المحاضرة بعنوان نماذج مشرقة من تعامل زوجات السلف الصالح مع أزواجهن، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر عصر يوم الجمعة 30 جمادى الأولى 1447هـ الموافق 21 نوفمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تستعرض المحاضرة دور خديجة بنت خويلد رضي الله عنها في تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم عند أول نزول الوحي، حيث هدأت من روعه وذكرته بأخلاقه الكريمة. ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل لتأكيد نبوته، مما يبرز دور الزوجة الصالحة في موازنة الابتلاء وتثبيت الداعية.
يبيّن المقطع مكانة خديجة وعائشة رضي الله عنهما في قلب النبي صلى الله عليه وسلم بفضل مواقفهما الإيمانية وأدبها معه. ويؤكد أن حسن معاشرة الزوجة لزوجها وأداء حقه سبب لنيل حلاوة الإيمان ودخول الجنة، بينما يورث الصمت والانقطاع المشاكل الزوجية.
يستعرض المقطع حقوق الزوج على زوجته من الطاعة والفراش والشكر، وتحريم طلب الطلاق بغير سبب، مستدلاً بأحاديث صحيحة. ويعرض نماذج عملية من نساء السلف كامرأة سعيد بن المسيب، مؤكداً أن السعادة تقوم على التغافل والصبر وحسن المعاشرة.
تلخص الوصية عشر خصال لسعادة الحياة الزوجية منها التواضع، التزين، مراعاة الطعام والنوم، وحسن تدبير المال وكتمان الأسرار. وتؤكد على آداب الزوجة في مراعاة مشاعر الزوج بتقديم رضاه على رضاها، وعدم إظهار الفرح عند حزنه ولا الحزن عند فرحه، لجلب الإكرام وطول المرافقة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخواتي، في هذه المحاضرة وفي هذا المجلس سيكون حديثنا عن نماذج مشرقة من تعامل زوجات السلف الصالح مع أزواجهن. فلا شك أن المرأة المسلمة قدوتها وأسوتها نساء السلف، بخلاف ما عليه كثير من نساء هذا الزمان من التشبه بالفاجرات والفاسقات، بل وربما الكافرات. فالمرأة المسلمة الصالحة ينبغي عليها أن تقتدي بأخواتها الصالحات من سلف هذه الأمة في كل شيء: في أخلاقهن، وفي تعاملهن، وفي كذلك القيام ببيوتهن، وفي جميع شؤون حياتهن. فبهذا تسعد المرأة المسلمة كما سعد نساء السلف مع أزواجهن. ونبدأ في أول نموذج من هذه النماذج المشرقة، وهي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها. هذه المرأة الصالحة التي هي من المؤمنات العاقلات الصالحات الثابتات على الإيمان والنصرة والطاعة والمواقف المشرقة مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فخديجة رضي الله تعالى عنها لما رأت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك قبل بعثته بسنوات تقارب عشرين سنة أو نحوها، اختارته أن يتاجر بمالها، وكانت ذات مال رضي الله عنها. فلما علمت من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمانته، اختارته لمالها، ثم بعد ذلك اختارته لأن يكون زوجًا لها، مع أنها تزيد عليه بخمسة عشر سنة حين زواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بها. فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت تبلغ من العمر أربعين عامًا، وأما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان يبلغ من العمر خمسة وعشرين سنة. فكانت امرأة عاقلة، فلما أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأكرم بالرسالة والنبوة، كانت من أول المؤمنين به من النساء رضي الله عنها وأرضاها. بل وقفت معه في أصعب وفي أحلك