنما يؤخذ على العمل بالطيرة من الإقدام أو الإحجام. والشاهد أن هذا هو ضابط الطيرة المحرمة، ضابط الطيرة المحرمة هي التي ينبني عليها إقدام أو إحجام، أما ما يقع في النفس فلا يخلو منه أحد، و «ما منا إلا تطير» أي وقع في نفسه شيء من ذلك. والفضل بن عباس هو ابن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأكبر ولدي العباس. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، وإن شاء الله في الدرس القادم نشرع في الباب الذي بعده. إلى هنا والله تعالى أعلم.