المواقف، موقف المرأة المثبتة، المرأة العاقلة الحكيمة. فقد جاء في الصحيحين: قالت عائشة: «أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، ثم حبب إليه الخلوة، فكان يذهب فيجلس الليالي في غار حراء، فبينما هو كذلك إذ جاءه جبريل عليه السلام فضمه ضمة، وقال له: اقرأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ. ثم تركه، ثم ضمه مرة أخرى، وهكذا ثلاث مرات، وهو يقول له: اقرأ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لست بقارئ، يعني لا أعرف القراءة. ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾». قالت عائشة: «فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة». جاء خائفًا عليه الصلاة والسلام، ومن شدة خوفه كان يرتعد ويرتجف عليه الصلاة والسلام، وهو يقول: «زملوني، زملوني» أي: غطوني. فزملته خديجة حتى ذهب عنه الروع، أي الخوف. فقال: «ما لي يا خديجة؟» وأخبرها الخبر، ثم قال لخديجة: «قد خشيت على نفسي». فماذا كان من هذه المرأة؟ كيف تعاملت مع هذا الموقف العصيب، ومع هذا الحدث الرهيب؟ هل ولولت؟ هل خافت؟ هل يئست؟ أبدًا. وإنما وقفت موقف المثبتة، وموقف كذلك المؤمنة بأن الله عز وجل لا يخزي نبيه. فقالت له: «كلا، أبشر». انظروا إلى هذا الكلام من هذه المرأة الصالحة. قالت له: «كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق». ثبتته وخففت عن روعه وخوفه رضي الله عنها. ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الخط العربي، وكان شيخًا قد عمي. فقالت: «اسمع من ابن أخيك ما يقول». فقال: «يا ابن أخي، ما ترى؟» فأخبره، فقال: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى» الحديث. فانظرن يا أيتها الأخوات إلى موقف هذه المرأة الصالحة. وهكذا ينبغي للمرأة أن تقف في مواقف الابتلاء التي قد تحصل لزوجها. هذا الموقف أن تقف معه موقف التصبير وموقف كذلك التثبيت، لا موقف الخذلان أو السلبية. فقد يحصل للزوج شيء من مثل هذه الابتلاءات، خصوصًا الداعية إلى الله، قد يعتريه من الهم، من الغم، من العوائق، من الأذى من قبل بعض أعداء دعوته. فالمرأة الصالحة هي التي تعين زوجها على دعوته، وتهيئ له أسباب قيامه بها. فانظرن إلى هذه المرأة الصالحة كيف وقفت هذا الموقف، وذكرت زوجها بما كان عليه من حسن الخلق، من صلة الأرحام، من الصدق في الحديث، من إعانة الناس وتحمل النوائب والنوازل. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب خديجة حبًا جمًا، حتى بعد موتها كان لا ينساها ولا ينسى ذكرها، حتى غارت أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها من كثرة ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة. جاء عند الإمام أحمد، وهو حديث حسن، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء». قالت عائشة: «فغرت يومًا». غارت مع أن خديجة قد ماتت. النبي صلى الله عليه وسلم ما تزوج على خديجة امرأة بعد موت خديجة إلا بعد ثلاث سنوات كما ذكر أهل السير، يعني ما تزوج على عائشة إلا بعد ثلاث سنوات، تزوج بعدما توفيت خديجة على سودة بنت زمعة، ثم على عائشة رضي الله عنها بعد ثلاث سنوات. ومع هذا، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الثناء على خديجة، غارت أمنا عائشة رضي الله عنها، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما أكثر ما تذكر حمراء الشدقين، قد أبدلك الله عز وجل بها خيرًا منها» تعني نفسها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أبدلني الله عز وجل خيرًا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدًا إذ حرمني أولاد النساء». فانظرن، فانظرن إلى هذا الوصف من النبي صلى الله عليه وسلم. فدل هذا على مكانة خديجة ومنزلتها بقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. واستدل العلماء بهذا الحديث على أن هذه المواقف من الزوجة تكون سببًا في محبة الزوج لها، وفي شدة كذلك محبة الزوج لها، أن تكون طائعة فيما يكون عليه من عقيدة صحيحة ومنهج قويم. فقوله: «إذ كفر بي الناس» أي: آمنت بي وإذ كفر بي الناس، فهي أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من النساء وصدقت به. وهكذا «واستني بمالها» كانت تعطيه من مالها إذ أكرمها الله عز وجل بالتجارة رضي الله عنها. وهكذا المرأة الصالحة، قد يعترض زوجها شيء من الشدة والأزمات، ويكون معها شيء من المال، فلو ضحت بشيء من مالها من أجل زوجها، فإن هذا الزوج لا ينسى معروفها، بل تزداد في قلبه محبة وكذلك مودة. وقد سمعنا كثيرًا من الناس يثني على زوجته لأنها ضحت معه، وأنها واسته، وأنها واسته، فيثني عليها ثناء عطرًا ومدحًا حسنًا لمواقفها المشرفة معه. وهذا لها سلف بهذه المرأة الصالحة خديجة رضي الله تعالى عنها. إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدًا إذ حرمني أولاد النساء». أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يولد له من الزوجات إلا من خديجة رضي الله عنها، كل أولاده من خديجة رضي الله تعالى عنها، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية. وأما كل أولاده عليه الصلاة والسلام من الذكور الذين ماتوا ومن الإناث كذلك فمن خديجة رضي الله تعالى عنها. فهذا يدلنا على موقف هذه المرأة الصالحة مع زوجها وكيف تعاملها معه. وهكذا ينبغي أن تكون بيوت الصالحات. وهكذا نأخذ نموذجًا آخر من النماذج التي فيها تعامل زوجات السلف مع أزواجهن. مع أزواجهن. فمن ذلك أيضًا عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، كيف كانت تعامل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكيف كانت تعبر عن مشاعرها وعن مدى حبها له عليه الصلاة والسلام. جاء عند ابن حبان، ويصححه العلامة الألباني، أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها سئلت عن أعجب ما رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، طبعًا بعد موته، فبكت، ثم قالت: «كان كل أمره عجبًا». قالت: «أتاني في ليلتي التي يكون فيها عندي، فاتجع بجنبي، أو فاتجع بجنبي، حتى مس جلدي جلده، ثم قال: يا عائشة، ألا تأذنين لي أن أتعبد ربي عز وجل؟». انظروا إلى مدى الود والإحترام والأدب بين الزوجين، وكيف التخاطب بينهما. الليلة ليلتها، وهو نائم عندها، وقد مس جلدها جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أن يقوم، ماذا يفعل؟ يتعبد لله، يصلي لله. فماذا كان جوابها، وماذا كان ردها على هذا الطلب من حبيبها؟ قالت رضي الله عنها: «والله إني لأحب قربك، وأحب هواك» أي: أحب أن لا تفارقني. «وأحب ما يسرك مما تهوى». انظروا إلى هذا الكلام من هذه الزوجة الصالحة. ما قالت له: «قم» ونهرته، أو قالت له: «الليلة ليلتي» ونحو ذلك. وإنما قالت له هذه الكلمات التي فيها مدى التعبير عن المحبة والمودة والرحمة. قالت: «والله إني لأحب قربك، وأحب هواك، وأحب ما يسرك مما تهوى». قالت: «فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي ويتهجد، فبكى في صلاته حتى بل لحيته عليه الصلاة والسلام». فبعض النساء في هذا الزمان لربما ما تحسن التعامل مع زوجها، فلربما تؤثر الصمت أو ما يسمى بالسكتة الزوجية، دون أن تعبر عن مشاعرها وتعبر عن محبتها. فعدم تعبير الزوجة عن عواطفها، وعدم وجود حوار يربط بينهما، هذا هو سبب المشاكل الزوجية. فإذا صمت الزوج، فلابد للمرأة أن تراضي زوجها، وأن تعبر عن مدى محبته أو محبتها له. وهذا ما ورد به الحديث. جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: هذا الحديث صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله، رواه جماعة من أهل السنن، وهو في السلسلة الصحيحة. قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بخير نسائكم من أهل الجنة؟» ولا تحبين أن تكوني من خير النساء؟ اسمعي إلى هذا الحديث. يقول: «ألا أخبركم بخير نسائكم من أهل الجنة؟ الودود، الولود، العؤود لزوجها». الودود، الولود، العؤود لزوجها. «التي إذا آذت أو أوذيت، جاءت حتى تأخذ بيد زوجها، ثم تقول: والله لا أذوق غمضًا حتى ترضى». إنها من المصيب العظيم أن تنام المرأة وزوجها ساخط عليها. هذه المرأة لربما تحرم السعادة في حياتها ولذة العبادة والطاعة. وقد سئل العلامة الألباني عليه رحمة الله سؤال عجيب غريب، وإجابة كذلك. سئل الشيخ الألباني من امرأة، سألته امرأة قالت: «يا شيخ، قبل زواجي كنت فتاة صوامة قوامة، أجد لذة للقرآن عجيبة، والآن فقدت حلاوة الطاعات». هذا السؤال من هذه المرأة تقول: كانت قبل زواجها وهي فتاة صالحة، تصوم، تقوم، تقرأ القرآن، وتشعر بلذة وحلاوة لهذه العبادات. فلما تزوجت فقدت حلاوة الطاعات. ما تركت هذه الطاعات، لا تزال تصوم وتقوم وتقرأ القرآن، لكنها ما تشعر بطعم هذه العبادة ولذة هذه العبادة بعد زواجها. فأجابها الشيخ الألباني بسؤال، قال لها رحمه الله: «ما هي أخبار اهتمامك بزوجك؟ كيف اهتمامك بزوجك؟ هل أنت مهتمة بحقوقه في فراشه، في مأكله، في مطعمه، في ملبسه، في بيته؟» فالمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. فقال لها: «ما هي أخبار اهتمامك بزوجك؟» فتعجبت هذه المرأة، قالت: «يا شيخ، أنا أسألك عن القرآن والصوم والصلاة وحلاوة الطاعة، وأنت تسألني عن زوجي؟» كأنها رأت أن هذا السؤال عجيب، بعيد من سؤالها. فقال لها الشيخ الألباني: «نعم يا أختي، لماذا لا تجد بعض النساء حلاوة الإيمان ولذة الطاعة وأثر العبادة؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا تجد المرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها». لا تجد المرأة حلاوة الإيمان حتى تؤدي حق زوجها. وهذا الحديث يصححه العلامة الألباني، وما سيستدل به إلا وهو صحيح، فهو في صحيح الترغيب. ثم استمر في وعظها وفي تأكيده لحق زوجها، فقال: «طلب رضاه قولا وفعلا يدخل، ويدخل الزوجة الجنة بأمر الله تبارك، عمل قليل يعقبه خلود في الجنة». ثم ذكر الحديث المتقدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخير نسائكم من أهل الجنة؟ الودود، الولود، العؤود». العؤود يعني: التي سرعان ما تعود إلى زوجها، وتترك ما في نفسها من غضب أو من موقف من زوجها أو نحو ذلك. فقال: «الودود، الولود، العؤود، التي إذا ظلمت، قالت: هذه يدي في يدك، لا أذوق غمضًا حتى ترضى». وهذا أيضًا في سلسلة الأحاديث الصحيحة. ثم ذكرها أيضًا ببعض حقوق الزوجة تجاه زوجها في بعض الأحاديث، فذكر لها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه». أي: إذا خالفت هذا فهي عاصية لزوجها، فأنى لها أن تجد لذة الإيمان وحلاوة الإيمان؟ ثم ذكر لها حديثًا آخر فيه حق آخر من حقوق الزوج على زوجته، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته» أي: من غير سبب، ما هي مريضة، وما هي ممتنعة عن المعاشرة في حيض أو نحوه. هكذا: «إذا دعا الرجل امرأة إلى فراشه فلم تأته، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح». فأنا لملعونة أن تجد لذة العبادة ولذة الطاعة. وذكر لها أيضًا حديثًا آخر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». ولكن السجود يكون لله عز وجل وحده. وهذا لعظم حقه عليها. كما جاء أيضًا تكملة للحديث، ثم ذكرها بحديث آخر فيه أيضًا حق من حقوق الزوج على زوجته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه، قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل، أي ضيف، يوشك أن يفارقك إلينا». هكذا تقول الحور العين لمن تؤذي زوجها، سواء كان بالقول أو بالفعل، أو بكذلك عدم القيام بحقوقه. فكل هذا من أذية الزوج. وهكذا ذكرها بحديث آخر في صحيح الترغيب والترهيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينظر الله تبارك وتعالى إلى امرأة لا تشكر زوجها وهي لا تستغني عنه» نظر عقوبة، والعياذ بالله. لا ينظر إليها تبارك وتعالى عقوبة لها، التي لا تشكر زوجها. زوجك يحسن إليك بالنفقة، بالسكن، بالمعاملة الحسنة، ولا يسمع من زوجته: «جزاك الله خيرًا، لقد أسعدتنا، لقد وفيت ما طلبنا منك، أتعبناك، جزاك الله خيرًا». الزوج يحتاج إلى كلمة حسنة، كلمة شكر، وكلمة كذلك ثناء على ما يقوم به. وإن وقع في أزمة أو في قلة ذات اليد، فالواجب على المرأة الصالحة أن تصبر، أن تصبر معه، وأن لا تؤنبه، وأن لا تحتقره، وأن لا تؤذيه، وتطلب ما لا يستطيع. فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. فالمرأة الصابرة هي التي تصبر على حسب حال زوجها، ولا تكلفه ما لا يطيق. وإذا أنعم عليها تشكره وتثني عليه وتشجعه. هذا أيضًا مما يجعل المرأة تشعر بالسعادة في بيتها ومع زوجها. وهكذا الشيخ الألباني ذكرها بحديث آخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة». ما تريد زوجها؟ تريد أن يطلقها. أيش السبب؟ ما هناك سبب معقول، أو ما هناك سبب مقنع، وإنما هو الغضب أو الجهل أو نحو ذلك. فهذا حرام عليها رائحة الجنة. فانظرن يا أيتها الأخوات إلى جواب هذا العالم الراسخ لهذه المرأة، لهذه المرأة. فشاهدن من هذا أن المرأة الصالحة هي التي تتودد إلى زوجها، لا تجعل رأسك برأسه، إذا نهرك نهرته، وإذا أساء إليك أسأتي إليه. لا، بل المرأة العاقلة إذا غضب زوجها هدأت وسكتت، لا ترد عليه، هو الآن في حالة ثورة، في حالة غضب، فتسكت المرأة إلى أن يهدأ، ثم تضع يدها في يده وتعتذر له، ولو كان هو المخطئ. لأن هذا الأسلوب هو الذي يؤدي إلى دوام العشرة، التغافل والتسامح، خصوصًا في الأمور التافهة، الأمور التافهة التي ما فيها خدش بعرض ولا إخلال بدين، وإنما: لماذا تأخرت؟ أو لماذا ما أتيت بحاجتي كذا؟ أو لماذا يعني لم تأخذني إلى مكان كذا؟ أمور تافهة. فالمرأة العاقلة هي التي تمتص غضب زوجها، تمتص غضب زوجها. كما جاء في الحديث: «كوني ودودة، أخت المسلمة، كوني عؤودة». فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قالت: هذه يدي في يدك، لا أذوق غمضًا حتى ترضى». تواضعي لله، تواضعي لهذا الزوج. فبهذا تسعد البيوت، وبهذا تدوم العشرة، وبهذا كذلك تتقوى أواصر المحبة بين الأزواج، بين الأزواج. وانظرن إلى هذه المرأة العاقلة، نموذج آخر من نماذج النساء الصالحات، وهي تلك المرأة، امرأة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، من سادات التابعين. جاء عن أبي نعيم في الحلية أنها قالت: امرأة سعيد بن المسيب: «ما كنا نكلم أزواجنا إلا كما تكلمون أمراءكم: أصلحك الله، عافاك الله». هكذا تقول هذه المرأة. لما تخاطب الزوج، تخاطبه كأنه أمير، حاكم. تصور لو أن إنسانًا أمام رئيس الدولة، حاكم البلاد، كيف سيكون خطابه له؟ لكن نساء السلف يخاطبن أزواجهن مخاطبة الملوك، يقولن لأزواجهن: «أصلحك الله، عافاك الله». دعوة، كلام طيب. إذا رأيتِ شيئًا مثلًا ما أعجبك من كلام زوجك أو من فعله، تدعين له بالخير، لا تسبينه: «يا ظالم، يا مجرم، ما رأينا منك خيرًا قط، أنت منت رجال» من هذه الكلمات الجارحة. لا، هذا ليس من هدي نساء السلف. وإنما ادعي له بالخير، قولي له: «أصلحك الله، عافاك الله، أعانك الله، وفقك الله». دعوات طيبة. لما يسمعها هذا الزوج يتأثر، وتزداد محبته لك، ويعلم أنك امرأة عاقلة ورزينة وحكيمة. نموذج آخر كذلك، وهي نختم بها، وهي نصيحة أم لابنتها يوم زفافها. هذه الوصية نقلها الأدباء في كتبهم عن امرأة صالحة يقال لها: أسماء بنت خارجة، امرأة عوف الشيباني. فأوصت ابنتها قبل زفافها، يعني في ليلة زفافها أو نحوه. هذه الكلمة جعلها أهل العلم جامعة لأصول المعاملات الزوجية والآداب التي يجب أن تتحل بها كل امرأة صالحة وفتاة مقبلة على الزواج. تقول هذه المرأة أسماء بنت خارجة لابنتها في ليلة زفافها: «أي بنيتي، إن الوصية لو تركت لفضل أدب، تركت ذلك منك، يعني لو كان ترك الوصية من الأدب ما أوصيتك بشيء، ولكنها أي هذه الوصية تذكرة للغافل ومعونة للعاقل». ثم قالت لها: «ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى والديها وشدة حاجتها إليها، كنت أغنى الناس عنه». يعني: لو أن المرأة استغنت عن الزوج، قالت: «أنا ما أريد زوج لأن أموري في البيت مثلًا طيبة مع والديهم في أكلهم، في سكنهم، في شربهم». قالت: «أنا أول واحدة لا استغنيت عن الزواج». ثم قالت لها: «ولكن النساء للرجال خلقنا، ولهن خلق الرجال». لا بد للمرأة من رجل، ولا بد للرجل من امرأة. ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾. فلا تصلح المرأة من غير زوج، ولا يصلح الرجل من غير زوجته. فقالت لها: «ولكن النساء للرجال خلقنا، ولهن خلق الرجال». ثم قالت لها: «انظري». انظروا إلى هذه من توصي ابنتها ليلة زفافها مثل هذه الوصايا العظيمة. قالت لها: «أي بنيتي، إنك تفارقين بيتك الذي منه خرجتي، وتتركين عشك الذي فيه درجتي، إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه». وهذا صحيح، المرأة ما قد دخلت على رجل من غير محارمها، وما قد كشفت عن زينتها لغير محارمها، فستأتي إلى رجل غريب. تقول لها: «خرجتي وتتركين خرجتي، أو تفارقين بيتك الذي منه خرجتي، تتركين هذا البيت الذي عشتي فيه ربما عشرين سنة أو سبعة عشر سنة، ثم تخرجين من هذا البيت إلى بيت آخر، وقرين لم تألفيه، ما قد عشتي معه قبل هذا الزواج». ثم أوصتها هذه الوصايا العظيمة، فقالت لها: «فكوني له أرضًا يكن لك سماءً». كوني له أرضًا يعني: متواضعة، لا تترفعي عليه، ولا تتكبري عليه. كوني كالأرض المهاد، كوني كالأرض السهلة، يكن لك سماءً، أي: يعزك ويرفع من قدرك إذا رأى تواضعك، إذا رأى تواضعك. ثم قالت لها: «وكوني له مهادًا يكن لك عمادًا». كوني له مهادًا يعني: مهدي له الأمور، فإنه سيكون لك عمادًا، أي: ركيزة تتكئين عليها وتتقوين بها. ثم قالت لها: «وكوني له أمة يكن لك عبدًا». كوني كالأمة، بمعنى: لا تتعاملي معه معاملة السيدة المتكبرة المتغطرسة. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم» أي: أسيرات. فهكذا هو حال المرأة مع زوجها، تطيعه وتذل له. فإذا رأى منها تلك المعاملة، كان لها عبدًا، لا يكاد أن يرد لها طلبًا، وتدخل إلى سويداء قلبه لما يرى من خلقها ومن حسن معاملتها. ثم قالت لها وهي مستمرة في نصيحتها وفي كذلك بيان تلك الأمور: «واحفظي له خصالًا عشرًا يكن لك ذخرًا». الآن ستوصيها بعشر خصال. فوالله لو أن كل زوجة عملت بهذه الخصال العشر، لصارت من أسعد النساء، لصارت من أسعد النساء. قالت: «أما الأولى والثانية: فالخشوع له بالقناعة، وحسن السمع والطاعة». كوني قنوعة، لا تتطلعي إلى ما في أيدي غيره. اقنعي. القناعة تكون في السكن، وتكون في الأكل والشرب واللباس والمأكل والمشرب، وكل ما كتب الله عز وجل لهذا الزوج، فلا تتطلعي إلى ما هو أكثر، أو إلى ما هو في أيدي غيره من الناس. وهكذا حسن السمع والطاعة. الأول: الخشوع له بالقناعة، والثاني: حسن السمع والطاعة. تسمعي له، فإذا رأى منك إذا رأى منك السمع والقبول لقوله، وكذلك الانقياد لأمره، فإنه لا يمنعك إلا إذا احتاج إليك. هذه الأول والثاني. قالت: «أما الثالثة والرابعة: فتفقدي لموضع عينه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم، ولا يشم منك إلا الطياب». ريح، ما أعظمها من وصية! وهذا كله جاء به دليل الكتاب والسنة. فقولها هنا: «تفقدي لموضع عينه» بمعنى: أنه لا يرى منك إلا كل حسن وكل جميل. لا تجعليه يرى القبيح في بيته، أو في فراشه، أو في كذلك زينتك ولباسك، أو نحو ذلك. «تفقدي موضع عينه أو عينه وأنفه» يعني: لا يشم منك إلا الرائحة الطيبة. «تفقدي موضع أنفه» وذلك بالتنظف والتزين. ولذلك جاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نها الصحابة إذا أتوا ليلًا من غزو أو سفر أن يطرقوا أبواب بيوتهم ليلًا، قال: «حتى تمتشط الشعثاء، وتستحد المغيبة». يعني: تتزين بتسريح شعرها وتنظيف جسدها. وهذا فيه أن المرأة الصالحة تعتني بزينتها لزوجها، خصوصًا إذا جاء من سفر. ما يأتي من سفر وهي لا تبالي، نائمة، أو في المطبخ، أو كذلك على الجوال، وكأنها لم تكن متزوجة. هذا من الخطأ. والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. كما أن للرجل حقوق، فللمرأة حقوق. فمن حقوق المرأة على زوجها أن تتفقد موضع عينه وموضع أنفه، وذلك بالتزين والتنظف، فلا يرى منها إلا كل حسن وجميل، ولا يشم منها إلا كل طيب، وكذلك كل رائحة طيبة. ثم قالت: «وأما الخامسة والسادسة: فتفقدي لوقت منامه وطعامه، فإن الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة». كذلك تفقدي لوقت منامه وطعامه، لا تزعجيه مثلًا بالسهر، وكذلك يدخل في المنام تجهيز فراشه وما قد يحتاجه من العشرة معك. فإن الرجل ربما يغضب إذا لم يجد راحته. ولذلك قالت: «وتنغيص النوم مغضبة». إذا نام وهو يريد منك ما يريد الرجل من زوجته، فهذا مما يغضبه، ومما يقع في نفسه. فإذا تعتنين بهذا الأمر، وهكذا تتفقدين بطنه، لا تؤخري عليه الطعام، ولا كذلك تقدمي له سيء الطعام. فتعتني بجودة الطعام، وأن يكون في وقته. لا تنشغلي بشيء يؤخر عن زوجك وجبته وهو جائع. جاء من عمل، جاء من جهد، يأتي إلى البيت يريد طعامًا، يريد ما يسد به جوعته، فيرى المرأة نائمة، أو يرى المرأة مشغولة بغير إعداد الطعام. فلا شك أن هذا مما يغضب أيضًا. ثم قالت: «أما السابعة والثامنة: فالاحتراس بماله، والادعاء على حشمه وعياله، فملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير». والله، هذه وصايا عظيمة، قد دل عليها أيضًا الدليل من الكتاب والسنة. فتقول لها: «الاحتراس بماله» بمعنى: كوني حكيمة وعاقلة في أمر صرفيات البيت، وأيضًا في تربية الأولاد والقيام بشؤون البيت. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر في الصحيحين: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها». قالوا: راعية بحسن التدبير، وأيضًا حسن التقدير. التقدير بمعنى: عدم التبذير. لا تطلب طلبيات، وهذه الطلبيات تثقل كاهله، ولربما لا حاجة لها، فهي من كماليات المآكل أو المشارب، لا. وإنما يكون الإنفاق بحسن التقدير، ما تحتاجينه دون إسراف. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. فالمرأة هي التي تكتب للزوج ما تحتاجه من السوق: نحتاج رزًا، نحتاج دقيقًا، نحتاج بطاط، نحتاج كذا وكذا. فينبغي عليها أن تطلب المعقول، وأن لا تثقل على زوجها في أمور لا حاجة لها، أو حاجتها ليست بضرورية. وهكذا العيال: حسن التدبير بتربيتهم، بتهيئتهم، بتغسيلهم، بتعاهد ملابسهم. فالغالب في الرجل أن يكون مشغولا بوظيفته، بمهنته، ونحو ذلك. ثم قالت: «وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرًا، ولا تفشين له سرًا، فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره». يا لها من كلمات عميقة وجميلة! تقول له: «فلا تعصين له أمرًا»، لا تتعمدي عصيانه. «ولا تفشين له سرًا»، البيوت أسرار. ما ينبغي للزوجة أن تخرج هذه الأسرار حتى إلى أمها وأبيها، إذا كان يكره ذلك. فلا تتجاوز أسرار البيت بوابة البيت، تكون محصورة في البيت بينها وبين زوجها. فهذه من الوصايا. ثم قالت وهي تستمر في نصحها وفي كذلك بيان تلك الأمور: «ثم إياكِ والفرح بين يديه إن كان ترحًا، يعني: لا تفرحي إن كان حزينًا، أو الترح بين يديه إن كان فرحًا، يعني: لا تحزني إن كان فرحًا». قال: «فإن الخصلة الأولى من التقصير، وهو الفرح عند حزنه، والأخرى من التكدير، يعني: الحزن عند فرحه». قال: «وكوني كما تكونين له إعظامًا، وكوني ما تكونين له إعظامًا، يكون أشد ما يكون لك إكرامًا، أي: كلما عظمت هذا الزوج أكرمك، يكون أطول ما يكون لك مرافقة، أي: تستمر الحياة الزوجية». «واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، الذي يرضيه تؤثريه على ما يرضيك أنت، وهواه على هواك فيما أحببت أو كرهت، والله يخير لك». انتهت وصية هذه المرأة. فهذه صراحة أرى أن تكتب هذه النصائح وتعطى لكل زوجة، خصوصًا الفتاة المقبلة على الزواج. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده الصالحين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.